كان سهلاً بالنسبة لنا - نحن الذين نقدر نضال الشعوب المضطهدة - أن نُبرر احتجاجات الطلبة الفرنسيين؛ لأن أشياء من هذا القبيل تحدث دائماً في مثل هذه الظروف، ولأننا نرى شغب الأغلبية يُوظف لنزع الشرعية عن نضال محق للأكثرية المحتجة، ولأن بعض ما حدث لا يُعد شيئاً بالقياس مع النهب الذي تمارسه نخبة الأثرياء في تحالفهم مع الساسة.

مع هذا كان مغضباً أن نرى مدى سهولة تبرير عنف المحتجين الفرنسيين مقابل مطالبة ضحايا العرب بأن يكونوا مثاليين (أمر يتصدى له محمد الكرد في كتابه المعروف).

*

العالم مهتاج من مشاهد الإبادة إلى مشاهد القمع. يتسلل هذا الغضب إلى حياتنا، فيسهل استفزازنا، خصوصاً من قبل الذين تتطابق صورتهم مع صورة المضطهد، أو الذين نلمس في سلوكهم أثناء التعاملات اليومية ذلك الطبع القابل بأن يُسخر يوماً ما لصالح الفاشية التي تُهدد حياتنا.

فنقرأ في سلوكهم - بمبالغة أحياناً، ودون مبالغة تارات - أبعد من الموقف نفسه، فنكشف عن ردود أفعال لا تتناسب بالضرورة مع حجم الحدث.

نحن في نقطة نعيش فيها توتراً دائماً. من جهة نرى بوادر التحول الفاشي للعالم عبر انتصارات اليمين الشعبوي في كل ركن، ونريد مقاومته عبر التنبه لبوادره، والتحفز للتصدي لأبسط أشكاله قبل أن يذهب لمنحى يستحيل معه ردع المحتوم.

بالأمس كنتُ أقطع الطريق إلى بيتي في برلين حين صرخ بي رجل يقف بجانب حاجز بلاستيكي أن أنتقل إلى الجهة الأخرى من الرصيف، قلت له: إن بإمكانه أن يطلب ذلك بشكل ألطف، قال مُستفزاً: إني أتجاهل الحاجز الذي وضعه، قلتُ باستفزاز موازٍ: إن الحاجز موجود، لكن المنطقة غير مسوّرة، وإنه إما أن يكون ألطف أو ليؤدي عمله بشكل أفضل.

كان حاجزاً وحيداً يُمكن تجاوزه دون انتباه ظناً أنه خُلف بعد أعمال إنشاء جرت على الرصيف، لكني وأنا أعبر إلى الطرف المقابل تنبهت إلى أنه حاجز وُضع للتو فيما كانت الشرطة تتعامل مع حالة ما بزاوية الشارع.

لم أشعر بالندم كما يحدث عادة حين أفقد أعصابي. كان رصيفاً للمشاة، لي حق السير عليه، وإن كان هذا الحق سيصادر فعلى الأشقر الطويل الواقف إزاء الحاجز أن يُبرر منعي من المرور، أو أن يُرتب حواجزه على نحو يُعيق مرور المشاة.

لم أشعر بالندم البارحة أيضاً حين وجدتُ نفسي أُقابل الوقاحة بالغضب.

قلتُ لصديق: إن الناس فضة بشكل خاص هذه الأيام، فأخبرني أنه وهو واقف أمام أحد المحلات أثنى على دراجة رجل كان يركنها أمام المدخل، فاستجاب الرجل للإطراء بأن أحكم قفل الدراجة المشدودة إلى عمود إنارة بقلب المدينة التي تُسرق فيها عجلة كل ثلث ساعة.

صاحبته الألمانية لم تفهم كيف يُقابل الموقف بالضحك، لكن من أين لرجل أسود أن يأتي بالوقت والأعصاب ليُستفز مع كل تواقح عنصري؟

قبلها بفترة كنت أتمشى مع الأصدقاء حين قاطعت مشوارنا الحاجة للذهاب إلى الحمام، فدخلنا أول مقهى صادفناه نسأل إن كان لنا أن نستخدم دورة المياه.

مطاعم ومقاهي هذه المدينة مسعورة الحرص على مراحيضها، والطيب منهم يسمح لك بدخولها مقابل يورو أو اثنين للعابرين الذين لا ينوون الجلوس والطلب. قالت لنا عاملة المقهى: إنهم مشغولون بالتصوير، ولعلني أواصل السير بنفس الاتجاه؛ فثمة مطعم هندي قريب.

كلمة “هندي” لم تُستخدم هنا لتمييز المكان الذي تقصد، فأي مطعم سيفي بالحاجة، لكن وظيفته في جملتها تشديد ضمني على أن الأمور لا تجري بهذه الطريقة هنا، ولعل حاجتنا تُلبى مع أمثالنا. لم نُستفز، لم نضحك، ومشينا للمطعم الهندي.

تفعل كلمة “الهندي” ما تفعله كلمة “الأشقر” في قصتي الأولى. إنها تأخذ الموقف إلى بُعد رمادي يقترح سياقاً ضمنياً يوحي أن للفعل وردة الفعل جذرا عنصريا دون أن يقولها صراحة.

فتعاملات سريعة ليست ذات وزن كهذه لا تستحق الانشغال بها إلا باعتبارها حتوتة تُحكى كما أفعل الآن-أو لعلها تستحق!-. لا شيء ذو قيمة على المحك، وهي لا تهدد (كما تفعل العنصرية) مصير الإنسان ووجوده بالترحيل أو السجن أو الموت.

إنها حتى لا ترتقي لتكون إساءة بيّنة. إنها فظاظة، نعم، لكن الفظاظات تكون ظرفية أحياناً.

أحياناً هي طبع لم يُهذب، وأحياناً ليست أكثر من سوء فهم. على العكس، يُهمنا ألا نُعلي شأنها فتتساوى مع الجرائم، الإساءات العنيفة، والأفعال المقصودة، ألا ننساق للتفكير الحتمي الذي يفترض أن الإنسان الفض في الظروف العادية، يتحول بسهولة لمجرم في الظروف الاستثنائية.

ومهم التشديد على النسبة والتناسب بين الفعل والغضب الذي يستدعيه. إننا نرى كيف تتورط الأطراف في تصعيد لا ينتهي، ونحاول تعلم الدرس.

محظوظ من يضبط نفسه بحيث لا يسمح للإهانة بأن تمر، ولكنه يجعل منها مناسبة لتنبيه الغافل وإظهار الرأفة.

لكن هذا الحظ حكر على الأنبياء وروبوتات الذكاء الاصطناعي، أما نحن فنغضب يا رب، ونتوجس وننفعل في عالم يتقلب بين كونه سيركًا مفتوحًا للحظة، ومقبرة شاسعة لحظة أخرى.