تابعتُ البيان الصادر عن الاجتماع التاسع والعشرين لوزراء الإعلام بدول مجلس التعاون الخليجي، يوم الأربعاء الماضي، والذي أكد ضرورة التصدي لكلّ ما من شأنه الإساءة إلى الدول الخليجية وشعوبها ورموزها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأكثر ما شدّني في البيان هو الفكرة نفسها؛ لأننا خلال الأشهر الماضية رأينا كيف تحوّلت بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة للإساءة والتحريض وتأليب الشعوب بعضها على بعض.
ولا أظنّ أنّ شخصين يختلفان على أهمية هذه الفكرة؛ فمن حق أيِّ دولة أن تحمي سمعتها، ومن حقِّ أيِّ شعب أن يكون بعيدا عن الإساءة والتجريح؛ لكن ما أتمناه هو ألا تبقى هذه الدعوة محصورة في البيانات الرسمية، بل أن تتحوّل إلى التزام عملي من الجميع، فمن غير المعقول أن يُطلب من العُماني أن يضبط خطابه ويتجنّب الإساءة، بينما تستمر بعض الحسابات والمنصات خارج عُمان في مهاجمة سلطنة عمان والتشكيك في مواقفها والإساءة إلى شعبها دون أن نسمع الموقف الحازم نفسه.
وحقيقة إنّ معظم ما رأيناه من الهجوم في الفترة الأخيرة لم يبدأ من عُمان أصلا؛ فالإساءات جاءت من الخارج، واستهدفت عُمان بصورة مباشرة، وبعضها تجاوز النقد إلى السخرية والتجريح والتحريض، أما ما صدر من كثير من العُمانيين فقد كان -في جانب كبير منه- ردة فعل على تلك الهجمة، سواء اتفقنا مع تلك الردود أم اختلفنا معها.
ولهذا لفت انتباهي ما كُتب بعد بيان النيابة العامة الذي دعا إلى الابتعاد عن كلِّ ما من شأنه الإساءة إلى الدول أو رموزها أو شعوبها أو المساس بالعلاقات التي ترتبط بها سلطنة عُمان، فقد كتب أحد المغرّدين العُمانيين: «إنْ سكتْنا تعبْنا، وإن ردَدْنا نخشى العقوبة». وبعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه العبارة، فإنها تعكس شعورا موجودا لدى بعض الناس. وفي كلّ الأحوال فإنّ بيان النيابة لم يمنع الدفاع عن الوطن، لكنه دعوة إلى أن يكون الدفاع عن عُمان ضمن إطار القانون والأخلاق، لا أن يتحول إلى إساءات مضادة أو مهاترات لا تنتهي.
ومع ذلك، لا أخفي أنني خلال متابعتي للنقاشات الأخيرة وجدتُ نفسي أحيانا منزعجا من بعض الردود العُمانية أكثر من انزعاجي من الإساءة الأصلية؛ لأنّ بعض ردود الفعل منحت المسيئين ما يريدونه بالضبط.
فهناك حسابات محدودة التأثير ما كان أحدٌ سيلتفت إليها لولا أنّ البعض اندفعوا إلى الرد عليها، حتى تحولت تغريدة مغمورة إلى قضية يتداولها الكثيرون.
والأهم من ذلك أنّ بعض المتحمسين للدفاع عن عُمان وقعوا في خطأ آخر، حين انتقلوا من الدفاع عن الوطن إلى مهاجمة الآخرين أو استخدام عبارات لا تشبه أخلاق العُمانيين؛ فالدفاع عن الوطن حق بل إنه واجب، لكن ليس كلّ رد دفاعا، إذ تسببت بعض الردود إلى الإساءة إلينا.
في المقابل، رأينا نماذج عُمانية مشرّفة ردّت بالحجة والمعلومة والهدوء، وقدّمت صورة تليق بعُمان وأهلها، وهؤلاء في تقديري أكثر خدمة لوطنهم من أصحاب الأصوات المرتفعة؛ لأنهم يكسبون احترام المتابع ويُفحمون المسيء في الوقت نفسه.
والحقيقة أنّ هناك أمرا يحتاج إلى وقفة، فليس مطلوبا من كلِّ عُماني أن يشارك في كلّ معركة إلكترونية تمرّ أمامه، وليس من الواجب الوطني أن نردّ على كلّ حساب مجهول أو أن ندخُل في كلِّ جدال يومي، بل إنني على المستوى الشخصي أتمنى صراحة أن يمتنع كثير من المغرّدين العُمانيين عن الانجرار إلى هذه المهاترات من الأساس؛ لأنّ بعض الحسابات لا تريد معرفة الحقيقة، وكلّ ما تريده هو إحداث الضجيج فقط.
والمفارقة أنّه في الوقت الذي تزداد فيه الهجمة الشرسة على عُمان، انتشر كثيرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي خطابُ الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا أمام جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في قلعة وندسور عندما استشهد بقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في أهل عُمان: «لو أنّ أهل عُمان أتيتَ ما سبّوك ولا ضربوك».
ومعنى الحديث يستحق التأمل؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- امتدح أخلاق أهل عُمان، ويدخل ضمن تلك الأخلاق، ضبط النفس وحسن التعامل؛ ولذلك يبقى السؤال مطروحا: هل تعكس بعض تعليقاتنا هذه الصورة التي نفخر بها؟
ومن الأمور العجيبة التي لا أعرف لها سببا، أن نرى بعض المغرّدين العُمانيين ينبرون للدفاع عن دول أخرى، بحق وباطل، حتى عندما تتضمن بعض التغريدات إساءاتٍ صريحة إلى عُمان. والمفارقة أنهم يكرّرون عباراتٍ مستهلكة فقدَت أثرها من كثرة الترديد، بينما يتجاهلون تلك الإساءات أو يمرّون عليها بصمتٍ لافت.
إنّ بيان وزراء الإعلام الخليجيين لمنع الإساءة، خطوةٌ في الاتجاه الصحيح، لكن نجاحه مرتبط بأمر واحد، أن يُطبّق على الجميع. فمن يطالب العُماني بعدم الإساءة، عليه أيضا أن يقف ضد من يسيء إلى عُمان. ومن يدعو إلى خطاب مسؤول، عليه أن يُدين الإساءة أيّا كان مصدرها. أما الاكتفاء بمطالبة طرف واحد بضبط النفس، مع تجاهل الطرف الذي بدأ بالإساءة، فلن يوقف المشكلة بل سيزيدها تعقيدا.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.