تختفي مفردات كثيرة من الاستعمال اليومي، سواء في الخطاب العام أو في السرديات الشعبية، بعد أن كان لها حضور واسع في الأدب والغناء والذاكرة الاجتماعية.

فلم يعد الطائر رسولًا بين المحبين، ولا صار العاشق ينتظر ساعي البريد حاملًا الرسائل والخطابات، إذ حلّت وسائل التواصل الحديثة محل كثير من الوسائط التقليدية، فقرّبت المسافات وغيّرت أشكال الانتظار واللقاء.

من بين الوسائط التي خفّ حضورها الرمزي في حياتنا اليومية سائق المركبة، الذي كان حضوره في الأغنية العربية أكثر من مجرد شخص يقود سيارة؛ فقد كان وسيطًا بين المحبين، وحاملًا للأمل، وشاهدًا على الشوق والرحيل واللقاء.

تعددت أسماء السائق في الأغاني العربية بحسب البيئة واللهجة. فهو «السواق» في الاستعمال العام، و«الدريول» في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، وهي لفظة مأخوذة من الإنجليزية (Driver). وفي بلدان المغرب العربي يظهر اسم «الشيفور» أو «الشوفير»، المأخوذ من الكلمة الفرنسية (Chauffeur).

أما في مصر فيشيع لقب «الأسطى»، وهي كلمة ذات أصل تركي تعني صاحب الحرفة أو الماهر في صنعته. وحسب الذكاء الاصطناعي، «يُرجح أصل الكلمة إلى الفارسية (أُستاد) بمعنى المعلّم أو صاحب الصنعة».

يعكس هذا التنوع في التسمية تأثر المنطقة العربية بالثقافات التي هيمنت عليها، إضافة إلى توثيق مظاهر الحداثة في البلدان العربية كدخول الآلة الحديثة والسيارة إلى الثقافة الشعبية والحياة العامة.

في الأغنية اليمنية يأتي «الدريول» بوصفه الشخص القادر على إيصال العاشق إلى محبوبه أو إلى المكان المُراد وصوله. ففي أغنية كتب كلماتها الشاعر اليمني أحمد رحيم بومهدي نسمع:

شلّني يا دريول تجمّل

حطّني في سفال الصفيّة

بس قصدي أبا شوف واحد

دوب وياه على حسن نيّة

في هذا المقطع الغنائي تتبدل وظيفة السائق من مجرد قائد مركبة إلى مساعد في تحقيق رغبة المحب في اللقاء ورؤية الحبيب.

وتتكرر الصورة مرة أخرى في التراث اليمني أيضًا، في الأغنية التي تقول كلماتها:

شلني يا دريول لك معي جود وإحسان

حطني في عدن وإلا في الشيخ عثمان

هنا يأتي الرجاء إلى السائق لتوصيل المحب إلى مكان المحبوب في مدينة عدن وحي الشيخ عثمان.

أما في تونس، فيحضر «الشيفور» في الأغنية الشعبية:

يا عمي الشيفور امشي دبه دبه

أنا قلبي مقهور من فرقة اللي نحبه

تؤدى هذه الأغنية في الأعراس، وخاصة في القرى والمناطق النائية، وتُغنى على لسان العروس التي ستفارق أهلها، وتنتقل إلى بيئة أخرى مختلفة وبعيدة عن ذاكرتها ومدينتها، فتطلب من السائق التمهل ومراعاة حالتها النفسية بعد فراق الأهل.

أما في مصر، فيحضر «الأسطى» في الأغاني الشعبية المغناة في الحفلات الفنية، أو في الأعمال السينمائية، كأغنية هدى سلطان «سوق يا أسطى على مهلك بينا»، وكذلك في أغنية «سوق بينا يا أسطى على الكورنيش» التي غنتها المطربة الشعبية روح الفؤاد. وقد اشتهر هذا المقطع أكثر من الفنانة نفسها.

في الأغنية العُمانية يأتي السائق في أغنية «لاندروفر خضر»، للشاعر محمد بن سلطان المقيمي، الذي يثني على السائق وهو ينقله إلى المكان المراد بلوغه.

السايق تسلم يمينــــــه

شيّك(ن) جيل المكينة

قبل لا أدش المدينـــة

الدرب واقف نديمــه

سيخبو دور السائق في المستقبل من الحياة الثقافية والاجتماعية، بعد أداء وظيفته في قيادة المركبة، وفتح أبواب التواصل ونقل المشاعر والأشواق وتقريب المسافات بين المحبين، لكن حضوره المعنوي في الأغنية سيبقى شاهدًا على التغيير الثقافي والاجتماعي في المجتمعات العربية، سواء حمل اسم «دريول» أو «شيفور» أو «أسطى».