في مذكرات هالة السكاكيني (القدس وأنا)، الصادرة بالإنجليزية عن دار مطبعة الاقتصادي في عمّان عام 1999، ثم المترجمة إلى العربية بترجمة الشاعرة هلا الشروف عن دار مؤسسة الدراسات، تروي هالة أن عمتها ميليا، أخت الكاتب والمثقف الكبير خليل السكاكيني، قد أهدت ابن شقيقها سري السكاكيني في عيد ميلاده سجادة فاخرة جدًا بثمن خرافي، 28 جنيهًا.

الأغلب أنها سجادة إيرانية عجمية من النوع الثمين جدًا، وإذا بحثنا في قيمة هذا المبلغ في أربعينيات القرن الماضي سنذهل بأن راتب الموظف آنذاك كان 3 جنيهات، وكان الجنيه الفلسطيني مغطى بالذهب ويعادله الجنيه الاسترليني، وكان بإمكان عائلة أن تعيش سنة كاملة بهذا المبلغ.

لن أتحدث عن وضع عائلة السكاكيني الاقتصادي في حي القطمون بالقدس، هذا ليس موضوعي، ولن أبحث عن مصادر هذا الغنى، فقد كانت ميليا مديرة لمدرسة البنات الإسلامية في القدس لسنوات طويلة، وكانت مقتدرة ماليًا بحكم هذا المنصب. الفكرة هي قصة أن يعيش الفلسطيني حياة طبيعية، بما فيها إهداء بعضهم بعضًا هدايا بمناسبات سعيدة، وكيف أن هذه الهدايا الثمينة تذهب إلى ظلمات الضياع والمجهول.

أين ذهبت سجادة ميليا الثمينة جدًا التي أهدتها لسري؟ أين هو بيت الصهيوني الذي فُرشت السجادة الإيرانية العجمية على أرض بيته؟ السجادة التي مشى عليها أطفال الغرباء حفاة، متنعمين بنعومتها الهائلة.

وهل سأل أطفال الغرباء آباءهم: من أين جئنا بهذه السجادة يا أبي؟ وما هو شعور السجادة وهي تنتقل إلى مكان آخر غريب، بلغة جديدة وثقافة مختلفة؟ وهل ستتعرف السجادة على زميلاتها من الأغراض المسروقة من بيت السكاكيني نفسه، كالخزانة وطاولة التنس والبيانو الشهير والفرشات والوسائد ومرطبانات المخلل والزيتون وقناني الزيت وغيرها؟

وهل ستهمس السجادة للوسادة في آخر الليل، بينما عيون الغرباء نائمة: أين نحن يا أختي؟ أين أصحابنا الأصليون؟ ستجيبها الوسادة: كل يوم أسأل نفسي والله، أين وجه أبو سري الذي كان ينام عليّ ويتنفس ويحكي مع نفسه قبل نومه؟ أعرف كل أسراره ومشاعره الفكرية ونظرياته التربوية، وهلوساته حول كتاب لنيتشه قرأه مؤخرًا.

أما هذا الرجل الغريب الذي ينام عليّ فلا يحلم ولا يتحدث مع نفسه سوى عن مشروعه لسرقة أغراض بيت آخر عربي مهجور.

جهاز راديو عائلة العباسي (حيفا - 1946)

هذه هدية ضائعة أخرى ذهبت في جحيم التهجير والطرد.

اشترى التاجر والمقاول الحاج أمين العباسي جهاز راديو ألمانيًا من ماركة «فيليبس» (Philips)، بهيكل خشبي محفور يدويًا، وقدّمه كهدية صلح لشقيقه الأكبر لإنهاء جفاء عائلي طويل، ووُضع في صدر البيت حتى نيسان 1948؛ حيث تسبب الهجوم المفاجئ على حيفا واضطرار العائلة للتهجير السريع عبر الميناء في ترك الجهاز مكانه، واستولت عليه العصابات الصهيونية لاحقًا.

يا الله، ماذا يحكي هذا الراديو لو حكى؟ هل صوت المذيع صار طبيعيًا بعد السرقة أم صار مبحوحًا، متحشرجًا؟ أين هو الجهاز الآن؟ أفي متحف؟ أم تناثر قطعًا في مهب السنوات والإهمال، وتجاوزته عشرات الماركات التجارية لأجهزة راديو كثيرة؟

طقم أدوات المائدة الفضي لعائلة الجاعوني (القدس - 1947)

أُهديت ابنة عائلة الجاعوني، بمناسبة عرسها في أحياء القدس، هدية ثمينة من خالها التاجر، عبارة عن طقم أدوات مائدة كامل مصنوع من الفضة الإسترلينية الإنجليزية، ومحفور عليه الأحرف الأولى من اسمها داخل صندوق قطيفة كحلي، لكنه ضاع نهائيًا بعد نهب المنزل بالكامل إبان المعارك واضطرار العائلة للنزوح المؤقت وترك مقتنياتها على أمل العودة.

آه يا أدوات المائدة، أي اغتراب عشتِ! وأي لغة فُرضت عليكِ! وأية أيادٍ أمسكت بكِ لا تعرفينها؟ وأي طعام، شوربة طعام غريبة، سكبتِها في صحونهم؟ وأي قطع حلوى لا تعرفينها قسمتِها بينهم؟ آه يا أدوات المائدة، من أوانٍ وملاعق وشوك وسكاكين عريضة وقصيرة وأدوات التقديم والسكب وسكاكين الفاكهة وملاعق الشوربة العميقة وشوك الحلويات...

هذه ساعة جيب ذهبية من ماركة بوشيرر السويسرية لعائلة روك، إحدى أغنى عائلات تجار البرتقال عام 1945.

أهداها أب فلسطيني إلى ابنه بمناسبة تفوقه في امتحان المترك، ونُقشت على الساعة عبارات حب وفخر، وظلت الساعة في جيب الابن حتى ضاعت في رمال الشاطئ في الميناء الذي شهد تدافعًا شديدًا أثناء التهجير.

آه يا ساعة الابن المتفوق، أين أنت الآن؟ بيد من؟ في جوف أية سمكة؟ أما زالت عقاربك واقفة على ساعة التهجير؟ أم إنه تم التلاعب بعقاربك لفبركة زمن آخر لم يعد الفلسطيني فيه موجودًا؟