إثر العرض الفني لحفل جوائز الإجادة الإعلامية الأسبوع الماضي، ومشاهدة بعض نجوم التمثيل والإعلام العمانيين على خشبة المسرح في احتفاء بمسيرة العمل الإعلامي وجدت نفسي دون تخطيط أعود إلى تاريخ ١٢ ديسمبر ١٩١١م مستعيدا أبا مسلم الرواحي البهلاني وهو يكتب مقالته التأسيسية للعمل الصحفي العماني في جريدة النجاح التابعة لحزب الإصلاح في زنجبار آنذاك، ثم كل الرواد والصحف الأولى، كالفلق لهاشل المسكري، وناصر اللمكي وغيرهم. ولا يستطيع المرء إلا أن يقف احتراما أمام قلم الصحفي أحمد بن سيف الخروصي الذي كان يكتب مقالاته النارية منتصف القرن العشرين في جريدة المرشد في أوج حركات التحرر من الاستعمار.

مسار صحفي طويل وممض ومتعب ولا شك، تعرضت فيه الصحف والمجلات للإغلاق والصحفيون للنفي، هي رواية كبرى يستقصيها ويوثقها بكل مهنية كتاب (رواد الصحافة العمانية) ٢٠٢٠م لعبدالله الكندي وشميسة النعمانية، رواية تعيدك لهموم التأسيس الصحفي ومسيرة الصحافة العمانية منذ بدايتها الخارجية إلى عودة الصحف إلى عمان عام ١٩٧١م على يد الصحفي الراحل نصر الطائي، وجريدته الوطن، ثم كل المشاريع الصحفية التالية، الحكومية منها والخاصة، كالمجلات العمانية التي توقف أكثرها ومنها العقيدة والنهضة والأسرة والغدير، والصحف الصادرة بالإنجليزية منذ Times Of Oman وصولًا لجريدة الشبيبة مرورا بجريدتي الزمن التي توقفت، والرؤية المستمرة.

اليوم اتسعت تلك المشاريع الصحفية الخاصة حتي أصبحت تشكيلة من المواقع الإلكترونية منذ حقبة المنتديات، كالسبلة العمانية التي توقفت، وموقع البلد الذي توقف بينما ما زالت مواقع أخرى ومجلات كالفلق الإلكترونية التي تعيد تذكيرنا بتلك البدايات، هذا عدا تشكيلة الإذاعات، مثل هلا إف إم والوصال وغيرها، وقناة مجان تلفزيونية، وبالطبع كل الصحف والقنوات والإذاعات الحكومية، وقف ويقف خلفها كل أفراد الأسرة الإعلامية العمانية، وجلهم من العمانيين الذين رفدوا وما زالوا يرفدون العمل الإعلامي بجهودهم ونتاجهم المستمر، وهو الإنتاج الذي أعاد تشكيل الوعي والفكر العمانيين داخليًا، وقدم هذا الوعي والفكر للعالم.

يقف المرء ليستعيد ذلك التاريخ الإعلامي، والذي لا يكتمل دون النظر إلى جانبه الفني منذ تمثيلية «الموت» ١٩٧٦م لمحمد سعيد الشنفري، كما وثقها بحث «نشأة وتطور الدراما العمانية» ٢٠٢٤، لحسني محمد نصر، وشمسة البادي مرورًا بكل المحطات والأعمال التالية، وكل العطاء الفني الذي بقي لنا من نجومه الأوائل كوكبة نجوم حفظهم الله ورحم من رحل منهم، لكن أعمالهم باقية ترسخت في وجدان الجمهور.

استعادة كل هذا العمل الإعلامي تضعنا أمام أسئلة لا حصر لها، أسئلة تقع على عاتق الأجيال المعاصرة والقادمة البحث لها عن إجابات، لكن الواقع أن الإخلاص لهذا العمل الإعلامي -أيًا كانت التوجهات الفكرية للقائمين عليه- ظل وما يزال واضحًا مؤكدًا شغف الإنسان بهذه الرسالة النبيلة، تسرقه حتى من بيته وأهله وأسرته وحياته الاجتماعية، لتضعه فردًا في أسرة إعلامية ممتدة بلا حدود.

نبلغ اليوم عصر الإعلام الجديد بأدوات إعلامية أخرى أغلبها مرتبط بالعصر الرقمي والإنترنت، حتى أصبح العمل الإعلامي من السهولة مقارنة بالزمن الذي كان يستلزم إنشاء مطبعة، وشبكات ومحطات، أو إرسال الأعداد للطباعة في الخارج وانتظار النسخ بالبريد، كل ذلك أصبح اليوم من الماضي، ولكن الرسالة الإعلامية أضحت أصعب ربما بنفس القدر وأكثر.

عدا ذلك فإن الرسالة الإعلامية ما زالت كما هي، وما زالت أخلاقيات المهنة كعهدها، لكن الأحلام الأولى كذلك ما تزال، بإعلام يقف على قدم المساواة مع الإعلام العالمي، ومع إعلام حر وضمير نزيه وجودة ومعايير لا يمكن التنازل عنها، بل الطموح دومًا لرفع مستواها ما أمكن بكل الوسائل المتاحة، وما جائزة الإجادة الإعلامية المستمرة منذ انطلاقتها عام ٢٠٠٤م إلا إعلان صريح بهذه الرغبة.

لا شك يحلم كل عامل في هذا المجال بأن يعمل في بيئة أكثر رحابة، وأكثر جرأة، وأكثر حماسة وانطلاقة، خاصة للأجيال الجديدة؛ إذ إن العمل الإعلامي في مركزيته هو عمل متجه من الداخل للخارج من داخل الإنسان إلى خارجه بأي صورة أو شكل، وهذا الدفع يجعل الإعلامي دوما هناك في المابين حلقة وصل مستمرة بين الحدث والجمهور، وبين الحياة والزمن المتلاشي وتوثيقه، ونشره، تلك الأسس التي تجعل الإعلامي يستشعر المسؤولية بطبيعته، حتى دون أن تحده القوانين والأنظمة المعمول بها، وكأن الرسالة أمانتها داخلها.

الإلمام بتاريخ الإعلام والصحافة العمانية يضعنا أمام أسئلة وتحديات مختلفة بلا شك عن أسئلة وتحديات التأسيس؛ فاليوم يقف الإعلام العماني في العصر الذي يعيد الإعلام العالمي ولادة نفسه وأدواته وخطابه من جديد وسط تحديات التقنية وسطوة مواقع التواصل.

هذه السطوة الرقمية التي يلمسها المرء في كل مجال كان آخرها بالنسبة لي في معرض فن مسقط الممتع، لكن حيث كل فنان يحثك على متابعته في الإنستجرام، وكأنه يعتبر نجاح عمله الفني رهنا بعدد متابعيه، وينسى رواد الفن ومكابداتهم التاريخية وآلامهم وإحباطاتهم وتعثراتهم، لكن هذا من جهة أخرى يذكرنا بأهمية الجمهور لكل عمل، خاصة الفني والإعلامي. بيننا اليوم وبين السبعينات عقود وتحديات الخطاب الإعلامي اختلفت، كما أن رقعة منتجي الخطاب بفعل الوسائط الرقمية اتسعت اتساعا يخلق تحديات جديدة، لا أدل عليها من بيان وزراء الإعلام الخليجيين في المنامة الأسبوع الماضي والذي دعا لضوابط أكثر ضد بيئة المنصات الإلكترونية الساعية للإثارة.

نستطيع اليوم أن نبصر أن منصات مثل إكس «X» دأبت منذ العقد الماضي على تأجيج خطابات العداء والكراهية ونشر المفاهيم المغلوطة ليس في منطقتنا فحسب، بل في العالم دون استثناء الغرب؛ ففي تحقيق صحفي للجارديان الأسبوع الماضي حول الانتخابات النصفية الأمريكية في تكساس هاجم أفراد من الحزب الجمهوري الصحفي.

كان الصحفي يشتكي من مفاهيم مغلوطة عن انعدام الأمان الاجتماعي في بريطانيا، وحين سألهم الصحفي من أين استقوا هذه المفاهيم قالوا: إن هذا منشور على إكس «X».

يقف الإعلام العماني اليوم بعد أكثر من نصف قرن على انطلاقة البث الإذاعي ١٩٧٠م، والتلفزيوني ١٩٧٤م، أمام تحديات جديدة تتطلب مناخًا إعلاميًا أكثر ديناميكية وحيوية ومساحة حرية إعلامية أوسع لإنتاج خطاب إعلامي متزن يجمع ويخدم تطلعات العمانيين، ويطرح قضاياهم وهمومهم بشفافية أكبر لا غنى عنها اليوم خاصة في عصر الإعلام الرقمي، وهذا يتطلب مرونة أكبر في اتخاذ القرار وسن وتطبيق القوانين، وبهذه الطريقة وحدها يتمكن الإعلاميون من أداء رسالتهم ومهمتهم لجمهور تتناهشه الخطابات، وتحسسه ضد نفسه وضد الآخرين.

لا شك أن الإعلام انعكاس للسياسات التي توجهه، واليوم لا يأتي الخطر من الخطاب الداخلي وتجاوز الخطوط «الحمراء» للسياسات بل من الاختراق الخارجي، وبدون إعلام حر مهني صحي شفاف ومسؤول، فإن الجمهور مهدد بخطابات جذابة مغرية وجريئة مصممة خصيصا لجذب كل فرد بمفرده عبر الخوارزميات، وقيادته لخدمة أجندات خارجية، مثل أجندة إيلون ماسك ومارك زكربيرج على حساب وطنه واستقراره وأمنه ومستقبله.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني