تـسـتـكـثـر ألـسـنـة سـيـاسـيـة للـبـرجـوازيـات الـغـربـيـة عـلى شـعـوبـهـا وحـركـاتـهـا الـمـدنـيـة حـقـهـا فـي أن يـعـتـرف لـهـا بـمـشـروعـيـة احـتـجـاجـاتـهـا وقـانـونـيـتـهـا.
غـالـبـا مـا تـسـتـذرع تـلك الألـسـنـة - حـكـومـات وأفـرادا - بـحـوادث صـدامـات عـنـيـفـة بـيـن الشـرطـة والـمـتـظـاهـريـن وقـعـت فـي سـيـاق الاحـتـجـاجـات تـلـك، فـتـتـخـذهـا تـكـأة تـحـتـج بـهـا عـلى خـروج الـمـتـظـاهـريـن وتـظـاهـراتـهـم عـن حـد الـشـرعـيـة والـقـانـون، وعـلى بـطـلان وجـه الـمـصـدوقـيـة فـي مـطـالـبـهـم.
وعـنـد هـذه الـعـتـبـة مـن نـزع المـشـروعـيـة عـنـهـا لا تـجـد حـكـومـات أوروبـا، مـثـل الحـكـومـة الـفـرنسـيـة، مـخـرجـا مـن الـورطـة غـيـر أن تـبـدي الاسـتـعـداد للـتـفـاوض مـع الـنـقـابـات حـصـرا، لا مـع الـمـجـمـوعـات الـشـبـابـيـة الـتي تـقـود الحـراك الاحـتـجـاجـي فـي أكـبـر عـواصـم ومـدن فـرنسـا وإيـطـالـيـا وإسـبـانـيـا وبـلـجـيكـا...، وتـسـيـطـر عـلى شـوارعـهـا وسـاحـاتـهـا؛ فـالاعـتـراف بـهـا كـمـجـمـوعـات لـم يـسـنـح بـعـد، وقـد لا يـسـنـح.
لا تـسـأل حـكـومـات أوروبـا نـفـسـهـا؛ إذ هـي تـفـعـل بـمـتـظـاهـري بـلـدانـهـا مـا تـفـعـل بـهـم مـن إنـزال ألـوان الـتـنـكـيـل (العـالـمـثـالـثـيـة) بـهـم عـن الأسـبـاب الـتي أفـضـت إلـى انـدلاع حـركـات الاحـتـجـاجـات عـلى هـذا الـنـحـو غـيـر الـمـسـبـوق، مـنـذ قـريـب مـن سـتـيـن عـامـا مـن حيث السـعـة والـشـمـول والامـتـداد، ولا هـي تـسـأل لـمـاذا تـنـزلـق تـلك الاحـتـجـاجـات نـحـو الـتـعـبـيـر عـن نـفـسـهـا فـي صـور مـن الـعـنـف غـيـر مـألـوفـة فـي وجـه الـسـلـطـة وأدواتـهـا.
هـي لا تـسـأل عـن ذلـك؛ لأنـهـا عـلى يـقـيـن بـأنـهـا عـلى صـواب، وبـأن سـيـاسـاتـهـا سـلـيـمـة وصـائـبـة وتـحـظـى بـرضـا الـغـالـبـيـة، بـل هـي تـسـتـغـرب كـيـف تـفـتـح عـلـيـهـا أبـواب الجـحـيـم عـلى حـيـن غـرة! لـيـس مـن مـسـؤولـيـة لـديـهـا عـمـا يـحـصـل، تـقـول ألـسـنـتـهـا، ولـم تـرتـكـب مـن الأخـطـاء مـا يـرتـب عـلى سـيـاسـاتـهـا كـل هـذه الـنـتـائـج الكـارثـيـة.
لـذلك تـنـأى بـنـفـسـهـا عـن الـنـازلـة وتـصـدر الأزمـة إلـى مـلايـيـن شـبـابـهـا وإلـى «يـسـار مـتـطـرف» يـكـيـد لـهـا ويـحـرض لأنـه يـريـد بـهـا شـرا...!
لـسـان آخـر - غـيـر أوروبـي - مـن ألـسـنـة بـرجـوازيـات الأعـمـال الـنـاشـطـة فـي قـطـاعـات رأسـمـالـيـة طـفـيـلـيـة، مـثـل الـعـقـار والسـيـاحـة، يـتـحـسـر عـلى فـرنـسـا مـمـا أصـابـهـا مـن خـراب مـن قـبـل الـمـهـاجـريـن، مـذكـرا بـأنـه سـبـق لـه أن نـصـح إيـمـانـويـل مـاكـرون بـأن يـسـيـر سـيـرتـه فـي الـمـهـاجـريـن، فـيـطـردهـم مـن بـلـده، مـثـلـمـا هـو فـعـل ويـفـعـل! هـذا نـمـوذج ثـان لـ «رجـل سـيـاسـة» يـسـتـكـثـر عـلى الـمـواطـنـيـن الأوروبـيـيـن حـيـازة الـقـدرة عـلى الـتـظـاهـر والاحـتـجـاج عـلى السـيـاسـات الـعـامـة فـي دولـهـم فـتـراه لا يـكـتـفـي - مـثـل زمـلائـه مـن حـكـام دول أوروبـا - بـأن يـسـتـريـب فـقـط بـمـشـروعـيـة حـراكـهـم الاحـتـجـاجـي.
لـنـتـرك جـانـبـا مـا فـي كـلامـه مـن عـبـارات الـتـحـقـيـر والـقـدح فـي الـمـهـاجـريـن - وهـم عـنـده بـالـتـعـريـف العـرب والمسـلـمـون -، ولـنـلاحـظ أمـريـن اثـنـيـن يـنـطـق بـهـمـا كـلامـه عـن انـتـفـاضـة فـرنـسـا وأوروبـا إجـمـالا:
أولـهـمـا مـا فـي كـلامـه مـن تـحـقـيـر لـشـعـوب أوروبـا وحـركـاتـهـا الـمـدنـيـة؛ إذ هـي عـنـده أعـجـز مـن أن تـنـتـفـض أو تـقـوى عـلى ذلك؛ لـهـذا مـا كـان لـهـا مـحـل ذكـر عـلى لـسـانـه.
الـمـهـاجـرون وحـدهـم مـن يـتـظـاهـرون ويـحـتـجـون فـي فـرنـسـا وأوروبـا وأبـنـاء البـلـد/ الـبـلـدان .
هـذا وجـه مـن الـكـلام مـفـصـوح عـنـه، أمـا غـيـر الـمـفـصـوح عـنـه فـيـه فـيـتـعـلـق بـمـا يـمـكـن أن يـحـتـج بـه ضـده، فـي هـذا الـبـاب، لإبـطـال دعـواه مـن قـبـيـل الـتـذكـيـر بـمـوجـات الـمـظـاهـرات الـمـلـيـونـيـة الصـاخـبـة فـي مـئـات الـمـدن الأوربـيـة اسـتـنـكـارا للإبـادة الجـمـاعـيـة فـي غـزة وفـلـسـطـيـن خـلال الـعـامـيـن الـمـاضـيـيـن.
إذا كـان الـمـتـظـاهـرون الأوروبـيـون قـد انـتـفـضـوا احـتـجـاجـا عـلى دولـة الإبـادة الجـمـاعـيـة ونـصـرة لـفـلـسطـيـن وشـعـبـهـا فـقـد فـعـلـوا ذلـك بـتـحـريـض مـن الـمـهـاجـريـن الـعـرب والـمـسـلـمـيـن ومـن وراء مـبـادرة الأخـيـريـن إلـى ذلك، لا بـواعـز إنـسـانـي أوروبـي: يـقـول لـسـان حـال الـرجـل!
ثـانـيـهـمـا مـا يـضـمـره كـلامـه فـي هـذه الـنـازلـة مـن تـحـريـض سـافـر للـجـمـهـور الأوروبـي عـلى الـعـرب والـمـسـلـمـيـن مـن مـواطـنـي دول أوروبـا ومـن الـمـقـيـمـيـن فـيـهـا.
هـذا مـثـلـمـا يـعـلـم الجـمـيـع امـتـداد لـتـحـريـضـه الـدائـم عـلـيـهـم فـي الـمـجـتـمـع الأمـريـكـي بـمـا فـي ذلـك الـتـحريـض عـلى نـواب فـي الكـونـجـرس أو مـسـؤولـيـن كـبـار فـي الـولايـات مـن جـنـس ذلـك الـذي وقـع فـي حـق إلـهـان عـمـر، عـضـو مـجـلـس الـنـواب الأمـريـكـي، وعـبـد الـرحـمـن الـسـيـد، مـرشـح «الحـزب الـديـمـقـراطـي» للـكـونـغـرس عـن ولايـة مـيـشـغـيـن، وقـبـلـهـمـا زهـران مـمـدانـي عـمـدة نـيـويـورك.
ومـا أغـنـانـا عـن الإشـارة إلـى مـا تـطـفـح بـه حـمـلات الـتـحـريـض مـن عـنـصـريـة بـغـيـضـة تـجـاه كـل مـا هـو عـربـي ومـسـلـم، ومـا فـي الـرصـيـد «الـسـيـاسـي» للـرجـل مـن سـوابـق تـمـيـيـزيـة وعـدائـيـة لـم يـفـلـح يـومـا فـي أن يـخـفـيـهـا!
لا تـعـنـي مـحـاولات «تـنـزيـه» أوروبـا مـن «تـهـمـة» الـضـلـوع فـي ثـوراتـهـا الاحـتـجـاجـيـة، ووضـع مـسـؤولـيـة حـوادثـهـا عـلى الـعـرب والـمـسـلـمـيـن، أكـثـر مـن تـجـريـب روايـة سـمـجـة عـن «مـخـاطـر» تـأتـي الـغـرب مـن وراء الـمـهـاجـريـن فـيـه؛ وهـي، عـلى الـقـطـع، روايـة عـنـصـريـة بـامـتـيـاز: مـزدحـمـة بـمـشـاعـر الـتـفـوق والاسـتـعـلاء وازدراء الآخـر (غـيـر الـغـربـي) وكـراهـيـتـه! وهـذه عـيـنـهـا الـمـشـاعـر الـتي تـغـذت مـنـهـا السـيـاسـات الـتي قـادت إلـى وصـول الـيـمـيـن المـتـطـرف إلـى السـلـطـة فـي الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، وإلـى صـعـوده فـي أوروبـا وإيـشـاكـه عـلى السـيـطـرة عـلى السـلـطـة فـي بـلـدانـهـا الـيـوم.
مـا شـأنـنـا وعـنـصـريـة الـغـرب وحـكـامـه؟ تـلك لـوثـة تـلـطـخ بهـا تـاريـخـه الاسـتـعـمـاري مـنـذ زمـن طـويـل، ولـم يـبـرؤ مـنـهـا بـعـد، وقـد لا يـكـون لـه مـنـهـا بــرء؛ إنـمـا يـعـنـيـنـا أن نـنـبـه إلـى مـا فـي سـيـاسـات أنـظـمـتـه الـحـاكـمـة تـجـاه انـتـفـاضـات شـعـوبـهـا مـن نـظـرة إنـكـاريـة حـادة شـبـيـهـة بـنـظـرة أنـظـمـة بـلـدان الـعـالـم الـثـالـث إلـى شـعـوبـهـا.
تـتـحـرك تـلـك الإنـكـاريـة بـيـن حـديـن: بـيـن حـد إنـكـار الاعـتـراف بـأنـهـا انـتـفـاضـات شـعـوب أوروبـا ونـسـبـتـهـا إلـى غـيـرهـا؛ وحـد مـواجـهـتـهـا بـالـصـد الـعـنـيـف وكـأنـهـا مـجـردة مـن كـل مـشـروعـيـة، وكـأن مـطـالـبـهـا مـفـتـعـلـة وذرائـع واهـيـة تـسـاق لـتـبـريـر الـفـوضـى.
الأسـوأ مـن هـذا أن أنـظـمـة أوروبـا «الـديـمـقـراطـيـة» لا تـمـلـك أجـوبـة عـن أسـئـلـة الانـتـفـاضـات ومـطـالـبـهـا. كـل مـا تـمـلـكـه جـواب شـرطـوي عـنـيـف لا يـزيـد الـمـواجـهـة إلا احـتـدامـا! .