من الواضح أن مسألة العجز الضخم والمتنامي في الميزانيات وارتفاع نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة تقض مضاجع الأسواق. فمع ارتفاع أسعار الفائدة على الديون الحكومية من مستويات قريبة من الصفر (بل حتى سلبية في بعض الحالات) إلى مستويات أعلى كثيرا، أثار ارتفاع عائدات السندات القصيرة والطويلة الأجل الشكوك حول استدامة بعض الديون العامة، ودفع كثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت أزمة توشك أن تندلع.

لا توجد إجابة بسيطة على هذا السؤال. في بعض الحالات تمتلك الدولة مخزونات ضخمة من الأصول المالية ــ مثل الاحتياطيات الأجنبية التي يحتفظ بها البنك المركزي، أو الأصول التي تحتفظ بها صناديق الثروة السيادية أو غيرها من الصناديق العامة ــ، وهذا يجعل صافي الدين أقل من الدين الإجمالي.

ولكن في كثير من المجتمعات التي تَـغلُب عليها الشيخوخة السكانية أصبحت الالتزامات الضمنية التي تتحملها صناديق التقاعد وأنظمة الرعاية الصحية غير الممولة بالفعل أضخم من دين الدولة العام الرسمي، وهذا يعني أن الوضع أسوأ مما يبدو عليه.

يتمثل اعتبار ثانٍ بالغ الأهمية في النمو الاقتصادي. إذا كان متوسط العائد على الدين العام أقل من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وإذا لم تكن الموازنة الأولية (بعد خصم مدفوعات الفائدة) سلبية للغاية فإن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ستنخفض بمرور الوقت. وبالتالي يتكفل النمو بحل معظم مشكلات الديون. وسوف تسلك الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات القادرة على تعزيز نموها المحتمل بفضل التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المرتبطة به مسارا أكثر استدامة مقارنة بتلك الاقتصادات، مثل منطقة اليورو؛ حيث من المرجح أن يظل النمو أبطأ.

ولكن من ناحية أخرى يؤدي النمو الأعلى عادة إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، وهذا قد يجعل ديناميكيات الديون أقل استدامة. وإذا تسبب الذكاء الاصطناعي في إحداث بطالة تكنولوجية دائمة بين شرائح ضخمة من قوة العمل فسوف تعمل الحاجة إلى شبكة أمان أعرض كثيرا (أو حتى دخل أساسي شامل) على خلق تحديات مالية إضافية وتحديات متعلقة بالديون ما لم تُـمَـوَّل بالاستعانة بإيرادات ضريبية أعلى.

وثمة اعتبار ثالث يتمثل في حقيقة مفادها أن إصدار عملة احتياطية عالمية، أو الاقتراض بالعملة المحلية يشكل عاملا مساعدا. فوضع الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية يدعم الطلب العالمي المستمر على سندات الخزانة على النحو الذي يسمح للولايات المتحدة بالاقتراض لفترات أطول وبتكاليف أقل، لكن هذا الامتياز قد يتحول في نهاية المطاف إلى مشكلة إذا أفضى الافتقار إلى انضباط السوق إلى عجز وديون غير مستدامة.

تندرج معظم الدول الأخرى تحت فئة مختلفة؛ إذ تميل الاقتصادات الناشئة والنامية إلى الاقتراض بعملة أجنبية، الأمر الذي يجعلها بلا خيار يسمح لها بالقضاء على قيمة الديون السيادية الحقيقية عن طريق تضخم غير متوقع. على النقيض من ذلك؛ تقترض الدول الأعضاء في منطقة اليورو من الناحية الفنية بعملتها الخاصة ــ اليورو ــ، لكنها تعتمد جميعها على البنك المركزي المستقل ذاته. وعلى هذا يصبح من غير الممكن إنقاذها ما لم يرَ البنك المركزي الأوروبي أن من المناسب التدخل لإنقاذها ــ أو يُجبر على ذلك.

يتمثل اعتبار رابع في انضباط السوق الذي يفرضه ما يُـسمّى حُـرّاس السندات؛ فقد يتسبب ارتفاع عوائد السندات أو فوارق الفائدة بين الدول في إجبار السلطات المالية على خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب قبل اندلاع أزمة. في بعض الحالات تتفادى السوق أزمة أعمق، كما حدث أثناء فترة ولاية رئيسة وزراء المملكة المتحدة ليز تروس التي كانت قصيرة تاريخيا. ولكن في حالات أخرى ــ وبالتحديد في اليونان ــ يتطلب الأمر أزمة ديون رسمية لإجبارها على اتباع النوع اللازم من سياسات التقشف المالي، وإعادة هيكلة الديون أو خفضها.

السؤال البارز الآن هو ما إذا كان انضباط السوق في الوقت الحالي ليدفع الفائز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل إلى اتباع سياسة التقشف قبل اندلاع أزمة ديون. حتى زعيمة اليمين المتطرف الشعبوي مارين لوبان قدمت خطة للتعافي المالي (وإن كانت هذه الخطة تعتمد على بعض الحيل والخدع). والولايات المتحدة ذاتها فضلا عن ذلك ليست في مأمن؛ فقد أصبح انضباط سوق السندات عاملا رئيسيا العام الماضي في أعقاب الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في «يوم التحرير»، ومرة أخرى هذا العام عقب اندلاع الحرب مع إيران. في كل من الحالتين تسبب ارتفاع عوائد السندات وتصحيحات أصول أخرى في إجبار ترامب على التراجع.

من المهم أيضا لمسألة استدامة الديون ما إذا كنا نعيش في عالم تهيمن عليه السياسة المالية أو السياسة النقدية؛ فعندما تكون حالات العجز والديون غير مستدامة من الممكن أن يعمل البنك المركزي الجدير بالمصداقية والحريص على ضمان استقرار التضخم على استحثاث السلطات المالية على إجراء التعديلات اللازمة. ولكن إذا وجد صُـنّاع السياسة النقدية أنفسهم يكتفون بالتفاعل مع قرارات السلطات المالية فقد تنتهي الحال بالبنك المركزي الضعيف إلى تسييل العجز («طباعة النقود» لشراء الديون الحكومية)، والقضاء على الديون الاسمية الطويلة الأجل عن طريق تضخم غير متوقع.

لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس طوال الوقت؛ فمع استحقاق الديون العامة سوف ترتفع أسعار الفائدة القصيرة والطويلة الأجل لتعكس التضخم الفعلي والمتوقع الأعلى. تنتهي الحال بالدول المنحرفة ماليا دائما إلى تضخم طويل الأجل أعلى، وتظل نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لديها مرتفعة ــ وهو توازن رديء.

في غياب ضبط الأوضاع المالية ــ أي خفض الإنفاق و/أو زيادة الضرائب ــ من الممكن أن تعمل أشكال مختلفة من الضرائب على رأس المال على جعل الديون أكثر استدامة.

بالإضافة إلى «ضريبة التضخم» المذكورة أعلاه هناك ضرائب على الثروة أو رسوم أخرى مماثلة؛ والتخلف عن السداد أو إعادة الهيكلة (وهي في واقع الأمر ضريبة على المدخرين المحليين أو الأجانب الذين يمتلكون الديون العامة)؛ والقمع المالي، عندما تجبر الدولة البنوك وغيرها من المؤسسات المالية على الاحتفاظ بمزيد من الديون العامة بعوائد أقل (ضريبة أخرى على رأس المال تُفرض على المدخرين)، ولكن في الاقتصادات المفتوحة يجب أن يقترن القمع المالي بضوابط رأس المال التي تنطوي بدورها على تكاليف إضافية.

أخيرا، هناك دائما خيار الحيل المالية، مثل محاولة وزارة الخزانة الأمريكية مؤخرا خفض عوائد السندات الطويلة الأجل من خلال إعادة شراء الديون، أو برامج مماثلة لتقليل الإصدار النسبي من الديون الطويلة الأجل مقارنة بالديون القصيرة الأجل.

من المحتم أن تفشل هذه المخططات، كما رأى الجميع بأنفسهم هذا العام؛ ففي سوق الديون الحكومية التي تبلغ قيمتها عدة تريليونات من الدولارات، لا يستطيع أحد أن يدّعي جادا أنه «الجهة المهيمنة»، ولا حتى وزير الخزانة الأمريكي. بمرور الوقت، لا شيء غير الانضباط المالي والنمو المحتمل الأعلى المدفوع بالابتكارات التكنولوجية قد يُـفضي إلى نهاية سعيدة. الواقع أن تأخير التعديلات المالية وغير ذلك من الحيل يؤدي في نهاية المطاف إلى أزمات ديون صريحة، أو إلى تدابير مثل التخلف عن سداد الديون وتخفيضها، أو التضخم المرتفع، أو أشكال مختلفة من القمع المالي. ولا يملك المرء إلى أن يتمنى أن يتمكن حراس السندات من فرض الانضباط المالي المسبق قبل أن يتسبب توقف تدفقات رأس المال على نحو مفاجئ في إشعال شرارة أزمة ديون. فرنسا هي أول دولة ينبغي لنا مراقبة أوضاعها، لكنها ليست الوحيدة على الإطلاق.

نورييل روبيني أستاذ فخري للاقتصاد في كلية «ستيرن» لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك. ومؤلف كتاب «تهديدات كبرى: عشرة اتجاهات خطيرة تهدد مستقبلنا، وكيفية النجاة منها»

خدمة بروجيكت سنديكيت