الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ومن يعتقد بأن "العزلة" عن العالم شيء طبيعي فهو شخص مخطئ تمامًا، لكن مع الانغماس في طبيعة البشر وتقلبات أمزجتهم واختلاف توجهاتهم ومآربهم، تظهر أصوات للعلن تؤكد بأن "اعتزال" الناس أحيانًا قد يكون مفيدًا للإنسان.
ويذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن العزلة قد تكون في بعض المواقف "إلزامية التكيف معها" لغاية في النفوس وعلاج ناجع للأرواح البشرية من ضجيج الأصوات التي تحيط بهم، وكما يقول الكاتب والروائي الأمريكي إرنست همنغواي: "ابتعادنا عن البشر لا يعني كرهًا أو تغيرًا، العزلة وطن للأرواح المتعبة".
العبارة السابقة هي مربط الفرس لكل المشككين بأهمية العزلة في الانسلاخ من الواقع والدخول من بوابات العالم الموازي الذي به شقان لا ينفصلان عن الروح البشرية، وهما أن العزلة إذا كانت في نظر البعض محطة مهمة لالتقاط الأنفاس، فقد تكون بؤرة ألم يفقد الإنسان فيها كل مشاعره بالأنس والرغبة في الحياة.
دعونا نبحث عن عوالم يمكن أن تستقر فيها أرواح الكائنات الحية، وتجعلها تنفر من منفى العزلة والابتعاد عن الحياة وما فيها من أدوات يمكن أن تبعث الأمل في حياة أخرى جديدة. الأماكن المخفية في هذا العالم لا تزال غير واضحة الملامح أمام عيوننا، علينا أن نبحث عنها حتى يمكن أن نتصور مدى البعد الذي تتخذه من قارات العالم السبع.
هل تتخيل بأن مستوى الإدراك لديك به الكثير من القصور الذي يمنعك من رؤية أماكن لم تسمع بها من قبل أو لم ترَ شكل الحياة التي تعج بها؟
وهذا السؤال قد يفسر لنا كمية الأخطاء التي يقع فيها البشر باعتقادهم بأنهم يدركون تفاصيل كل شيء تحتويه الأرض التي يقفون عليها أو التي يتصورونها في خيالاتهم وأحلامهم البعيدة.
ويزداد الخطأ عندما يتأصل في ذات البعض أنه يرى العالم كما هي أبعاده الحقيقية وتفاصيله الدقيقة، ومن الأشياء التي لا يدركها بعضنا أن هناك أماكن وعوالم أخرى تعيش على سطح الأرض وتركن إلى السكون والعزلة التامة عن أعين العالم!
والسؤال المنطقي: هل هناك أماكن لا تزال مجهولة في العالم؟
من المعلوم لدي ولغيري بأن هناك غموضًا كبيرًا لا يزال حتى اليوم يحيط ببعض المناطق من العالم، وبأن مساحات وأماكن واسعة على كوكب الأرض لم تُكتشف بالكامل، أو لم يطأها الإنسان الحديث بشكل مباشر وحقيقي!
الحقيقة الكاملة ليست كما يتصورها البعض بأن العالم أصبح بين يديه، وأن العالم قرية صغيرة، وأن حدود المكان ترتبط من طرف إلى الطرف الآخر، أو نقطة إلى أخرى!
بين السطور، فهناك تفاصيل أكبر بكثير مما نعرفه أو نعتقد بأننا ملمون به، فالفواصل المكانية بها الكثير من الأسرار المجهولة والتي تحتاج إلى قرون زمنية أخرى من أجل استكشاف ما فيها.
في الغابات والكهوف وحتى أعماق المحيطات والبحار، عوالم حتى اليوم لم تُكتشف بدقة، أحيانًا نصاب بالدهشة عندما تكشف لنا بعض الوثائقيات عن شعوب تعيش حتى اليوم عصورًا حجرية قديمة، أو تأتينا بأخبار عن أمة عاشت في مكان كان مجهولًا عن العالم، يبدو أن هناك تفاصيل مدهشة وأحداثًا بعيدة عن مرمى زوايا تفكيرنا فيها.
عندما نتحدث عن العالم وما فيه من عجائب وغرائب، فأول الأشياء التي تحيط بنا هي القرى المعزولة عن أنظار العالم، والأماكن المستحيل الوصول إليها أو تصديق وجودها في الواقع!
نعلم بأن ثمة أماكن توجد على وجه الأرض لكن لم يجرؤ البشر على دخولها واستكشاف ما فيها، وبقية هذه المناطق عبارة عن أماكن غامضة تتنفس هواء العزلة.
قد تسأل عن المكان الذي يمثل نهاية العالم، بالبحث عن الإجابة تقع عينك على مدينة بعيدة يعيش فيها البشر تسمى "أوشوايا"، وتقع في أقصى جنوب قارة أمريكا الجنوبية، وتحديدًا في أطراف الجنوب بالأرجنتين، ويعتقد الناس بأنها تقع على حافة الحضارة البشرية على سطح الأرض.
ومهما وضعنا في عقولنا عدة توقعات، فإن المجهول قد يحاصرنا من كل جهة، فالعالم الذي نعيش فيه يعج بالكثير من الأسرار المدفونة، فهناك حضارات قد اندثرت وأماكن قد تلاشت من اليابسة، الأرض تفقد أجزاءً من يابستها، بالمقابل تكسب أيضًا يابسة جديدة.
نعلم بأن الأرض تواجه مخاطر بيئية كبيرة، وقلقًا عالميًا يحرقه الخوف من امتداد تأثير المناخ على الأرض، لكن المجهول لا يزال غامضًا، والطريق لاستكشافه يحتاج إلى عقود زمنية.