سبق أن كتبت في هذه الجريدة الرصينة مقالًا بعنوان «الصهيونية والحرب باسم الدين»، ولكني أود هنا أن أتناول العلاقة بين الحرب والدين على مستوى أكثر عمومية باعتبار أن الصهيونية نفسها ليست سوى شكل من الأشكال التي تتجلى فيها هذه العلاقة.

وهناك مسوغات قوية لوجهة النظر التي ترى أن هذه العلاقة قد تجلت دائمًا عبر التاريخ بحيث يبدو الدين هو العنصر المحرك للحروب والصراعات.

ولعل المثال الأبرز في هذا الصدد هو الحروب الصليبية التي اتخذت راية الصليب وشعارات فرسان المعبد في إعلانها الحرب باسم حماية المقدسات المسيحية وانتزاعها من ولاية المسلمين عليها، ولكن هناك أمثلة أخرى عديدة حتى في واقعنا الراهن تبرر لمعظم الناس الاعتقاد في أن الحرب هي العنصر المحرك للصراع.

فالصراع في اليمن بين الحوثيين والحكومة الشرعية المدعومة من السعودية، والانقسامات والتوترات في العراق وفي لبنان هي امتداد لمشروع إيراني شيعي في مواجهة الدولة السنية.

وهذه هي السردية التي يُروِّج لها المشروع الصهيوني والغرب نفسه بزعامة أمريكا؛ فإيران- وفقًا لهذه السردية- هي مشروع شيعي إرهابي يهدد المنطقة، ولا خلاص منه سوى بالاندماج في مشروع الديانة الإبراهيمية التي تشارك فيها الدولة اليهودية باعتباره مشروعًا متعاليًا على الخصوصيات والتفاصيل الدينية، وبذلك يستوعب وجود الكيان الصهيوني في المنطقة (على الرغم من أن هذا الكيان نفسه قائم في أساسه على تبرير ديني!).

كما أن الدين يظل بعدًا أساسيًّا في صراع الجماعات الدينية مع نظم الحكم، ولقد تبدى ذلك بوضوح في مسلك جماعة الإخوان المسلمين- على سبيل المثال- في بعض البلدان العربية؛ فلقد رفعت هذه الجماعة شعار «الإسلام هو الحل» في مواجهة النُّظم الحاكمة.

أما شعارها الرسمي فيتمثل في «رمز السيف مصحوبًا بكلمة: وأعدوا»، وهو شعار يعلن ابتداءً روح العداء والصراع، ويسيء عمدًا استخدام الدين بتوظيف ضمني للآية الكريمة «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» (لأن قول الله تعالى موجه في الآية إلى المؤمنين في مواجهة تهديد الأعداء أو من أجل درء العدوان).

كل هذا ربما يبرر اعتقاد معظم الناس في بعض النظريات الفلسفية السياسية التي روجت لصراع الحضارات، والتي تصنف الحضارة الغربية باعتبارها حضارة مسيحية في مواجهة حضارة إسلامية.

لكن حينما نتأمل الأمر بقدر أكبر من العمق سوف يتبين لنا أن الدين لم يكن يومًا سوى غطاء أو مسوغ للحرب من أجل النفوذ والهيمنة والتوسع. فحتى الحروب التي شنها المشركون على رسول الله الكريم كانت تستخدم الدين غطاءً بينما كان الدافع الأساسي للحرب والعدوان هو الدفاع عن نفوذهم الاجتماعي ومصالحهم التجارية.

ولقد ظل هذا التوظيف للدين أمرًا شائعًا في السياسات الغربية المعاصرة، وبوجه خاص سياسة الإدارة الأمريكية التي طالما استخدمت الدين لتبرير الحروب التي أشعلتها في كل مكان من العالم.

فلقد أعلن الأمريكان الحرب على الجماعات الدينية في أفغانستان باعتبارها جماعات إسلامية إرهابية رغم أنهم أنفسهم هم مَن عملوا من قبل على صنع هذه الجماعات واستخدامها من أجل مقاومة النفوذ السوفيتي في المنطقة.

وعلى النحو نفسه يكون الترويج لسردية تربط بين الإسلام والإرهاب لتبرير الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وكغطاء لعدوان إسرائيل وعربدتها في المنطقة.

حقًّا إن هذه السردية بدأت في التراجع بعد أحداث السابع من أكتوبر التي كشفت القناع عن الوجه الحقيقي للعدوان الوحشي للكيان الصهيوني على أهل فلسطين وغيرهم، ومع ذلك فإن هذه السردية لا تزال قائمة من خلال الترويج لها باستمرار في نوع من إشاعة أو استدعاء «الإسلاموفوبيا».

ونحن نرى ونسمع ذلك يوميًّا على لسان ترامب نفسه الذي يُروج لهذا المفهوم باعتبار أن الإسلام يشكل عدوًا، وهو يلجأ بذلك إلى توظيف الدين كمبرر لسياساته في العدوان على الآخر، بل لتبرير مصالحه السياسية الخاصة في مواجهة خصومه من المسلمين؛ فلأنه لا يريد أي معارض من المسلمين في الكونجرس الأمريكي يسعى إلى تشويه عبد الرحمن السيد المرشح الديمقراطي عن ولاية ميشيجان الذي يحظى بشعبية واسعة، حتى إنه يطلق عليه في خطبه العامة اسم «محمد السيد» في نوع من السخرية المضمرة من الإسلام ورسول الإسلام الكريم، وترى الغوغاء من ورائه يهللون ويصفقون! وهو يفعل الأمر نفسه مع النائبة الإثيوبية المسلمة إلهان عمر، حتى إنه يسخر بطريقة مضمرة من عقيدتها بالادعاء بأنها قد تزوجت من أخيها!

ما أود قوله في النهاية أن الدين ليس هو الدافع الحقيقي للصراع والحرب والعدوان، وإنما هو غالبًا ما يُستخدم كغطاء أو مبرر لهذا الدافع؛ ذلك أن الدافع الحقيقي يكمن في أساس ميتافيزيقي يكمن في الطبيعة البشري، أعني: يكمن في الأنانية المتأصلة في طبيعة البشر والتي هي منبع العدوان؛ لأنها منبع تحقيق مصلحة الأنا على حساب الآخر في كل مكان.

وهكذا، فإنه في هذا الإطار يظل هذا الصراع حالة من العدوان ومقاومة هذا العدوان، وهذه الحكمة الميتافيزيقية هي المعنى البعيد الذي يمكن أن نفهمه من قوله تعالى: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا».