في دفاتر التاريخ، هناك العديد من النظريات «النفسية والاجتماعية والأسرية»، تفسر ظاهرة من الظواهر الأكثر حساسية في الحياة الزوجية، وهي ظاهرة: «الطلاق العاطفي والانفصال الوجداني بين الزوجين»، وتبرز كيف تتحول العلاقة من الترابط القوي والتماسك الأسري المحاط بالعاطفة الوجدانية إلى الجفاء والجفاف العاطفي رغم بقاء الطرفين تحت سقف واحد مربوط برابطة الزواج الشكلي؟
وهذا التحول الصامت في المشاعر لا يولد في يوم وليلة، وإنما هو نتاج مسار طويل تتسع هوته يومًا بعد آخر، عندها يتحول البيت الذي كان يشكل ملاذًا دافئًا إلى مجرد جدران صماء تجمع بين شخصين يتشاركان تفاصيل الحياة تحت منظومة الزواج الصامت المهدد بالفشل والدمار، وتتحول الحياة بينهما إلى مجرد روتين وأداء للواجب فقط!
العالم ستيفن كوفي تحدث عن ذلك في «نظرية بنك المشاعر»، وافترض أن كل علاقة إنسانية تمتلك رصيدًا هائلًا من الثقة والمودة والحب.
وأنا كغيري من البشر أرى أن الحياة بشكل عام، والعلاقة الزوجية الخاصة هي عبارة عن عملية «سحب وإيداع».
في الحياة الزوجية يمكن أن تستمر في ظل وجود بعض المواقف الحياتية والسلوكيات المرفوضة التي يمكنها أن تحدث تيارًا جارفًا من «الخيبات ونوبات الخذلان»، ولكن هذا الأمر يضاعف من عملية السحب من الرصيد المختزن والمفترض أن يكون أساسًا لتلك العلاقة الإنسانية.
وقد يتطور هذا الاستنزاف ويصبح هناك انعدام تام للحياة الطبيعية وتقلص فرص المحاولات الجادة للتعويض أو الترميم العاطفي الذي يحفظ للعلاقة توازنها، وهنا ما يسمى بـ«الإيداع».
والأمثلة على ذلك عديدة، فقد يكون النقد المستمر بين الزوجين -وعلى أتفه الأسباب- سببًا للضيق والنفور في التواصل بين الطرفين!
وبذلك يتكون حاجز تختفي وراءه لغة الحوار العاطفي الجاد الذي كان من المفترض أن يتواجد بينهما ليحل محله الصمت المعتم والخوف من المبادرة والتراجع، وذلك تفاديًا لأي حديث قد يفتح باب الجدال الذي تُعرف نهايته.
من المتعارف عليه أن الأمان والاستقرار في الحياة الزوجية يُبنيان أساسًا على المصداقية، فإن تزعزعت أوهن جدار الطمأنينة الذي يحتمي به الشريكان علاقتهما.
الأمر الآخر، يعد التجاهل المتعمد، والإهمال هدفًا للوصول إلى مرحلة «التراكمات» التي تُشحن بداخلها المشاعر، وتصل العلاقة الزوجية إلى ما يسمى تجاريًا بـ«السحب من رصيد»، ولكن ليس من الجيب وإنما من العلاقة العاطفية.
وفي نهاية المطاف يمكن أن نقول إن هذه العلاقة قد تعمقت في كهف سحيق لا يمكن الوصول إليه، فالفتور في عملية التواصل ما بين الطرفين بشكل طبيعي قد انعدم منذ زمن.
وفي هذه المرحلة الحرجة، يرى العلماء أن شرارة الشغف لتكملة المشوار قد تنطفئ شمعتها مع اشتداد الريح، وتتلاشى معها الرغبة في إصلاح ما أفسدته الأيام والظروف، ويصبح التعايش ما بين الزوجين مجرد عبء ثقيل لا يُحتمل!
وبحسب ما قرأت حول هذا الأمر، وجدت أن الخبراء يحذرون من شيء لافت للنظر، وهو ما يسمى بـ«السد الواقي».. ومعناه أن كل طرف يحمي روحه من الضياع النفسي، خصوصًا إذا كان لدى الطرفين أطفال، فهنا يظهر دور العقل في حماية العلاقة من الانهيار، ويحفظ لها هيكلها الخارجي من الكسر.. فيضطر كل طرف إلى أداء واجباته على استحياء، وتحمل بعض مسؤولياته تجاه الأسرة والأبناء لحفظ ماء الوجه.
في المعتقد الأسري، يعد الخوف من التشتت، وتأثير الانفصال الفعلي على مستقبل الأطفال هو الذي يدفع الزوجين لتقديم بعض التضحيات على حساب راحتهما النفسية، فيختاران إبقاء الصورة مكتملة أمام الأطفال وحتى المجتمع، وهذا ما يسميه المختصون بـ«الطلاق العاطفي والانفصال الوجداني»، وبهذه المرحلة تصل مشاعر الزوجين لحالة من السبات العميق، وتختفي كل ألوان الفرح التي كان من المفترض أن تظهر في صورتها الطبيعية دون تمثيل أو تصنع.
إن الطلاق العاطفي يعد من أصعب المشكلات الزوجية، كون الحلول لهذه العقدة تصبح شبه مستحيلة، ويمتد تأثيرها على صحة وراحة الأطراف، خاصة بعد أن يتم استنزاف كامل للطاقة الوجدانية، ويعيش الزوجان بلا عاطفة حقيقية داخل المنزل.
هنا لست أضع حلولًا سحرية بقدر ما أسلط الضوء على مشكلة ليست بعيدة عن أي مجتمع إنساني، فهناك غربة حقيقية يعيشها الإنسان وهو محاط بأسرته، ولكن في أعماقه يشعر بوحدة غريبة وعزلة صامتة يصعب على المحيطين حوله إدراك كمّ كمية المرارة التي يرتشفها بصمت، وكما قيل في الأدب: «تصبح حياة الزوجين مجرد رواية شرقية تسرد مشاهدها على الملأ، وتعرض تفاصيلها كيوميات على مسرح الواقع، أما أبطالها فهم يتشاركون في المكان الذي يقفون فيه، أما أرواحهم فقد انفصلت عن هذا الترابط الذي كان من المفترض أن يكون بينهم»!