حسم الناخب الأمريكي يوم الثلاثاء ملامح العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية الحالية؛ فانتقل مجلسا الكـونـجـرس إلى أغلبية ديمقراطية، وانتزع الديمقراطيون سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ من الجمهوريين، بعضها في ولايات لم تمنحهم ثقتها منذ عقود، مثل تكساس وكانساس.

والنتيجة شأن أمريكي يقرره الأمريكيون وفق أولوياتهم، غير أن المنطقة معنية بقراءتها بعناية؛ لأن بعض أسبابها تشكّل هنا عند مضيق هرمز وعلى ضفتي الخليج.

ذهب الأمريكيون إلى الاقتراع وغلاء المعيشة يثقل بيوتهم، وحربٌ مع إيران تدخل شهرها التاسع، وتعطّل الملاحة في أهم ممرات الطاقة في العالم.

ولم تتصدر الحرب هموم الناخبين في استطلاعات الرأي؛ فقد سبقها الاقتصاد والأسعار، لكن الفصل بين الأمرين عسير، فناقلة النفط التي تتعثر في هرمز يصل أثرها إلى محطة الوقود في آيوا.

وقد أقرّ الرئيس الأمريكي نفسه بأن الحرب ربما أسهمت في خسارة حزبه. هذا التطور له دلالته؛ فكلفة الحروب في هذه المنطقة صارت بندا في حساب الأسرة الأمريكية، وصار لها أثر انتخابي مباشر.

ما الذي يتغير عمليا؟ يملك الكـونـجـرس المال والرقابة، وأمامه طلب تمويل إضافي قدمته الإدارة في يونيو بقيمة 87.6 مليار دولار، منها 21 مليارا لذخائر استُخدمت ضد إيران و17.3 مليار لتكاليف العمليات، وكل قوانين الاعتمادات تبدأ من مجلس النواب.

وستنتقل رئاسة اللجان إلى الأغلبية الجديدة، ومعها جلسات الاستماع حول الحرب وصفقات السلاح وترتيبات إعادة إعمار غزة. وفي قاعدة هذه الأغلبية مزاج يزداد تحفظا على تسليح إسرائيل، تكشفه استطلاعات الرأي وتصويتات مجلس الشيوخ هذا العام.

هذه أدوات تُبطئ وتُسائل وتُعقّد التمويل، لكنها لا تملك قرار وقف الحرب. فالرئيس يبقى القائد الأعلى للقوات المسلحة عامين آخرين، والأغلبية الجديدة لا تتسلم مقاعدها قبل يناير.

وفي هذه الأسابيع الفاصلة يتجاور في واشنطن مساران: ضغوط إسرائيلية كشفت عنها تقارير أمريكية لاستئناف الضربات على إيران فور انتهاء الاقتراع، وقناة دبلوماسية فتحها نائب الرئيس برسالة إلى طهران، ومسودة اتفاق جرى تداولها بعد جولة محادثات في الدوحة.

وفي الإقليم تتحرك عواصم عدة لمنع جولة ثانية من الضربات؛ فقد زار مسؤولون من السعودية وتركيا وباكستان طهران الشهر الماضي، وحذّر وزير الخارجية المصري في حوار المنامة من أن الجولة الثانية ستكون «أكثر خطورة وتدميرا، ولن تقود إلى شيء».

والتاريخ القريب يقول: إن الرؤساء حين يضيق هامشهم في الداخل يلتفتون إلى الخارج بحثا عن إرث، والإرث قد يكون اتفاقا، وقد يكون تصعيدا.

لذلك تحتاج المنطقة إلى قراءة متأنية تتجنب خطأين: أولهما أن يُفهم التحول في واشنطن على أنه قيد على يد الرئيس يتيح رفع سقف الشروط والرهان على الوقت؛ فهامشه في الحرب والسلم ما زال واسعا، والتشدد قد يستدعي خيار القوة.

وثانيهما أن تُعامَل الأسابيع المتبقية حتى يناير فرصة أخيرة لفرض الوقائع بالقوة قبل أن تتبدل موازين واشنطن، وقد جرّبت أطراف الحرب هذا الطريق منذ فبراير، فلم يُنتج سوى مضيق مغلق ومنشآت طاقة خليجية تحت التهديد.

ما تقوله النتيجة في المحصلة أن للحرب جمهورا يدفع ثمنها حتى في الدولة الأقوى عسكريا، وأن هذا الجمهور قادر على تعديل المعادلة في عاصمته. وشعوب المنطقة تدفع الثمن ذاته مضاعفا في أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها.

والسياسة الأمريكية تتقلب مع الروزنامة الانتخابية كل عامين، وأمن الخليج لا يحتمل أن يُعلَّق على هذه الروزنامة، ولا على حسابات تُصنع خارجه.

المطلوب تسوية تفاوضية تعيد فتح هرمز، وتُخرج الملف النووي من منطق الضربات، وترتيب إقليمي تتقاسم فيه دول المنطقة المسؤولية على قاعدة الشراكة والمصالح المتبادلة. ذلك هو المسار الذي دعت إليه سلطنة عُمان باستمرار، ونتيجة الثلاثاء تفتح له نافذة ضيقة يجب ألا تُهدر.