يقول لي أحد الأصدقاء وهو مستشار ذو خبرة كبيرة وعميقة في مجال التغيير والتطوير التنظيمي إنه قد أوكلت إليه من قبل مجلس إدارة إحدى الشركات مسؤولية وضع خطة لتطوير إدارة الموارد البشرية بتلك الشركة، وعندما بدأت المهمة اتضح له الآتي:
رغم تعاقب العديد من المديرين الذين أوكلت لهم مهام إدارة الموارد البشرية بالمؤسسة، إلا أن مسارات التغيير والتطوير ظلت خجولة رغم اجتهاد الكثيرين وحماسهم، ويبدو للوهلة الأولى أن إدارات وأقسام هذه الإدارة لا تعمل إلا على مستوى تشغيلي واحد يتركز حول العمل اليومي ذي الطابع المركزي.
وقد أدى هذا الاشتغال إلى فقدان هذه الإدارة لمحور رئيسي مهم لأية تنظيم إداري يعنى بجوانب الموارد البشرية الاستراتيجية، ويتمثل ذلك في غياب الفكر التخطيطي والتطويري. وببساطة يمكن تشخيص أهم المشكلات التنظيمية في دور هذه الإدارة من خلال النظر إلى زاويتين تعكسان طبيعة التركيز والنضج الاستراتيجي، وهما:
أولا: إلى أي مدى تلقى ممارسات الموارد البشرية قبولا بين بقية مدريري القطاعات في تلك الشركة من جهة، والعاملين من جهة أخرى، هل تعي الموارد البشرية دورها من خلال ارتباطها بتحقيق أهداف المؤسسة، ومساعدة بقية الإدارات على تحقيق أهدافها، والتكامل في ممارساتها بدء من التوظيف وانتهاء بالتقاعد، والعمل من خلال خطط واستراتيجيات توازن بين العمل اليومي والمستقبلي، والعمل من خلال عناصر ومؤشرات تساعد المؤسسة على إدراك وفهم اثر الممارسات الإدارية للموارد البشرية على الموظفين والتعامل مع إفرازاتها على سبيل المثال ارتفاع نسبة المستقيلين/التذمر من التأخير في الترقيات/التذمر من التنقلات/التذمر من سياسات التدريب. وهل يتم تقييم الممارسات والأنشطة وفق معايير عملية وعلمية؟ وهل هناك تسويق لفكر الموارد البشرية؟
ثانيا: هل يوجد في إدارة الموارد البشرية كادر يعي الدور الاستراتيجي ولديه الكفاءة الإدارية (التخصصية) لمراجعة وتطوير النظم وممارسة الفكر التخطيطي؟ هل يعي العاملون في الإدارة لأدوارهم وأثرها على المؤسسة بعيدا عن العمل اليومي وتطبيق اللوائح؟ ورغم أن الفترات المنصرمة شهدت بعض المحاولات لتغيير هوية وفكر إدارة الموارد البشرية بالمؤسسة، مما كان يبشر بأن الخبرات التي تم اكتسابها في مجالات التطوير سيتم الاستفادة منها، وتبنيها لتعديل المنهج والممارسة، إلا أنه من المؤسف أن تلك الجهود والأفكار لم تلق الدعم والقبول، واستعيض عنها باجتهادات لم تخدم تلك المؤسسة والعاملين بها، وأدت إلى نتائج عكسية على مستوى المعنويات والأداء والولاء الوظيفي.
واختصارا لما سبق ذكره قدم المستشار تقريره الختامي لمجلس الإدارة طارحا مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات صريحة وواضحة يمكن من خلالها وضع خطة للانتقال من الدور الروتيني إلى الدور الاستراتيجي في منهجية العمل، منها:
هل هناك أدلة على كفاءة ونجاح المنظومة الحالية في التعامل مع التحديات المختلفة التي تواجهها للمؤسسة؟ وهل ساهمت الموارد البشرية في إعطاء المديرين صلاحيات واضحة ومحددة في إدارة مواردهم البشرية، أم اقتصر دورها على ممارسة مركزية بحتة تركز على العمل اليومي والتعامل مع المواضيع من منظور رد الفعل؟ وهل ابتعدت هذه الإدارة عن الاجتهاد في إيجاد تنظيم وآليات عمل لممارسات الموارد البشرية ذات التأثير المباشر على معنويات العاملين من خلال دراسة المواضيع والممارسات وتطويرها استنادا إلى أساليب منهجية وعلمية؟ وهل تمت دراسة ما حدث من اجتهاد في نظم الموارد البشرية وخاصة تقييم الأداء والترقيات والتطوير الوظيفي وإدارة الإحلال وإدارة المواهب والذي أوجد تذمرا ونفورا بين الموظفين من جهة، ومديري القطاعات والموارد البشرية من جهة أخرى؟
وهل حُسّن مستوى الاتصال والتنسيق مع المديرين (دون الاعتماد على المراسلات فقط)؟ وهل بنيت علاقة شراكة حقيقة مع المديرين لإيجاد أسلوب امثل للتعامل مع القضايا والمواضيع ذات العلاقة بإدارة المواضيع المتعلقة بمواردهم البشرية (دون أن يسعى مديرو القطاعات المختلفة لمخاطبة المستويات العليا للتدخل في هذه المواضيع لقناعتهم بعدم مرونة الموارد البشرية)؟
وهل يقاس أثر وتأثير القرارات على الإدارات المختلفة والعاملين؟ وهل يوجد تخطيط (للتوظيف/التدريب/الترقيات/الإحلال/ التنقلات...إلخ؟ وهل يوجد ارتباط بين أنشطة الموارد البشرية؟ (على سبيل المثال هل هناك ارتبط بين الترقيات والتدريب؟).
وهل توجد مسارات تربط الوظائف بالتدريب؟ وهل هناك مسارات وظيفية نستطيع أن نحدد من خلالها الحركة والتقدم الوظيفي للعاملون ( أين ومتى وكيف)؟ وهل يوجد نظام لتقييم وقياس الأداء يساعد على إعطاء صورة صحيحة وواقعية عن إمكانيات وقدرات العاملين، ويمكن من خلاله بناء منظومة الترقيات؟ وهل توجد منظومة ترقيات تأخذ بالاعتبار الكفاءة كشرط أساسي؟ وهل توجد منظومة ترقيات تفرق بين ترقيات الكوادر التخصصية والكوادر الأخرى؟ (وهل تبنى مسارات الترقية لتقيس الكفاءة التخصصية أم لتحفيزها للبقاء في العمل بالمؤسسة)؟
وهل استطاعت الموارد البشرية أن تتبنى مبادرات لتغيير هيكلة الأجور بالمؤسسة (الأجر مقابل الأداء مثلا)، ودون أن يؤدي ذلك إلى أعباء إضافية على موازنات المؤسسة؟ وهل نظام التوظيف الحالي يقيس الكفاءة ويستقطب أفضل العناصر في سوق العمل؟ وهل نظام التقاعد الحالي يساعد في التوازن بين الاحتفاظ بأصحاب القدرات والكفاءة وبين الإسراع بتقاعد أصحاب القدرات والمستويات الضعيفة الذين يعيقون التقدم الوظيفي للآخرين؟
وختاما فإن ما طرح من أسئلة يلامس التحديات الواقعية التي تواجهها إدارات الموارد البشرية في مختلف المؤسسات وفي مختلف دول العالم على اختلاف قطاعاتها وتخصصاتها، والتعامل معها يحتاج إلى قناعة من المستويات العليا في المؤسسة حول جدوى التغيير والتطوير قبل البدء بالتفكير في إيجاد خطة عمل لإيجاد النظم الواردة أعلاه؛ مع ضرورة التركيز على أن هذه النظم تؤسس لتطوير المؤسسة ككل، وجعلها قادرة على أن تعمل بمنظومة ذات شقين (التنفيذية الحالية والاستراتيجية المستقبلية)، وبالتالي التركيز في المراحل المقبلة على مشاريع جوهرية في التطوير يمكن من خلالها المضي قدما في مسارات مترابطة ومتفق عليها بين جميع الأطراف (مجلس الإدارة والمستويات القيادية العليا للمؤسسة وإدارة الموارد البشرية ومديري القطاعات المختلفة).
إن تركيز المؤسسات على الدور الاستراتيجي للموارد البشرية أصبح ضرورة حتمية؛ لتتمكن من مواءمة إستراتيجيتها وأهدافها مع استراتيجية الإدارات التنظيمية للموارد البشرية وبقية قطاعات الأعمال لتحسين الأداء والإنتاجية وتحقيق الميزة التنافسية المطلوبة.
د. خالد الحمداني كاتب عماني