لا يمثل فلج دارس في ولاية نزوى مجرى للمياه يروي المزارع والبساتين فحسب، بل يجسد منظومة متكاملة من الأعراف والقواعد التي تنظم توزيع المياه بين أصحاب الحصص والمستفيدين منها، فهو ليس مجرد مجرى مائي يشق طريقه بين أحياء ولاية نزوى ومزارعها، وإنما هو نظام متكامل من الأعراف والتقسيمات التي نشأت مع الفلج وتطورت حوله؛ فمنذ القدم ارتبط الفلج بنظام دقيق لتقسيم مياهه، يقوم على وحدات زمنية ومائية متعارف عليها، من بينها «البادّة» و«الأثر» و«الربيطة» و«القعادة»، وظلت هذه المصطلحات حاضرة في إدارة المياه وتحديد حقوق الانتفاع بها جيلًا بعد جيل، وتتشكل منها منظومة دقيقة تحدد متى تصل المياه إلى كل مستفيد، وكم من الوقت يملكها، وكيف يجري التعامل معها في سنوات الوفرة والشح.

ويُعد فلج دارس من أشهر أفلاج سلطنة عُمان وأكثرها عراقة، وقد ارتبط تاريخيًا بالحياة الزراعية والاجتماعية في ولاية نزوى، إذ يروي مساحات واسعة من المزارع والبساتين وواحات النخيل. كما اختير ضمن خمسة أفلاج عُمانية أدرجتها لجنة التراث العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ضمن قائمة التراث العالمي، بما يعكس قيمة نظام الأفلاج العُماني بوصفه أحد أبرز الشواهد على قدرة العُمانيين منذ القدم على إدارة مصادر المياه والاستفادة منها في البيئات الجافة.

أعراف قديمة

تضبط حصص المياه

يوضح مسعود بن ساعد الكندي، أحد عرفاء فلج دارس، أن للفلج أعرافًا قديمة نشأت منذ بداياته، وظل الناس يعملون بها ويتوارثونها حتى اليوم، مشيرًا إلى أن حصص المياه تنقسم إلى فئات متعددة، لكل منها وضعها وطريقة الانتفاع بها؛ وتأتي في مقدمة هذه الفئات حصص «المُلّاك»، وهم الذين يملكون حصصًا ثابتة في الفلج، حصلوا عليها بالشراء أو التوارث، كما توجد حصص مخصصة لأوقاف المساجد وبيت المال، إلى جانب حصص أخرى تُطرح للمزايدة سنويًا، وأخرى تُطرح أسبوعيًا للاستفادة من المياه الفائضة.

ويؤكد الكندي أن هذه التقسيمات ظلت قائمة رغم التغيرات التي طرأت على الحياة وطبيعة استخدامات الأراضي، لأن نظام الفلج يقوم في أساسه على حقوق مائية متوارثة وأعراف مستقرة يعرفها أصحاب المياه والمستفيدون منها.

البادّة والأثر لغة تقسيم المياه

لا يعتمد توزيع مياه فلج دارس على التقدير العشوائي، وإنما يقوم على تقسيم زمني دقيق يعرفه أصحاب المياه، ويشير الكندي إلى أن الفلج يُقسّم بحسب الأحياء، وفق نظام قديم مرتبط بتوقيت اليوم وحركة الشمس، وتدور دورة الفلج بين الحارات والأوقاف في ثمانية أيام؛ ويُقسّم اليوم إلى فترتين زمنيتين تُعرف كل منهما باسم «بادّة»، وتبلغ مدة البادّة نحو اثنتي عشرة ساعة وقليلًا تقريبًا، وتتوزع البادّات على أحياء «العلاية والمدّة والسفالة»، إضافة إلى بيت المال والمساجد، بحيث يعرف كل صاحب ماء موعد حصته ويتهيأ للسقي خلال الدورة المحددة له؛ وقد كان الاعتماد قديمًا في الماضي على حركة الشمس والظل والمزولة الشمسية، حيث يتم وضع عصا قائمة ومجموعة من الحصى بمسافات متساوية، ويتم التعرّف على الحصص بواسطة وصول ظل العصا إلى نقطة معينة؛ بعد ذلك تم الاستعاضة عنها بـ«الطاسة»، وهي إناء معلوم السعة مثقوب يتم ملؤه بالماء وتحته طاسة أصغر بها مقادير تمثل الحصص، قبل أن ينتقل التوزيع إلى الاعتماد على الساعة بعد انتشارها.

ولا تتوقف دقة التقسيم عند البادّة، إذ تُقسّم بدورها إلى آثار عددها أربعة وعشرون أثرًا، ويبلغ زمن الأثر نحو نصف ساعة، بحيث تشكل مجموعة الآثار وحدة أكثر دقة في تنظيم وصول المياه إلى المزارع والبساتين؛ وبذلك أصبح للفلج نظام زمني متعارف عليه، يعرف من خلاله صاحب الماء موعد وصول حصته، كما يعرف عريف كل محلة كيفية ترتيب أوقات السقي وتوزيعها بين المستفيدين؛ كما يتم تقسيم كل أثر إلى قياسات «كل أثر 24 قياسة»، وذلك لدقة التوزيع بالدقائق والثواني، ولكن تبقى الحصص ثابتة، حيث يعرف كل مستفيد كم له من الدقائق خلال فترة دورة الفلج.

الملك والربيطة والقعادة

وبعد أن تعرّفنا على نظام التقسيم الزمني، يتطرق مسعود الكندي في الحديث إلى طرق الانتفاع بمياه فلج دارس، إذ يقول إن أصحاب «الملك» هم الذين يمتلكون حصصًا ثابتة في الفلج، وهي حصص يمكن بيعها عند الحاجة، إلا أن بيع أصول المياه لا يحدث بصورة متكررة، إذ يحرص كثير من أصحابها على الاحتفاظ بها وتوارثها؛ وهناك ما يُعرف بـ«الربيطة»، وهي حصة تشبه الملك، لكنها لا تُدوّن في نسخة الفلج، وتكون متعارفًا عليها بين أصحابها، حيث يستأجر الشخص حصة من الفلج بصفة ثابتة لا يتنازل عنها، لكنه يؤدي رسومًا سنوية لها وفق ما يتم في مناداة الفلج في الأول من ذي الحجة من كل عام، كما توجد حصص من المياه يتم استئجارها سنويًا وبنفس الآلية، ولكنها قد تنتقل بين المستفيدين؛ أما «القعادة» فهي إحدى الوسائل التي تتيح الانتفاع بالمياه عن طريق المزايدة. فهناك قعادة سنوية تُطرح في الأول من ذي الحجة من كل عام ولمدة سنة هجرية كاملة، فيما توجد قعادة أسبوعية تُطرح للاستفادة من المياه الفائضة أو من حصص أصحاب الملك الذين لا يرغبون في استخدامها خلال فترة معينة؛ حيث تتم القعادة الأسبوعية قبل بدء دورة الفلج، بأن تُطرح الحصص الفائضة في مزاد علني، وتكون الحصة المطروحة في حدود ربع بادّة تقريبًا، أي ما يقارب ثلاث ساعات؛ لكل محلة عريف.

لكل ماء موعد

ويشير الكندي إلى أن عملية السقي لا تتم بصورة منفردة، بل تُنظّم بالتنسيق مع عرفاء الفلج وعرفاء القرى، إذ يتولى عريف كل محلة ترتيب أوقات المياه ورسم مسار السقي قبل استلام الفلج من الأعلى إلى الأسفل؛ وفي المقابل تقع على صاحب الماء مسؤولية تهيئة القنوات التي توصل المياه إلى بستانه، وتنظيفها والتأكد من جاهزيتها لاستقبال حصته؛ وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص نظام الأفلاج، فالماء لا ينتقل من مصدره إلى المستفيد بصورة عشوائية، بل يمر عبر شبكة من القنوات والسواقي، وتحكم وصوله أعراف دقيقة يعرفها أصحاب العلاقة ويحفظون تفاصيلها.

عندما تقل المياه يتغير التقسيم

تتأثر طريقة تقسيم مياه فلج دارس بكمية المياه المتدفقة فيه؛ ففي الظروف الطبيعية، يمكن تقسيم مياه الفلج إلى أربعة أفلاج صغيرة، يُسمى كل منها «غيزًا»، وعند ارتفاع مستوى المياه يمكن أن يصل التقسيم إلى ستة أغياز؛ أما عندما تكون المياه فائضة عن الحاجة، فيمكن توجيه جزء منها إلى الوادي الأبيض، بما يسهم في خدمة الآبار والأفلاج الغيلية؛ لكن الصورة تختلف في سنوات الجفاف وقلة الأمطار، إذ ينخفض مستوى المياه ويضطر القائمون على الفلج إلى تقليل عدد الفروع إلى ثلاثة أو فرعين، وفي بعض الحالات قد يتم جمع المياه في فرع واحد؛ وفي مثل هذه الظروف يصبح تقسيم المياه أكثر صعوبة، لأن الكمية المتاحة لا تكفي لتغطية جميع المستفيدين في الدورة نفسها، ولذلك يتم اللجوء إلى تقسيم المستفيدين إلى مجموعتين؛ تسقي المجموعة الأولى في الدورة الأولى، فيما تنتظر المجموعة الثانية الدورة التالية، وقد تصل الفترة بين حصتي بعض المستفيدين إلى 18 يومًا.

ويؤكد الكندي أن هذه الآلية ليست جديدة، وإنما هي معالجة عرفية اعتاد عليها الأهالي منذ القدم، ويتعاملون معها وفق مستوى المياه المتاح.

شح المياه يرفع قيمة «القعادة»

وترتبط قيمة المياه في فلج دارس بمدى وفرتها أو ندرتها، وهو ما يظهر بوضوح في أسعار المزايدات على المياه الفائضة؛ ففي سنوات المحل والجدب، يمكن أن ترتفع قيمة القعادة الأسبوعية بصورة ملحوظة، بينما تنخفض في مواسم الخصب ووفرة المياه؛ وقد تصل قيمة الحصة التي تبلغ نحو ثلاث ساعات إلى مبالغ مرتفعة في سنوات الشح، بينما لا تتجاوز في أوقات الوفرة ريالين أو ثلاثة ريالات بحسب مستوى الطلب.

ويضيف الكندي: تختلف قيمة حصص الملك بحسب موقعها، إذ تحظى بعض الحصص في العلاية بقيمة أعلى نظرًا لإمكانية الاستفادة منها في سقي عدد من الضواحي والمناطق المجاورة؛ أما بيع أصول المياه نفسها فهو متاح ويخضع للعرض والطلب، لكنه محدود ونادر مقارنة بالإيجار والانتفاع بالحصة؛ وقد شهدت بعض الفترات ارتفاعًا في قيمة الأثر الواحد، إلا أن الأسعار تتفاوت بحسب موقع الحصة وحجمها ودرجة الاستفادة منها.

ومع تعقيد النظام ودقته، فإن سنوات الشح تفرض تحديات إضافية أمام القائمين على الفلج، خصوصًا مع الحاجة إلى المحافظة على حقوق أصحاب المياه ومنع التجاوزات، إذ يشير الكندي إلى أن بعض التجاوزات تظهر في فترات انخفاض المياه، ومنها محاولة الاستفادة من حصص الآخرين أو تجاوز الوقت المحدد للسقي، إضافة إلى العبث ببعض مخارج المياه المؤدية إلى المزارع، أو استخدام مضخات لسحب المياه من السواعد الرئيسية بصورة تؤثر في حقوق بقية المستفيدين؛ وتتطلب هذه الحالات متابعة مستمرة من الوكيل والعريف، إلى جانب تعاون أصحاب المياه والمستفيدين، حتى لا يؤدي أي تجاوز فردي إلى الإخلال بالتوازن الذي حافظ عليه نظام الفلج طوال عقود طويلة.

فلج يتجاوز وظيفته المائية

وتتجاوز أهمية فلج دارس دوره في توفير المياه للزراعة، فهو جزء من ذاكرة نزوى ومشهدها الاجتماعي والاقتصادي، وارتبطت به حياة الناس ومزارعهم وأوقافهم وأسواقهم؛ ويروي الفلج مساحات واسعة من واحات النخيل والمزارع، وتتنوع المحاصيل التي تعتمد على مياهه، من أشجار النخيل والحمضيات، كالليمون والسفرجل والنارنج، إلى المانجو والموز والتين، إضافة إلى قصب السكر وأنواع متعددة من الخضراوات؛ وهكذا حافظ فلج دارس على دوره بوصفه شريانًا مائيًا لواحة نزوى، وفي الوقت نفسه بقي نظام تقسيم مياهه شاهدًا على معرفة محلية متراكمة، استطاع العُمانيون من خلالها تحويل مورد مائي محدود إلى منظومة عادلة للانتفاع، تضبطها الساعة والعرف والمكان، وتحفظ لكل صاحب ماء حقه؛ كما أن في تفاصيل «البادّة» و«الأثر» و«الربيطة» و«القعادة» قصة أخرى من قصص الأفلاج العُمانية؛ قصة تؤكد أن إدارة الماء لم تكن في عُمان مجرد حاجة يومية، وإنما نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا متكاملًا توارثته الأجيال وحافظت عليه حتى اليوم.