السبت، 6 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
(1)
المحامون الأمريكيون يواصلون تقديم عروض «المساعدة» لي. لو كان بيدي لقاضيتهم جميعًا في المحكمة لأنهم يصرون على إهانة حواسي ومداركي.
(2)
أجريت المكالمة الهاتفيَّة الأولى مع [...] بعد نحو ثلاث سنوات من القطيعة، وذلك لتعزيته في وفاة والده مؤخرًا. كم أفتقد صداقته التي ألهمتني ووقفت إلى جانبي في بعض من أسوأ المآسي، وكم هو قاس وحزين أن المرء لا يستطيع أن يتراجع عن الصرامة غير القابلة للمساومة حين تحدث أشياء ما كان لها أبدًا أن تحدث؛ حين تحدث أشياء تتصل بالإخلال غير المقبول بالجوهري، والمبدئي، والأخلاقي، والإنساني، قبل الصَّداقي، إذ إن الصداقة هي التعبير الأسمى عن كل ما هو جوهري، ومبدئي، وأخلاقي، وإنساني: الصداقة، مثل الحب والكتابة، هي الشُّعاع الأبهى الذي ينجو (ويُنجي) من ركاكات الوجود. لقد خسرت صديقي لأنه خسر نفسه، وانخرط في الآخرين مع الآخرين، وصار يخوض مع الخائضين. لم أَشقَ بخسارة صداقة أخرى قدر شقائي بفقدان صداقته، لكني لا أريد أن أخسر أشياء أخرى منه، بل أريد أن أحتفظ في القطيعة بشيء من النبل والصداقة اللذين كانا، والذين يتعذر عليهما تمامًا أن يكونا من جديد؛ إذ إن ذلك الشيء الذي تبقيه القطيعة نقيًّا، وعزيزًا، وكريمًا، وأصيلًا كما كان هو العزاء الوحيد في خسران صدقه: ذلك الشيء الجميل هو المقدَّس، العُلوي الذي تنبغي التضحية بكل شيء من أجل عدم تدنيسه، فالصداقة أيضًا هي البحث عن المطلق والبقاء هناك.
ليس لنا (وعلينا) سوى أن نذهب بقسوة في الغياب أكثر حتى نحظى بشيء من الحضور. وعزيز هو حضورك أيها الصديق الذي كان. والأهم من ذلك هو أني أريد الحفاظ على نفسي، في نفسي، أما أنت فشأنك وحدك. في نهاية المطاف، كل امرئ مسؤول عن نفسه.
لقد صدق بازوليني حين قال: «الصَّداقة مقدَّسة، لكن العمل كل شيء».
(3)
في الذكرى الثلاثينيَّة للخامس من مارس، وفاة [...] بسكتة قلبيَّة. وقبل يومين أو ثلاثة وقَّع قاسم حدَّاد في المجمع الثقافي في أبوظبي «قبر قاسم».
لا بأس في ذلك.
الأحد، 7 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
(1)
في الصباح الباكر، مكالمة هاتفيَّة مع العزيز عبدالرحمن حسن، والاتفاق على التخلي رسميًّا عن عضويَّتينا في «اللجنة التأسيسيَّة للسينما في مجلس التعاون لدول الخليج العربية». لست مرتاحًا لفكرته بإرسال مذكرة الانسحاب لتُقرأ على المجتمعين قريبًا في اجتماع البحرين. في تقديري أن طبيعة الوضع ونوع الخلاف لا يحتملان ذلك. سنرى.
(2)
طوال اليوم وأنا أفكر في موضوع أصبح قديمًا نسبيًّا (بلا جدوى ولا طائل)، إذ أن أمريكا، أقوى دولة في العالم، لن تتيح الحقوق المترتبة على «التعديل الأول» في الدستور لغير مواطنيها على أراضيها. الدولة التي فاقت تبشيرات المسيح لن تسمح بالكلام لغير مواطنيها. لا أستغرب ذلك كثيرًا، فالكلام غير الكلام. أريد أن أعرف، في الشهور القادمة، كيف سيستوي تطبيق القانون على الجاليات المختلفة. من دون الإذعان لنظرية المؤامرة، أعتقد أن العرب المقيمين هنا مستهدفون.
(3)
كم أنا حزين وأكثر وحدة على هذه الأرض، فقد مات اليوم ستانلي كوبرِك في بيته الريفي ببريطانيا (حسن جدًا أنه مات في بيته، وليس في المستشفى أو أي مكان آخر غير البيت). كوبرِك مبدع عظيم يفهمني، وعلى كل شخص أن يحاور أي مبدع في العالم من منطلق «ياء المِلكيَّة» الخاصة به. ولهذا فإني أشعر عميقًا بموت شخص عزيز عرفني وأعرفه كأن نكون قد تحادثنا طويلًا، وشربنا قهوة، وقرأنا كتبًا، وشاهدنا أفلامًا، وذهبنا في رحلات معًا. أفلام كوبرِك كانت من الأفلام التي شاهدتها بشغف كبير في بدايات تعرفي إلى السينما (التي لا أزال أحاول أن أعرفها)، ولا أزال أعشق تلك الصور؛ فكوبرِك مخرجٌ صاحب «فكر»، ولكنه أيضًا مبدع ذو «لغة»، وكان متميزًا في كليهما، وأفلامه دليل على تحقق مشروعه في أن يجعل تأثير الصور في اللاوعي شبيهاً بتأثير الموسيقى.
حين أبلغت [...] المولَّعة بأفلام كوبرِك، وخاصة «البريق»، الخبر الحزين قالت ببساطة عميقة: «حين يموت شخص مثل هذا فإن المشكلة هي أنك لا تعود تتوقع أن ترى عملًا جديدًا له. أتعني حقًا أننا لن نشاهد أفلامًا جديدة له»؟! حقًا، فمأساة موت المبدع (له ولغيره) هي توقف نتاجه، وليس غياب شخصه؛ إذ إن مأساة موت المبدع هي الخلل العميق الذي يحدث في النظام الكوني، وحركة العناصر، ودورة الأفلاك بسبب الكف النهائي عن الإنتاج.
ستانلي كوبرِك: عليَّ، إذًا، أن أوطِّد نفسي على موتك، فأنا لن نشاهد أفلامًا جديدة لك.
الثلاثاء، 9 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة
(1)
استئناف وصول عروض «المساعدة»، لكن بكميَّات أقل.
(2)
أجرينا فحصًا دقيقًا لقلب [...]. قلبها ممتاز (بكل معاني الكلمة)، وسنتأكد أكثر من خلال استعمال جهاز مراقبة القلب والأشعة الصوتية.
أنا مسؤول بصورة مباشرة عن أي مشكلة في قلب [...] لأنها تقول إنني أسكن فيه.
(3)
الليلة، إعادة ترتيب الكراسي حول طاولة الطعام. كرسيٌّ ذَهَبَ، وكرسيٌّ صار في مكانه. لا أريد أن أقف في المساحة التي ذهب منها الكرسي الذي كان، ولا أريد الكرسي الذي يشبهه، ولا أريد مسافة فارغة، ولذا فإنني سأقف لأنني شغوف بحريَّة الكرسي الآخر، وشغوف بذكرياته.
(4)
قلت لـ[...]: أنا أحبك. ردَّت: وأنا أحبك أكثر [...].
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني