شاهدت حلقة في منصة «عوالم» - منصة إعلامية عُمانية - حول «بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود»، وهو كتاب لنور الدين عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ/ 1914م)، وأصله رسالة جاءت ردا على جواب للعمانيين في زنجبار أحدث شيئا من الاعتراض.
والظاهر كان الاعتراض من قبل أحد الفقهاء العمانيين هناك، وتعود هذه الرسالة إلى محرم 1328هـ/ فبراير 1910م، أي قبل أكثر من قرن، وقبل وفاة السالمي بأربعة أعوام، وقبل قيام الإمامة الأخيرة بحوالي ثلاثة أعوام.
وقد أخرج الرسالة حفيد السالمي سعود بن حمد السالمي في شعبان 1415هـ/ يناير 1995م عن طريق مكتبة الإمام نور الدين السالمي في بدية بمحافظة شمال الشرقية في ثمانين صفحة.
الذي شدني في الحلقة هو تسطيح مثل هذه القراءات أو النتاجات أمام العقل الجمعي، والدوران في ثنائيات كلاسيكية في فترة كان العالم يعيش انعزالا جغرافيا لا تظهر فيه الخلطة بالشكل الكبير، بينما العالم اليوم يعيش في تداخل ثقافي نتيجة تطور عوامل الخلطة بين البشر بسبب تقدم وسائل النقل، وسهولة السفر، وكثرة السياحة، فضلا عن الثورة الرقمية اليوم.
فلا مقارنة رأسا بين الفترة الزمنية التي عاشها السالمي، وكانت منقطعة عن العالم؛ فهو يعيش في داخلية عمان، حيث كانوا يعيشون على الحمير والبغال، ولا يملكون الصحافة أو الاطلاع على ما يحدث في العالم، والعالم حينها يعيش عصر الحداثة الصناعية، والسالمي بذاته في أحد أجوبته عندما سئل عن «السيكل» الدراجة الهوائية كان لا يتصورها، بينما العالم تقدم حينها في القطارات والطائرات والحافلات المختلفة.
إعادة تقديم مثل هذه الكتب على أنها شواهد لجهود العمانيين ضد التغريب، أو الاستعمار الغربي، كان ثقافيا أو سياسيا واقتصاديا، وأن الشدة التي فيه لا تتجاوز ظرفية الحدث، وإلا مفرداته في مخالفة اليهود والنصارى، أو المشركين عموما، قائمة إلى اليوم، ثم خلق حالة التميز عن الآخر بخطابات عمومية، بعيدة عن الأدوات المعرفية المعاصرة؛ لها تأثير سلبي على العقل الجمعي، حيث القراءات المعاصرة حتى الإسلامية تجاوزت هذه القراءات بشكل كبير جدا.
من حيث العالم العربي، نحن نتحدث - من حيث زمنية الرسالة - في عصر الإفاقة، أي من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وبدايات القرن العشرين، وفي عمان نتحدث عن واقعين مختلفين تماما، بين واقع العمانيين في الشق الأفريقي، وواقع العمانيين في الشق المشرقي، تحدثت عن هذه المقارنة في مقالي: «من رفاعة الطهطاوي إلى عُمان» في ملحق عُمان الثقافي.
في هذه الفترة كانت الدعوات الإصلاحية التي تزعم روحها بداية حسن العطار (ت: 1835م)، وهو صاحب مقولة: «إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها»، ومنها إصلاحات التعليم، والانفتاح على العلوم واللغات المعاصرة، وهو المدار الذي نادى به جمال الدين الأفغاني (ت: 1870م) وعبد الرحمن الكواكبي (ت: 1902م) ومحمد عبده (ت: 1905م) وتلاميذهم، والذين واجهوا هجوما من التقليديين ممن حمل ضدهم دعوات «التغريب»، ومن هؤلاء يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت: 1932م) صاحب كتاب: «إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى»، والذي سيعتمد عليه السالمي في جوابه ورسالته.
في الشق العماني الأفريقي الرسالة تعود إلى عهد السيد علي بن حمود البوسعيدي (ت: 1918م) من سلاطين زنجبار، وهو امتداد لمرحلة التحديث التي بدأت مع السلطان برغش بن سعيد (ت: 1888م) وافتتاحه المطبعة السلطانية في زنجبار عام 1879م، كما كان امتدادا للتحديث الذي توسع فيه أبوه السيد حمود بن محمد البوسعيدي (ت: 1902م)، وهذه من المراحل الذهبية في التحديث العماني في زنجبار في عصر الإفاقة، لتظهر في هذه الفترة الصحف والعلاقات الثقافية الخارجية والنوادي الثقافية.
الشق العماني المشرقي التحديث فيه حينها شبه منعدم، خصوصا في داخل وشرقية وجوف عُمان، وجل العمانيين حينها لا يكاد يدركون ما يحدث في العالم من تحديث، فضلا عما ينتج عن ذلك من حداثة، فطبيعي أن يكون تصور التحديث غائبا عن الفقهاء حينها، فضلا عن تصديقاته ومصاديقه، فتقرأ أقوالهم وآراؤهم في هذا السياق.
مثلا عندما أراد سليمان الباروني باشا (ت: 1940م) كما يذكر أبو إسحاق أطفيش (ت: 1965م) في كتابه حول الباروني إنشاء المدرسة البارونية في سمائل، والقيام ببعض التحديث في الإصلاحات المالية في إدارة المال العام؛ كان اعتراض بعض الفقهاء والشيوخ «إن هذا الأمر بدعة، وكل بدعة ضلالة، ومن قائل إن هذا من عمل النصارى لا نقبله، ومن قائل إن هذا لم نجد عليه آباءنا وأوائلنا، وهم أدرى منا بالأصلح في البلاد».
ولما بدأت عمان في تحديثها عام 1970م كان الجدل في قضايا عديدة، كالخلطة بغير المسلمين ومخالطتهم ورطوباتهم واستقدامهم للعمل والسياحة، وقضايا المرأة وخروجها إلى سوق العمل، وما يتعلق بالقانون ونظام الدولة، وما يتعلق بالبنوك وشركات التأمين، وقضايا الموسيقى وظهور المرأة في الإعلام، وقضايا المسرح والنوادي الرياضية وغيرها.
ومن يتأمل ما حفظته الصحف والمجلات العمانية منذ 1970م وحتى 1990م مثلا؛ يجد جدلا حول العديد من قضايا التحديث، ومع هذا، كان الواقع أقوى بكثير، ومن كان ينكر ويستهجن أصبح عنده مألوفا ومستساغا.
لا أريد في هذه المقالة التطرق إلى رسالة السالمي وإعادة قراءتها، فهي لا تختلف عن العديد من الفتاوى المستهجنة ليس عند العمانيين فحسب، بل في واقع العالم الإسلامي ككل، فهي تدرس كسياق تأريخي لا يتجاوز نسبة الزمكانية.
الإشكالية في نظري في البنية المعرفية التي نتعامل معها مع هذا التراث الظرفي، وإسقاط ذلك على العقل الجمعي، ابتداء من ربطه باطنيا بالقداسة، ثم جعله رديف المطلق، مما يسقط عن ذلك أحكام مطلقة، تتشكل سلبا في قضايا واقعية نعايشها.
فجعل أصحاب الملل الأخرى مثلا في ثنائية مغلقة لا يمكن به تحقق التعايش من خلال النزعة الإنسانية الواحدة، والذي به تتشكل المواطنة ونظريات الدول الكبرى، وما يتعلق من علاقات خارجية، خصوصا وأصبح العالم اليوم يعيش في تلك القرية المتقاربة، فعلينا أن نراجع العديد من البنى المعرفية في قراءتنا لتأريخ حركة الاجتماع البشري، ومنها ما يتعلق بتراثنا العماني.