تُعدّ استراتيجية سلطنة عُمان لتطوير قطاع التعدين جزءا أساسيا من رؤية «عُمان 2040» التي تستهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 1.4% في 2020 إلى 10% في عام 2040.
هذه الاستراتيجية لا تقتصر على استخراج الخامات التعدينية، بل أيضا تركز على بناء صناعة تعدين متكاملة تشمل الاستكشاف، والإنتاج، والتصنيع، وتعظيم القيمة المضافة محليا؛ وبالتالي فإنّ مشاركة سلطنة عُمان في محافل دولية مثل مؤتمر IMARC في سيدني -وهو أحد أكبر المؤتمرات والمعارض العالمية المتخصصة في قطاع التعدين والموارد الطبيعية-، والإعلان عن طرح 3 مناطق امتياز تعدينية جديدة يعكسان رغبة حقيقية لسلطنة عُمان في الانفتاح على الاستثمار الأجنبي.
تمتلك سلطنة عُمان فرصا كبيرة لتحقيق استراتيجيتها في تعزيز قطاع التعدين من خلال تميّزها بالاستقرار والأمان، وعلاقاتها الإيجابية مع الدول، وموقعها الجغرافي القريب من أسواق آسيا، وتنوّع الخامات التعدينية، والبنية الأساسية اللوجستية المتطورة من الموانئ والطرق؛ وبالتالي فإن سلطنة عُمان أمام فرص مستقبلية واعدة في ظل الطلب العالمي المتزايد على المعادن المرتبطة بالطاقة النظيفة والتحول الرقمي.
وبالتالي فإنّ الركائز الرئيسة لاستراتيجية سلطنة عُمان لتعزيز قطاع التعدين خلال السنوات الخمس الماضية، تمثّلت في تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي لقانون الثروة المعدنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (69/ 2026) الذي عزز الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص، وسهّل انتقال المشاريع من الاستكشاف إلى الإنتاج، وفرضت متطلبات فنية ومالية أعلى على المستثمرين إضافة إلى إطلاق منصة طاقة الرقمية لتبسيط إجراءات الاستثمار في قطاع الطاقة والمعادن وتشريعها، وإسناد وزارة الطاقة والمعادن نحو 28 منطقة امتياز؛ ثلاث منها في أكتوبر الماضي 2026 خلال مؤتمر IMARC في سيدني؛ حيث طُرحت ثلاث مناطق جديدة بمساحة إجمالية 2062 كيلومترا مربعا (مناطق 25-C و25-F و22-C)، تحتوي على مؤشرات لخامات المنغنيز والنيكل واللاتيريت والنحاس والكروميت والذهب والرخام والبازلت، وكذلك انتقال وزارة الطاقة والمعادن من النموذج الذي يعتمد على التراخيص الصغيرة والمحدودة إلى مناطق امتياز الكبرى، وهي تقريبا مشابهة لنموذج قطاع النفط والغاز.
هذه الميزة تجعل النهج المتبع في المسوحات الجيوفيزيائية والاقتصادية أكثر جدوى، ويجذب الشركات العالمية، ويشجعها على الاستثمار في سلطنة عُمان بمختلف المناطق الحرة.
ما يميّز سلطنة عُمان التي أصبحت إحدى الدول البارزة في تصدير الجبس عالميا هو التركيز على المعادن الاستراتيجية والقيمة المضافة مع وضع الأولوية والأهمية للمعادن الفلزية مثل النحاس والكروم والنيكل، والمعادن الصناعية مثل: الجبس والحجر الجيري، فأصبح الهدف ليس تصدير الخام وحسب، بل تطوير صناعات تحويلية (مثل الفيروكروم أو معالجة النحاس)، وربطها بالمناطق الصناعية في صحار والدقم وعبري.
كذلك تأسيس شركة تنمية معادن عُمان (MDO) الذراع الاستثماري لقطاع التعدين أسهم في تعزيز الشراكات والاستثمارات المحلية والدولية والتمكين المحلي؛ بهدف نقل الخبرات والتقنيات إلى سلطنة عُمان، والاستفادة من التدريب، وإيجاد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في سوق العمل العُماني.
لكن هناك في رأيي حاجة إلى تسريع الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة الإنتاج الفعلي؛ لتحويل المناطق الجيولوجية إلى أماكن استثمارية واعدة قادرة على توطين الصناعات.
أيضا من المهم ضمان الاستدامة البيئية والتوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد خلال تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتعزيز قطاع التعدين في المواقع التعدينية، وبناء قدرات محلية كافية في التقنيات المتقدمة وسلاسل التوريد إضافة إلى الاستعداد الجيد للمنافسة الإقليمية في جذب رؤوس الأموال في قطاع التعدين عبر تقديم مزيدٍ من الحوافز والممكنات الداعمة لتنمية القطاع وتسهيل الإجراءات على المستثمرين الأجانب، وتهيئة البنى الأساسية للقطاع من خلال دراسة واقع القطاع حاليا والفرص التي يمتلكها، وإزالة المعوقات والتحديات التي تواجهه كمنظومة.
إنّ استراتيجية سلطنة عُمان في التعدين استراتيجية تعدُّ طموحة ومدروسة تجمع بين الانفتاح على الاستثمار العالمي والحفاظ على المكتسبات الوطنية من خلال تعظيم القيمة المضافة والمحتوى المحلي.
وبالتالي فإنّ طرح المناطق الثلاث بسيدني في أستراليا يعدُّ حدثا مهما، وحلقة في سلسلة متواصلة من الإصلاحات والتعديلات التشريعية على مستوى القوانين الداعمة لبيئة الاستثمار والفرص الاستثمارية.
وأرى أنّ النجاح الحقيقي سيقاس ليس بعدد المناطق المطروحة للاستثمار، بل بعدد المشاريع التي تدخل مرحلة الإنتاج، وحجم القيمة المضافة التي تُحقَّق داخل سلطنة عُمان، ومدى مساهمتها الفعلية في تنويع الاقتصاد، وإيجاد فرص عمل مستدامة للكفاءات العُمانية، والباحثين عن عمل بشكل عام.