ربما تكون الفرضية التي أنطلق منها دائمًا وأميل لها أنه لقراءة أي تحول محتمل في الاقتصاد على المدى البعيد، يستوجب قراءة الحالة السكانية، وطبيعة الانتقال الديموغرافي الذي يعيشه المجتمع اليوم. وربما ليس بجديد القول إن التغير في نادي الكبار في الاقتصاد العالمي اليوم، ما هو إلا نتيجة لتحولات ديموغرافية جذرية تحدث في بعض المجتمعات، وخاصة في غرب أوروبا وشرق آسيا. وما التوقعات ببروز دول القارة الأفريقية - وخاصة في شرقها - خلال العقدين القادمين كقوى اقتصادية صاعدة، وقوى استثمارية جاذبة، إلا نتيجة للمكون الديموغرافي التحولي الذي تشهده، بزيادة ساكنيها من فئة الشباب، ومحافظتها على معدلات خصوبة متوازنة، وتحسن ظروف العيش الملائمة للتوازن الديموغرافي فيها.
وسط ذلك كله يتوقع أن يعود ملف «الشباب وسياسات الإنتاجية» كمحور شاغل لنقاش الحكومات في دول مختلفة من العالم خلال الأعوام المقبلة؛ وذلك نظير الحاجة إلى استثمار القوة الشابة عبر التأهيل المحكم والتأهيل المرتبط بالإنتاجية العالية؛ للدفع بأسواق العمل وتنافسية الاقتصادات من ناحية، واستبقائهم أطول فترة ممكنة في حدود القدرة على الإنتاجية العالية لتعويض نقص الداخلين الجدد إلى سوق العمل، إضافة إلى التصحيح في الاتجاهات الناشئة لدى الأجيال الجديدة والتي قد لا تتناسب مع الطبيعة التقليدية لسوق العمل، القائم على الفرصة الأحادية (وظيفة في القطاع العام أو الخاص يقضي فيها الفرد ويوظف كافة قدراته الإنتاجية ويبني من خلالها مستقبله).
وعليه، فإن من الواجب بمكان اليوم فهم الإشارات الناشئة في هذا الملف، والاستباق لمراجعة السياسات في حقلين؛ حقل الشباب (كطبيعة ديموغرافية وسكانية وثقافية)، وحقل إنتاجية الشباب (كسياسات اقتصادية وتنموية).
عالميًا تواجه إنتاجية الشباب اليوم أربعة تحديات رئيسية؛ تحدي الانتقال السلس من التعليم إلى الدورة الاقتصادية (وما يصاحبه من تعطل مهاري وفقدان للإنتاجية)، وتحدي التحقق من سنوات التعلم الفعلي (وتقاس بالمهارات المكتسبة الأساسية والمتقدمة)، وتحدي ترك تكلفة الوصول إلى الفرص الاقتصادية وإثبات المهارة على الشاب وحده في غياب المؤسسات الوسيطة الواضحة والمحوكمة (بين مؤسسات التعليم - والمؤسسات الاقتصادية)، بالإضافة إلى تحدي توظيف المؤهلين في أعمال لا تستخدم قدراتهم، وبالتالي فقدان الحد الأعلى من القدرة على الإنتاج بمهارة لدى الأشخاص وخسارة جزء من الاستثمار التعليمي في مراحل تعليمهم الأساسي والعالي. هذه التحديات تشكل هواجس عالمية، استطاعت بعض الدول تجاوزها عبر منظومات ربط محكمة بين ثلاثية (التعليم - التدريب والتأهيل – الاقتصاد)، فيما تركتها كثير من الدول خاضعة لاتجاهات السوق وسياسات التعليم وسياسات التدريب المنفصلة عن بعضها البعض.
في عام 2023 أظهر مسح مهارات البالغين أن نحو 23% من العاملين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يمتلكون مؤهلات أعلى مما تتطلبه وظائفهم. وارتبط ذلك بأجور أقل بنحو12% مقارنة بعاملين مماثلين في المهارة والتعليم ومتوافقين مع وظائفهم. وفي ذات السياق أظهر مسح أجرته منظمة العمل الدولية لـ106 منشأة في عُمان عام 2022 أن41% منها واجهت صعوبة في توافر المهارات التقنية المطلوبة لدى المتقدمين العُمانيين، و6% في توافر الخبرة العملية لدى المتقدمين.
بلغ عدد الشباب العُماني بين 18 و29 سنة نحو538 ألفًا في 2025، ويُتوقع ارتفاعه إلى نحو 915 ألفًا بحلول 2040، بزيادة تقارب 70% وارتفع معدل الباحثين عن عمل بينهم من 24.1% في 2024 إلى 25.2% في 2025، رغم زيادة عدد المشتغلين بنسبة 2%.
الرقم الأهم في واقع البناء الديموغرافي والاجتماعي للشباب العُمانيين يتمثل في تركز73% من الباحثين الشباب من حملة دبلوم التعليم العالي فأعلى في الإدارة والمعاملات التجارية 38%، والهندسة والتقنيات ذات الصلة 21%، وتكنولوجيا المعلومات 14% وهذه أحد العلامات المهمة التي يجب التركيز عليها في تكوين وتأصيل سياسات إنتاجية تستفيد من القوة الاقتصادية للشباب وتستثمرها بنحو أفضل في دعم الاقتصاد والتنمية بشكل عام.
تتطلب المرحلة المقبلة في تقديرنا عددا من التدخلات الأساسية؛ تتمحور هذه السياسات حول تشكيل قوى بشرية إنتاجية متخصصة ومتكاملة التأهيل ضمن منظومة واحدة وواضحة، ووجود جهاز مركزي قادر على مساءلة النتائج من منظور أعلى، قطاع التعليم يساءل عن التعليم وحده (كعمليات دون مساءلة الناتج الكلي)، والتدريب والتأهيل كذلك، فيما تساءل منظومة التشغيل عن فرص العمل المستحدثة. وتبقى منظومة الاقتصاد في معزل عن إيجاد علاقة واضحة بين نمو وتعقد وتوسع الاقتصاد وقدرته على خلق الفرص الاقتصادية بمفهومها الأشمل (وليس الوظائف وحدها).
افتراق هذه المنظومات في تقديرنا تحدٍ كبير. والمرحلة تتطلب تسهيل انتقال الشباب من التعليم إلى العمل، من خلال متابعة من تنقطع صلتهم بالدراسة والتدريب والتوظيف وعدم تركهم لظروف السوق أو الفرص وحدها. بالإضافة إلى ذلك من المهم بمكان تقديم مسار مناسب لكل منهم بحسب احتياجاته وهذا يبدأ من قوة وحداثة منظومات التوجيه المهني واتصالها عبر المدارس إلى الجامعات والكليات وصولًا إلى أسواق البحث عن عمل؛ فمنظومة التوجيه المهني ليست فقط إرشادات أو نصائح، وإنما نظام قائم على الأدلة والبيانات والتوجيه المعرفي وقياس القدرات والاتجاهات والمهارات، يستطيع أن يوصل الشخص الماهر إلى الفرصة الاقتصادية الأمثل له بغض النظر عن قطاعها ومجالها.
كما تتطلب المرحلة توسيع فرص التدريب المدفوع داخل المؤسسات لاكتساب خبرة فعلية تقود إلى وظائف مستقرة، وعدم ترك المسألة لتقدير المؤسسات ذاتها متى ما وجدت في منظوماتها فرصة أو مساحة لتدريب أشخاص، وأن تؤطر المسألة بنظام وطني واضح ما دامت الكثير من الوظائف التخصصية تشترط خبرة بسنوات معتبرة. ويشمل ذلك توفير مسارات مهنية متدرجة لحملة التعليم العام والمؤهلات الأدنى، وربط التأهيل باحتياجات واضحة لدى الشركات، وتشجيع توسع الأعمال التي تستفيد من المهارات المتخصصة.
وفي الوجه الآخر للفرص الاقتصادية وتحديدًا تأسيس المشروعات وريادة الأعمال، ربما تتطلب المرحلة المقبلة ربط التمويل بفرص تجارية وعملاء فعليين أكثر من الحاجة إلى بناء القدرة على تأسيس المشروعات؛ فما يلحظ اليوم أن التحدي هو تحدي استدامة في ظل واقع الطلب والسوق والقوى الاقتصادية.
وعليه، فإن عدم وجود تلك الاستدامة يعني فقدان لقدرة إنتاجية واسعة في قطاع من الشباب، مما يستوجب مساعدة الشباب على إدارة مشروعاتهم واستدامتها وربطها بالطلب الاقتصادي الفعلي وتمكينها من المشاركة في تعزيز إنتاجية القطاعات الاقتصادية.
وللحفاظ على مستويات إنتاجية عالية لمن توظف، تأتي أهمية وجود مسارات واضحة للتطوير المهني، واكتساب المهارات الأفقية المتعددة الاختصاصات والمجالات، مع إتاحة فرص التقدم المهني وتحسن الدخل وتيسير أوجه مختلفة للمشاركة الاقتصادية وعدم حصرها في الوظيفة الرسمية وحدها.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان