يحمل الشاعر همه الذاتي، يعبّر عما يختلج في نفسه، ويبث روحه المتعبة في نصوصه، يكتب عن كل شيء يمر به، ويحرّك أحاسيسه؛ فهو يكتب عن الوطن، وعن العشق، وعن الطبيعة، وعن المجتمع، وعن الأمة، وعن كل ما يهز وجدانه، ويؤرق ضميره.
فالشاعر كائن مرهف الحس، متقلّب الشعور، يعيش الواقع، ويشارك الآخرين همومهم وقضاياهم، ولا يستطيع أن ينعزل عن غيره، فهو فرد ضمن جماعة، وروح ضمن أجساد كثيرة؛ لذلك يأتي بما يجول في خاطره، ويبعث في نفسه الطمأنينة، وينفّس عن صدره المثقل بالعواطف.
فهناك شعراء عُرفوا بألقاب اجتزئت من موضوعات شعرهم؛ حيث يغلب عليها طابع معين، كشاعر الرسول حسّان بن ثابت، وشاعر الأمة محمد إقبال، كما برز شعراء كثر تناولوا قضاياهم الذاتية كشعراء الحب العذري (قيس بن الملوح، وكثيّر عزة..)، وشعراء الطبيعة (كأبي خفاجة الأندلسي، وابن سهل الأندلسي...)، وشعراء المهجر (كإيليا أبو ماضي، وجبران خليل جبران...)، وشعراء الحماسة (كعنترة، وأبي فراس الحمداني...)، وشعراء الهجاء (كجرير والفرزدق...)، وشعراء القضية الفلسطينية (كمحمود درويش، وسميح القاسم...)، وغيرها من أغراض شعرية، وموضوعات، ارتبطت بنتاجات الشعراء، فاشتهروا بها.
غير أن البعض من شعراء العصر الحديث ـ خاصة ـ لا يميلون إلى هذه التصنيفات، ويعتبرون الشعر مجرد تعبير خاص عن الذات الفردية، ولا علاقة له بأي قضية؛ ولذلك يأتي الشعر عفويا، ليعبّر عن انفعال لحظي، وصوت مكبوت في الداخل، ينتهي بانتهاء لحظة (التنفيس)، ورفعت هذه الفئة عبارة (أنا أكتب لذاتي) بمعنى أنه تعبير شخصي عن قضية شخصية، لا علاقة لها بالجمهور، وبذلك طرح النقاد والشعراء سؤالهم الكبير: لمن أكتب؟ حيث انقسمت الإجابات إلى وجهات نظر مختلفة، منهم من قال: إنني أكتب لنفسي، ومنهم من قال: إنني أكتب للآخرين، ومنهم من قال: إنني أكتب عن ذاتي، ولكن أسقطها على الآخرين، ومنهم من قال: إنني أعبّر عن الذات الجمعية، ولكن من خلال ذاتي الفردية.
ورغم كل هذه الاختلافات، وأيّا كانت الإجابات يبقى الشعر قضية الشاعر، يطرحه كيف يشاء، ولمن يشاء، ودون قيود تحد من حريته، أو تكبّل خياله، وللمتلقي أن يُفسّر ما يكتبه الشاعر كلٌ حسب فهمه، ورؤيته، ويبقى الشعر أداة للمتعة النفسية، والجمال، بأي لغة كُتب، ولأي غرض كُتب لأجله.