من عوامل نجاح النصّ الأدبيّ الأصالة والجودة، وهما مرتبطان جدا بالصدق الإبداعيّ منذ ظهر الأدب في العالم وفي بلادنا، وهو يعني الصّدق الشعوريّ والصّدق الفكريّ معا، وليس بعيدا عنهما الصّدق اللغويّ، كونه الوعاء الخاصّ الذي يحوي الإبداع.
أما في النصوص السردية قصصا وروايات، فإنّ الصدق في بناء الشخصيات يشكّل أحد أهم عناصر نجاح النصّ، لأن ذلك سيتكامل مع الأحداث والحبكة.
وعليه فإن "الصّدق" في بناء الشخصيات، يمثّل اختبارا للكاتب وتحديّا له، ما يعني تعميق مقولة أنّ الأدب من الحياة، وسيعني ذلك تجنّب التعميم والنمطية والوصف الأحاديّ المنقطع عن الحقيقة الإنسانية كاملة، لذلك سيحضر في النصّ ما لا يقال في الواقع، والذي يمثل مونولوجات الشخصية، ومنطلقاتها في التعامل مع نفسها والآخرين، ما يجعل ذلك هو العامل الحيويّ في البناء والصراع في العمل الأدبيّ، حيث سيكون لغير المرئي الأثر الأكبر في الصراع، ذلك الصراع الذي وإن ظهر في الحياة صراعا اجتماعيا فإنه في الأصل منطلق من الداخل.
لذلك يحرص السّارد عند تكوين الشخصيات وبنائها، أن يتجلى الإبداع في التعبير عنها من جوانبها المختلفة، ولعل التعبير عن داخلها هو التحدي الكبير الذي يواجه الكاتب، والحال كذلك في الدراما؛ فحين "يتقمّص الممثّل دورا، فإنه يحرص أن يؤديه كما لو أنه هو تلك الشخصية.
لذلك، أكان ذلك على مستوى الأدب أو الدراما، فإن كليهما الكاتب والممثّل مدعوان للتعرّف على ملامح الشّخصية بما فيها، وهنا يحضر أهم عناصر الإبداع ألا وهو الصدق الفني، كتابة وتمثيلا.
ولأجل ذلك، فإن هناك علاقة مجازية وفلسفية في معنى التقمّص الأدبيّ والفني والتقمّص الفلسفيّ، بمعنى حلول الشخصية، وليس ذلك بعيدا عن الالتزام الوجوديّ.
في عالم النقد، فإن الناقد الإبداعي يركّز على الصدق الفنيّ في جوانب العمل الأدبي، لذلك فإنه ينفر من المحاكاة والتّكلّف، والاكتفاء بتصوير الشخصيات من سطوحها الخارجيّة. لذلك تذكر الكاتبة شذا الطّراونة في صفحة 9 مركزة على فهم الشخصيّة من داخلها "الشّعور بأن أحدا يرى ما لا يقال".
وبالرغم من حداثة سنّها، فإن الكاتبة الأردنيّة شذى الطّراونة قد مسّت في كتابها "التقمّص في الأدب" الصادر حديثا أحد أهم عناصر الإبداع الأدبيّ، من خلال دعوتها إلى "التقمّص"، بما يعني التعبير عن جوهر الشخصية من الداخل. إنه الشعور بالآخر في إطار منهجي أسمته بالعبور الوجداني، وجميل نحت هذا المصطلح.
كانت البداية الفكرية للكاتبة، من خلال حالة أدبية، حين عبرّت عن شعور من فقدت والدتها، كما ذكرت في صفحة 8، "وضعت نفسي مكانها"، وهي هنا لامست جوهر الوجودية الإنسانية، التي تعني في أهمّ أعماقها هذا المعنى المرتبط بالالتزام.
وهي ترى أنها مهارة مرتبطة بتفهّم نفسي للشخصيات التي يتمّ تقمّصها، في حين ترى أن الشخصيات التي تنتمي لأزمة معينة، ينبغي للكاتب البحث عنها ثمّ فهم سياقاتها، وبالتالي الشعور بها للتعبير.
وقدمت الكاتبة أمثلة من الأدب العربي القديم والحديث والأجنبيّ مثل: امرؤ القيس والمتنبي وطه حسين وشكسبير، مبينة أن هؤلاء الكتاب أبدعوا في الكتابة عن مضامين معيّنة وإن لم يعيشوها تماما بسبب قدراتهم في التقمّص، كما في صفحة 62 وما بعدها.
لقد وفّقت الكاتبة بوصفها الكتابة بأنها "ليست تقنية فقط، بل حالة وجودية ترى العالم بعيون الشخصية، وتشعر بما تشعر به، وتفكّر فيما تفكّر به". وتقترح على من يريد تصوير شخصية الطبّاخ مثلا أن يعايش عملية الطبخ، واختبار البهارات.
وهي بعد تعمّقها في "التقمّص" تقترح تدريبات، من خلال خطوات الإحساس بالآخر، وصولا إلى عمق مشاعره. وهي تفرد بعد صفحة 97 تدريبات خاصة تتعلّق بالتدرّب عليه.
وقد انسجمت أفكارها المنثورة في الكتاب مع هذا العمق التلقائي لدى الكاتبة، حيث رأيناها في صفحة 31، تشير إلى أن مهمة الكاتب هي الفهم والاستكشاف لا إصدار الأحكام، وجعلت ذلك شرطا لمن يتقمّص بأن يترك مسافة بينه وبين من يكتب عنه، من خلال ترك مسافة بينهما، دون أن يدع أفكاره تؤثّر على تعبيره عن الشّخصية، حيث ترى أن شرط الإبداع هو أن يتمّ تصويرها بشكل محايد دون انحياز معها أو ضدها.
في هذا السياق، استدلت على إبداع طه حسين في ثلاثية الأيام، التي تضمّنت سيرة حياته، حيث وصفت إجادته في "استخدام إحساس الطفل ووعيه ودهشته، لا وعي الرجل الكبير" صفحة 36، ثم لتدلّل على رأيها كمثال من خلال رواية "اللصّ والكلاب" لنجيب محفوظ، "لا يرى سعيد مهران، بل يصحبه".
وبالانطلاق من الصدق الفني، حذرت الكاتبة عند التعبير عن شخصيات تاريخية "من استعراض العضلات، وإسقاط الأفكار والإثارة التجارية" صفحة 67، في رؤية نقدية لم تسمّها الكاتبة صراحة للدراما العربية المتعلقة بالشخصيات التاريخيّة.
ولعلّ حديثها هنا أكّد على موقفها الفكريّ ونضجها الأدبي والإنساني معا في النظر إلى الشخصيات من داخلها بعيدا عن التنميط المبالغ به.
إن التأمل بما كتبته شذى طراونة من نصوص قصيرة تدلّ على الصدق الفنيّ: "في أزمات الحروب حين كانت القذائف تمزّق السماء، كانت الجدة بكلّ بساطة تنشر الغسيل على السطح". كذلك فإن ما كتبته من فقرات من واقع اختبارها للتعليم، كما في صفحة 82، حيث ترى عملها كمعلمة "مختبرا داخليا"، وليس مجرد وظيفة.
وهكذا جاء كتاب "التقمّص في الأدب" للكاتبة شذى الطراونة، ليقدّم مساهمة من كاتبة تنتمي للجيل الجديد الذي يملك رؤية أدبية إبداعيا ونقدا، وهو إذ يبشّر بما سوف تبدعه الكاتبة مستقبلا، يشكّل محاججة في أحد أهمّ عناصر نجاح العمل الأدبي، من خلال حرص المبدع في التعبير الصّادق والأمين الذي يتجلى في رسم الشخصيات وتصويرها من داخلها وخارجها، ما يمنح الصراع في العمل السرديّ معنى واقعيا، بعيدا عن التكلّف والسّطحيّة، بفهم خاص للخيال بأنه ركيزة الإبداع.
ولعله يكون منطلقا لتواصل الكاتبة فيه، أكان ذلك من خلال مشروعها النقديّ، أو كتابتها الأدبيّة المنطلقة منه، حيث يكتسب هذا "التنظير" مصداقية، كونه لا يقدّم نفسه كنظرية جامدة، بل كفهم منساب قريبا من الشعور بعيدا عن تكلف الكتابة.
•صدر الكتاب عن دار أروقة الفكر للنشر والتوزيع-عمان، ووقع في 123 صفحة.