شهدت بورصة مسقط خلال شهر أكتوبر تراجعات متتالية، بعد موجة من الارتفاعات القوية التي حققتها منذ بداية العام الجاري. وأثارت هذه التراجعات تساؤلات حول أسبابها ومدى ارتباطها بحركة السيولة والظروف الإقليمية، وما إذا كانت تمثل مرحلة مؤقتة لجني الأرباح أم تحولًا في اتجاه السوق، خاصة مع ترقب فرص ترقية بورصة مسقط إلى فئة الأسواق الناشئة الثانوية لدى مؤسسة «فوتسي راسل». فكيف يقرأ المختصون حركة البورصة الأخيرة في سياق أدائها منذ بداية العام؟ وما فرص استعادة زخمها خلال الفترة المقبلة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تسهم الترقية المحتملة في تعزيز السيولة وجذب الاستثمارات الأجنبية؟
تصحيح سعري وسط مكاسب العام

**media[3566657]**


قال فهد الهوتي، رائد الأعمال والخبير المالي، إن الارتفاعات التي سجلتها بورصة مسقط منذ نهاية عام 2025 جعلت فترات جني الأرباح وإعادة تقييم الأسعار متوقعة، إلا أن وصف التراجع بأنه «تصحيح طبيعي» قد يعطي انطباعًا مبكرًا بالاطمئنان. وأوضح أن المؤشر انخفض ثلاثة أسابيع متتالية، رغم تقلص خسارته في الأسبوع الأخير من أكتوبر إلى نحو 33 نقطة، بالتزامن مع ارتفاع التداولات، ثم عاد إلى التراجع في جلسة الأحد الأول من نوفمبر. ويرى أن السوق تمر بمرحلة تصحيح تتخللها محاولات لامتصاص ضغوط البيع، وتحتاج إلى مؤشرات إضافية للحكم على انتهائها.
وأضاف الهوتي أن التحسن الذي شهدته البورصة خلال العام لا يُقاس بصعود الأسعار وحده، بل بتطور عمق السوق وحضور المؤسسات واتساع نشاط التداول. فقد بلغت تداولات أكتوبر نحو 1.29 مليار ريال، وهو أعلى مستوى شهري منذ أبريل، بينما تراجعت أسعار 60 ورقة مالية مقابل ارتفاع 38 ورقة. ويرى أن استمرار النشاط في شهر هابط يختبر قدرة السوق على توزيع السيولة بين عدد أكبر من الشركات والمحافظة على ثقة المستثمرين.

**media[3566658]**


ومن جانبه، اعتبر فهد مزار، المستثمر والمتابع لأسواق المال، التراجعات عملية تصحيح بعد موجة ارتفاع قوية، عززتها عمليات جني الأرباح وإعادة تقييم الأسهم. وأوضح أن جزءًا من السيولة اتجه إلى الاكتتابات والصكوك، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وانخفاض بعض الأسواق المجاورة، وهو ما أثر في قرارات المستثمرين الخليجيين والأجانب. وأضاف أن المؤشر ظل مرتفعًا بأكثر من 25% منذ بداية العام، بحسب تقييمه، وأن الشركات المدرجة احتفظت بمقومات إيجابية تشمل تحسن نتائج عدد منها وزيادة حضور المؤسسات الاستثمارية.
أما منذر الشرجي، المتخصص في التحليل المالي وعلاقات المستثمرين، فرأى أن الحكم على تغير شهية المستثمرين استنادًا إلى تراجع قصير تراوح بين 3% و4% سيكون مبكرًا، خاصة مع تسجيل أسواق خليجية أخرى انخفاضات متقاربة، من بينها السوق السعودية. ورجّح أن تكون عمليات جني الأرباح والظروف الجيوسياسية من العوامل المؤثرة، في ظل مكاسب بورصة مسقط منذ بداية العام، داعيًا إلى قراءة حركة السوق في سياقها الإقليمي.
السيولة ترتفع.. والتعافي يحتاج إلى تأكيد
وأوضح الهوتي أن قيمة التداول الأسبوعي ارتفعت في الأسبوع الأخير من أكتوبر بنحو 48.5%، من قرابة 215 مليون ريال إلى 318.9 مليون ريال، بينما ظل عدد الصفقات قريبًا من 75 ألف صفقة، ما يعكس ارتفاع متوسط قيمة الصفقة. وأضاف أن مشتريات المؤسسات والصناديق المحلية زادت من نحو 162.6 مليون ريال إلى 244.3 مليون ريال، لكنه شدد على أن ارتفاع التداولات قد يتزامن مع البيع أو الشراء، وأن التعافي يحتاج إلى استقرار الأسعار واتساع المشاركة في الصعود بين الشركات والقطاعات.
وفي قراءة زمنية أوسع، قال الشرجي إن الاكتفاء بأسبوعين قد يحجب تحسن النشاط خلال أكتوبر مقارنة بأشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر؛ إذ شهد مطلع الشهر عودة التداولات على أسهم الشركات الكبرى وارتفاع أحجام التداول والصفقات. ورأى أن حركة المستثمرين الأجانب تخضع أيضًا لإعادة توزيع الاستثمارات بين الأسواق الخليجية؛ فقد يبيع بعضهم أسهمًا في مسقط لجني مكاسبها والانتقال إلى سوق تراجعت أسعارها وأصبحت أكثر جاذبية بالنسبة إليهم.
وأشار فهد مزار إلى أن زيادة عدد الصفقات مع تراجع قيمتها قد ترتبط بمشاركة أفراد بمبالغ أصغر أو بتجزئة أوامر البيع والشراء، ومنها العمليات التي تنفذها صناديق السيولة. وأضاف أن المنافسة على الأموال الاستثمارية تزايدت مع طروحات الصكوك، ومن بينها صكوك حكومية بعائد بلغ 4.85%، فضلًا عن الطرح الإضافي لأسهم أسياد للنقل البحري، ما قد يدفع المستثمرين إلى توزيع محافظهم بين الأسهم وأدوات الدخل الثابت.
وفيما يتعلق بسلوك المستثمر المحلي، أوضح الهوتي أن ارتفاع مشتريات المؤسسات المحلية يختلف عن صافي تداول المستثمرين العُمانيين جميعهم، إذ سجلت الفئات العُمانية إجمالًا صافي بيع بنحو 2.7 مليون ريال خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر. ورأى أن استقرار السوق يتطلب طلبًا استثماريًا متنوعًا، بينما اعتبر مزار استمرار شراء بعض المؤسسات المحلية أثناء التراجع عاملًا يساعد على تخفيف التقلبات.
وفيما يخص صُنّاع السوق وصناديق السيولة، أوضح الهوتي أن نجاح هذه الأدوات يقاس بمدى تسهيل تنفيذ الصفقات وتقليص الفروق بين العرض والطلب، وقدرة السوق على استيعاب الأوامر الكبيرة دون تقلبات حادة، بدلًا من ربطه بمنع انخفاض المؤشر. ودعا إلى توسيع نشاطها في الأسهم المؤهلة وتشجيع الإدراجات النوعية والبحوث المالية المنتظمة.

**media[3566656]**


نتائج إيجابية وأسعار تتراجع
وأوضح الشرجي أن أسعار الأسهم تتأثر بثلاثة عوامل مترابطة: أداء الشركات المالي والتشغيلي، وظروف الاقتصاد الكلي بما فيها اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية، ومعنويات المستثمرين. وأضاف أن تقلب المزاج الاستثماري قد ينقل ضغوط البيع من شركة إلى أخرى، حتى عندما تستمر الأعمال في تحقيق نتائج جيدة. ويرى أن عددًا كبيرًا من أسهم بورصة مسقط ما زال يتداول عند تقييمات جاذبة قياسًا بنظائرها الخليجية، مستندًا إلى مكررات الربحية وعوائد التوزيعات النقدية التي تتراوح لدى عدد من الشركات الكبرى بين 5% و8%، مقابل أقل من 4% لدى بعض الشركات في أسواق خليجية أخرى.
ومن جانبه، أوضح فهد مزار أن الأسواق تستبق النتائج أحيانًا؛ فقد ترتفع الأسهم مع توقع تحسن الأرباح قبل إعلانها، ثم تتراجع بعد صدورها إذا كانت النتائج محسوبة مسبقًا في الأسعار أو ارتفعت المخاطر. ويرى أن بعض الأسهم أصبحت تعكس معظم توقعات نموها بعد مكاسب العام، فيما تحتفظ شركات أخرى بأسعار تقل عن قيمها العادلة، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة مناسبة للانتقاء وفق الأساسيات المالية بدلًا من التعامل مع السوق بوصفها فرصة واحدة.
أما الهوتي، فشدد على أن انخفاض السهم لا يكفي للحكم على جاذبيته، وأن التقييم ينبغي أن يشمل استدامة الأرباح والتدفقات النقدية والديون وقدرة الشركة على توزيع الأرباح. ولفت إلى أن اقتراب موسم التوزيعات قد يجدد الاهتمام بالشركات ذات العوائد المنتظمة، لكن شراء السهم قبل الاستحقاق لا يضمن ربحًا إضافيًا، إذ قد يتكيف سعره بعد انفصال الحق في التوزيع. كما حذّر من تحويل مضاربة خاسرة إلى استثمار طويل الأجل دون إعادة تقييم القرار.
أثر التوترات الإقليمية وحركة المستثمرين
وفي قراءة لتأثير الظروف الخارجية، رأى فهد مزار أن استقرار البيئة الاقتصادية في سلطنة عُمان ودور المؤسسات المحلية يساعدان على امتصاص جانب من التقلبات، لكن المستثمرين يعيدون تقييم المخاطر عند تصاعد التوترات الإقليمية حتى قبل تأثر أعمال الشركات فعليًا. وأضاف أن استمرار الاضطرابات قد ينعكس على التجارة وأسعار الطاقة وتكاليف التأمين والشحن، بما يؤثر لاحقًا في نتائج بعض الشركات. وأكد أن التمييز بين تقلبات الأسعار قصيرة الأجل والتأثيرات الاقتصادية الفعلية على المدى الطويل ضروري لتقييم حجم المخاطر على الشركات المدرجة.
الترقية المرتقبة وفرص استقطاب الاستثمار
وفي ملف الترقية، قال الهوتي إن إدراج بورصة مسقط على قائمة المراقبة لدى "فوتسي راسل" جاء بعد استيفاء معايير جودة السوق التسعة والحد الأدنى المطلوب من حيث عدد الأوراق المالية المؤهلة وحجمها، وفق بيانات يونيو، على أن تُراجع المعايير ببيانات نهاية ديسمبر ويصدر تحديث في أبريل 2027. وأكد أهمية التفريق بين الإدراج على قائمة المراقبة وصدور قرار الترقية، والمحافظة على السيولة وسهولة دخول المستثمر الدولي وخروجه.
وأوضح الشرجي أن المؤسسات العالمية تقيّم السوق كمنظومة متكاملة تشمل جودة الإفصاح وكفاءة التداول وإمكان تنفيذ صفقات كبيرة والخروج منها. ويرى أن الترقية المحتملة قد تجذب صناديق تتبع المؤشرات وصناديق نشطة، وأشار إلى تقديرات محللين لاحتمال تدفقات أجنبية تتراوح بين 150 و200 مليون ريال عُماني، مع توقع استفادة الشركات الكبرى من جانب منها. وربط ذلك باستمرار استيفاء المعايير، متوقعًا احتمال صدور الترقية خلال أبريل أو الربع الثاني من 2027.
من زاويته، رأى فهد مزار أن الاستفادة من الترقية تتطلب زيادة الأسهم الحرة المتاحة للتداول وعدد الشركات المؤهلة للاستثمار المؤسسي، وتعزيز الإفصاح والحوكمة وتشجيع إدراج الشركات العائلية والخاصة، إلى جانب تنويع القطاعات ورفع حضور الشركات الكبيرة. وفي جانب الإفصاحات، دعا الشرجي إلى نشر المعلومات الجوهرية المؤثرة في قرارات المستثمرين سواء كانت إيجابية أو سلبية، وعدم الاكتفاء بالأخبار الإيجابية.
تعافٍ مشروط واتجاه نحو الاستثمار الانتقائي
وفي توقعاته للفترة المتبقية من العام، رأى الهوتي أن السوق تملك عوامل داعمة، بينها استمرار النشاط المؤسسي وفرص الترقية، إلا أن إشارة التعافي الأكثر إقناعًا تتمثل في استمرار السيولة لعدة أسابيع مع ارتفاعات تشمل قطاعات وأسهمًا متعددة؛ أما الصعود المحصور في جلسات أو شركات قليلة فقد يكون ارتدادًا يحتاج إلى تأكيد.
وتوقع فهد مزار استمرار التذبذب مع احتمال ارتدادات في الأسهم القيادية، معتبرًا أن العودة إلى المستويات السابقة ترتبط بتحسن السيولة واستقرار الظروف الإقليمية واستمرار نتائج الشركات. ودعا المستثمر الفرد إلى متابعة نمو الأرباح واستدامتها، ومكررات الربحية، واتجاهات السيولة المؤسسية، والتوزيعات النقدية، فضلًا عن أسعار الفائدة وعوائد الصكوك والنفط والتطورات الجيوسياسية. وخلص إلى أن المرحلة المقبلة ستكون أقرب إلى انتقاء الشركات الجيدة من صعود جماعي للأسهم.
فيما أكد الشرجي أن تقييم الآفاق المستقبلية لبورصة مسقط يتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل، تشمل استمرار الأداء التشغيلي للشركات، وتحسن نتائجها المالية، وتطور الظروف الاقتصادية والجيوسياسية، إلى جانب معنويات المستثمرين وحركة السيولة في السوق.
وأوضح أن استدامة الأنشطة التشغيلية للشركات ونمو أرباحها يمثلان عاملين رئيسيين في دعم جاذبية الأسهم على المدى المتوسط والطويل، خصوصًا في ظل ما تتمتع به بورصة مسقط من عوائد توزيعات نقدية مرتفعة نسبيًا مقارنة بعدد من الأسواق الخليجية.
ولفت إلى أهمية تحقيق التوازن بين توزيع الأرباح النقدية على المساهمين وإعادة استثمار جزء منها في تطوير أعمال الشركات وتوسيع أنشطتها، موضحًا أن ارتفاع نسب التوزيعات قد يؤثر في قدرة بعض الشركات على تمويل نموها المستقبلي.