في العاشر من أكتوبر 2025 دخل وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ، وبعد عام، تقول السلطات الصحية في القطاع إن ألفا وخمسمائة فلسطيني على الأقل قُتلوا في ظل هذه الهدنة، فيما يسيطر جيش الاحتلال الإسرائيلي على أكثر من ستين في المائة من مساحته. وفي السودان، حيث لا هدنة أصلا، يقدّر العاملون في الإغاثة عدد القتلى منذ أبريل 2023 بأكثر من مائتي ألف شخص، وتعيش البلاد أكبر أزمتي جوع ونزوح في العالم. وفي أوكرانيا ارتفع عدد الضحايا المدنيين، بين قتيل وجريح، في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام بنسبة 55% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبين هذا كله حرب اندلعت حول إيران هذا العام وبلغت صواريخها ومسيّراتها مدن الخليج، المنطقة التي ظلت عقودا من أكثر مناطق العالم وعدا بالاستقرار والنمو.

افتتحت الأمم المتحدة ميثاقها عام 1945 بعبارة تستحق أن تُقرأ اليوم على مهل: «نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب». والإنصاف يقتضي القول إن هذا الوعد لم يُحفظ يوما على نحو كامل، فقد جاءت بعده كوريا والجزائر وفيتنام، وثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية استُخدم فيها السلاح الكيميائي والعالم يعلم، ثم رواندا وسربرنيتسا ودارفور. ومن يكتب عن الحاضر كأنه انحدار من زمن كان العالم فيه يوقف المجازر، يكتب عن زمن لم يوجد.

لكن في المشهد الراهن ما يختلف عن تلك الحروب في ثلاثة أمور على الأقل، أولها أن عبارة «لم نكن نعلم»، التي احتمى بها كثيرون بعد الحرب العالمية الثانية وبعد رواندا، لم تعد متاحة لأحد، فما جرى في غزة، وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في سبتمبر 2025 إلى أنه إبادة جماعية، وثّقه ضحاياه بأنفسهم يوما بيوم، ووصل إلى كل هاتف في العالم. الأجيال القادمة لن تحتاج إلى مؤرخ يخبرها بما حدث، فالأرشيف كامل، وهو بين أيدينا جميعا.

والأمر الثاني أن الحروب صارت تتوقف ولا تنتهي. في وسع الوسطاء أن يصلوا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ولا يملك أحد أن يضمن توقف القتل بعده. تتحول الحرب إلى حال لا هي حرب ولا سلم، يستمر فيها الموت بوتيرة أبطأ، ويخرج من نشرات الأخبار، ويُسجَل في خانة الأزمات المُدارة.

أما الأمر الثالث فهو أخطرها على الإطلاق. كانت الدول في العقود الماضية تخرق القانون الدولي ثم تنكر، أو تبحث لنفسها عن مسوّغ قانوني مهما كان واهيا، وفي ذلك الإنكار اعتراف ضمني بأن القاعدة قائمة وبأن لخرقها ثمنا. كتب الفرنسي لاروشفوكو قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف أن النفاق تحية تؤديها الرذيلة للفضيلة. اليوم يُطرح التهجير والتجويع وضمّ الأراضي علنا على أنها خيارات سياسية، وتُفعَّل العقوبات والمحاكم في نزاع وتُعطل في آخر. وحين يسقط النفاق على هذا النحو، يكون العالم قد قرر أن القاعدة لم تعد تستحق حتى المجاملة.

وفي اللغة العربية كلمة تصف هذه الحال بدقة، فقد ذهب المستشرق المجري إغناتس غولدتسيهر في أواخر القرن التاسع عشر إلى أن «الجهل» في كلام العرب قبل الإسلام كان يُقابَل بالحِلم قبل أن يُقابَل بالعلم، وأنه كان يعني الطيش والاندفاع والبطش الذي لا يردّه رادع، ومن هذا المعنى، في رأيه، أخذ ذلك العصر اسمه. وفي ذلك المعنى قال عمرو بن كلثوم في معلقته:

ألا لا يجهلنْ أحد علينا فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا

العالم اليوم يعرف عن حروبه ما لم يعرفه جيل قبله، ويفتقد في الوقت ذاته الحِلم الذي يكبح القوة. هذا هو الجهل بمعناه الأول، وهو أخطر من الجهل بمعناه الشائع، لأن صاحبه يرى ويفهم ثم يمضي.

ولهذا الغياب أسباب يمكن تتبعها حيث نجد أن مجلس الأمن يتعطل باستخدام الفيتو كلما مسّ القرار إحدى القوى الكبرى أو حليفا لها، أيًّا كانت هذه القوة. والديمقراطيات التي كتبت قواعد ما بعد 1945 انشغلت بهشاشتها وتحدياتها الداخلية. أما سوق الحرب فقد بات يتغذى على الذهب والسلاح والمقاتلين المأجورين ويجد دائما من يموّله. والنتيجة أن الثمن يدفعه من لم يختر الحرب من المدنيين ومن دول الجوار التي تجد نفسها في مرمى نيران لم تشعلها، كما عرف الخليج هذا العام.

وللعالم سجل طويل في الاعتذار المتأخر. ذهب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى كيغالي عام 1998 ليقرّ بأن المجتمع الدولي لم يتحرك بالسرعة الواجبة حين كانت الإبادة تجري في رواندا، واستقالت الحكومة الهولندية عام 2002 بعد تقرير رسمي عن إخفاق قواتها في حماية سربرنيتسا. والأرجح أن اعتذارات مماثلة ستُكتب عن غزة والسودان بعد عشرين عاما أو ثلاثين، يقرؤها جيل لم يكن قد وُلد حين وقعت المجازر.

وطريق العالم إلى استعادة حِلمه يمرّ بشرطين معروفين: أن تُطبَّق القواعد القائمة على الجميع بالقدر نفسه، وأن تكفّ القوى الكبرى عن اعتبار كلفة الحرب شأنا يخص غيرها. والأجيال التي وعدها الميثاق بالنجاة من ويلات الحرب ترى الآن كل شيء، وستحكم بما رأت.