حوادث الشاحنات لا تزال تؤرق المجتمع، فلا نكاد نصحو يوما إلا وتصدمنا فاجعة جديدة، ضحيتها مجموعة من الأبرياء، وسببها شاحنة ثقيلة، سواء كانت سببا مباشرا، أو غير مباشر، أو إن كانت متسببة في الحادثة أم لا.. المهم أن معظم نتائج الحادث مجموعة وفيات، أغلبهم من الأسرة نفسها، أو شباب في مقتبل العمر، أو ضحايا وقفوا خارج الشارع! حيث تنحرف الشاحنة مخلفة وراءها وأمامها دمارا شاملا، لا يمكن وقفه، أو الحد منه، وفي كل الأحوال يدفع الآخرون ثمنا باهظا، وتتكلف الدولة خسائر مادية ومعنوية جسيمة.

وكم طالبنا، وطالب الكثيرون، بإنشاء شارع خاص للشاحنات، يكون بعيدا عن الشوارع الرئيسة العامة، وأن تنتقل هذه المركبات الثقيلة إلى شوارع أكثر أمنا لها، ولغيرها، ولكن لا تزال هذه النداءات مجرد صراخ دون صدى ظاهر، ويبقى الوضع على ما هو عليه، وتبقى مجازر الطريق مسلسلا لا تنتهي حلقاته، ويبقى سائقو الشاحنات الوافدون يجولون، ويصولون، ويرتكبون الحادث بعد الآخر؛ حيث إن كثيرا من هؤلاء السائقين يتعاطون المنشطات، والمؤثرات، ليبقوا يقظين خلال القيادة، غير أنه بانتهاء مفعول هذه (الأدوية)، يبدأ تركيز السائق بالتراجع، وقد يغفو بعد فترة وهو يقود المركبة، مما يتسبب في كوارث له ولغيره لا يمكن وصفها.

وما زال بعض قائدي هذه المركبات لا يلتزمون بالسرعة القانونية على الطريق، ويتعمدون مزاحمة السيارات الصغيرة على الدوارات، ويرتكبون الأخطاء تلو الأخطاء؛ لأنهم يعتقدون أنهم (محصّنون) ضد الحوادث بسبب صلابة شاحناتهم، وقوة هيكلها، وضخامة حجمها، وبذلك لا يعيرون اهتماما للآخرين، بينما تكون العقوبة في الحوادث التي ترتكبها الشاحنات هي العقوبة العادية التي تطبق على السيارات الصغيرة، وهو ما يشجع سائقي الشاحنات على التمادي في تهوّرهم، ولو كان هناك قانون خاص بالشاحنات يشدد على الغرامات المالية، وسحب رخص القيادة، بل وترحيل السائق في حالة الحادث الجسيم، أو السياقة بتهوّر، أو أن يقود المركبة وهو في حالة غير طبيعية، لربما قلّت نسبة الحوادث، ولزاد تركيز سائق الشاحنة على الطريق، ولفكّر ألف مرة قبل أن يقدم على مخالفة مرورية مهما كانت بسيطة.

ولا شك أن عدد الشاحنات التي ترتاد الشوارع العامة تضاعف هذه الفترة بسبب استخدام دول المنطقة للطرق البرية العمانية في تحميل بضاعتها، بسبب الحرب الإيرانية الأمريكية، مما يعني مزيدا من الخطر، ومزيدا من الحوادث، وهو ما يسرّع من سنّ قانون مروري خاص للشاحنات، وحافلات النقل العام، ويجعل من إنشاء طرق بديلة للمركبات الثقيلة خيارا استراتيجيا ضروريا، وليس مجرد فكرة ثانوية، وذلك حفاظا على أرواح الناس، وحفاظا على أموال الدولة ومنشآتها على المدى البعيد، خاصة أن سلطنة عُمان تمر حاليا بفترة اقتصادية ومالية جيدة، تتيح النظر بشكل إيجابي في البدء بتنفيذ عمل هذه الطرق البديلة، وتقليل حجم وعدد الكوارث التي تتسبب بها الشاحنات، وسائقوها.