وجدت في ذاكرة جهاز الحاسوب خاصتي مقالا احتفظت به منذ سنوات للكاتبة ليزا كواست بعنوان «لماذا تنأى النساء عن المهن العلمية؟» نشرته Forbes عام 2010، تناول دراسة من جامعة ميامي بحثت في أسباب ابتعاد النساء عن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
ما استوقفني في المقال ليس السؤال بحد ذاته، بل الفكرة التي وراءه: أحيانا لا يختار الإنسان مستقبله المهني بناء على قدراته وميوله فقط، وإنما على الصورة التي يحملها عن نفسه وعن الحياة التي يريد أن يعيشها.
وأنا، من تجربتي في العمل ومع النساء، أجد أن هذه الفكرة تتجاوز اختيار التخصص الجامعي. فكثيرا ما ألتقي نساء لديهن القدرة والكفاءة، لكنهن لا يرين أنفسهن بالضرورة في أدوار أكبر، ليس لأنهن لا يستطعن، وإنما لأنهن تعودن أن يسألن: هل هذه الوظيفة مناسبة لي؟ قبل أن يسألن: «هل هذا ما أريده؟».
أشارت الدراسة المشار إليها إلى أن المشاركين الذين أعطوا أهمية أكبر لأهداف مثل مساعدة الآخرين وخدمة المجتمع كانوا أقل ميلا إلى الاهتمام بالمهن العلمية والتقنية، وكانت النساء في العينة أكثر ميلا إلى هذه الأهداف. وقد يكون أحد التفسيرات أن بعض الفتيات يتصورن العلوم والتكنولوجيا كعالم بعيد عن الناس: عالمة في مختبر، أو مهندسة أمام جهاز، أو مبرمجة تعمل لساعات طويلة أمام الحاسوب، رغم أن خدمة الآخرين ليست بعيدة عن هذه المجالات. فالعلم والتكنولوجيا والهندسة هي أدوات لتحسين الصحة، والطاقة، والتعليم، والبيئة، وجودة الحياة. وربما نحتاج فقط إلى أن نُري الفتاة هذه الصورة الأوسع.
ومن خلال رحلتي المهنية، تعلمت أن الفرصة وحدها لا تكفي دائما. الإنسان يحتاج أيضا إلى أن يشعر بأنه يستحقها، وأن يرى نفسه قادرا على شغل المساحة الجديدة عندما تُفتح أمامه. لذلك لا أعتقد أن السؤال اليوم هو: هل تستطيع الفتاة العُمانية دراسة هذه التخصصات؟ فالواقع يقول إنها تستطيع. لكن السؤال الأهم: هل تؤمن هي أنها تستطيع؟
أعتقد أنه هنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والقدوة. قد لا نقول لابنتنا صراحة إن تخصصا ما «ليس مناسبا للمرأة»، لكننا قد نكرر أمامها، دون قصد، صورا محدودة للنجاح. ولا نحتاج بالضرورة إلى أن تختار كل فتاة العلوم أو التكنولوجيا، ولا أن تسير جميع النساء في المسار نفسه. ما نحتاجه هو أن تمتلك الفتاة العُمانية المعرفة بالخيارات، والثقة بقدراتها، وحرية حقيقية في الاختيار. فمستقبل عُمان لن يُبنى بالنساء في مهنة واحدة، بل بالنساء اللواتي يجدن مكانهن الحقيقي في مختلف مجالات المستقبل.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية