اتسعت المساحات التي يحضر فيها الخط العربي خلال السنوات الأخيرة، فأصبح جزءا من تجارب فنية وتصميمية ومعمارية تتجاوز الاستخدامات التقليدية، ووجد طريقه إلى ثقافات متعددة يتعامل خطاطوها مع الحرف من خلفيات وتجارب مختلفة، وقد أثار هذا الانتشار تساؤلات حول علاقة الخط العربي بأصوله الفنية وما تتيحه قواعده من إمكانات للتجديد، خاصة مع ظهور أعمال تتعامل مع الحرف من خلال تكوينه البصري، وأخرى تحافظ على ارتباطه بالنص ومعناه... في هذا الاستطلاع نقرب آراء خطاطين عرب وآخرين من خلفيات ثقافية غير عربية لنتعرف على تجاربهم في التعامل مع الحرف العربي، وكيف ينظرون إلى قواعده وخصوصيته الفنية، وما الذي يمكن أن يكتسبه أو يفقده حين ينتقل بين الثقافات وأين يرون الحدود الفاصلة بين المحافظة على أصوله وإتاحة المجال لتطوره.

بداية ينطلق الخطاط المصري خليفة الشيمي من اعتبار الخط العربي إرثا فنيا وثقافيا ارتبط بالحضارة العربية والإسلامية وشكل أحد عناصرها البصرية الأساسية؛ حيث إن انتقاله إلى فنانين من ثقافات مختلفة لا يلغي ضرورة معرفة القواعد التي تكونت عبر قرون وحفظت للحرف نسبه وحركته وخصائصه الفنية.

وفي حضور الخط خارج العالم العربي يستحضر «الشيمي» التجربة التركية التي جعلت الحرف جزءا من هويتها الثقافية واحتفظت في الوقت نفسه بقواعده ومدارسه، حتى أصبحت أعمال كبار خطاطيها مرجعا تتعلم منه أجيال متعاقبة، أما في تجارب فنانين من باكستان والهند وإندونيسيا فيلحظ تفاوتا في طريقة التعامل مع الحرف بين من ينظر إليه باعتباره شكلا بصريا يتيح إمكانات واسعة للتكوين وبين من يتجه إلى دراسة أصوله والالتزام بقواعده قبل الدخول في مساحات التجريب.

ويربط «الشيمي» حرية الفنان في تطوير الحرف بالمعرفة الراسخة بأصوله؛ لأن التجديد في نظره يمكن أن يفتح للخط مجالات جديدة داخل اللوحة المعاصرة من دون أن يفقد القوانين التي تمنحه شخصيته، وهذا ما يجعل عالمية الحرف امتدادا له حين تقوم على المعرفة والدراسة، وليس انفصالا عن جذوره.

ثوابت التجديد

من جانبه يضع الخطاط العماني أحمد المريخي الحرف العربي في دائرة الهوية والروح والمعنى؛ لارتباطه بالثقافة العربية والإسلامية والقرآن واللغة والذاكرة الحضارية، ويعتبر أن انتقاله إلى الفن المعاصر والمعارض والمحافل العالمية يجعل التجديد ضرورة تحافظ على حضوره واستمراريته من دون أن تفصله عن أصوله.

يقول «المريخي»: إن مساحة التجديد في الأدوات والخامات وطريقة الإخراج يمكنها أن تنقل الحرف من الحبر إلى الضوء والحديد والوسائط الرقمية، وأن يخرج من السطر التقليدي إلى الفراغ والحركة والعمارة، فيما تبقى القواعد الأساسية والبنية خارج دائرة العبث؛ لأن نسب الحرف وأصوله تمثل في نظره الضامن لتوازنه واستمرار شخصيته.. أما ما لا ينبغي أن يفقده الحرف مع هذا الانفتاح فهو المقروئية والمعنى والهوية؛ لأن تحوله إلى زخرفة غامضة يفصله عن وظيفته اللغوية والروحية، كما أن التعامل مع النصوص المقدسة وخصوصا الآيات القرآنية يفرض على الفنان مسؤولية تحافظ على قدسيتها، ولا تجعل الجمال البصري سببا في تفكيك معناها.

هوية الحرف

وحول انتشار الخط العربي في الأزياء والتصميم والهويات البصرية والفنون المعاصرة يرى الخطاط السوري بلال بصمه جي ان هذا دليلا على قدرة الخط على تجاوز حدود اللوحة التقليدية والتحول إلى لغة فنية عالمية تستوعب تجارب وثقافات متعددة من دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدان جذوره.

ويستشهد «بصمه جي» بالحضور القوي للخط في تركيا وإيران ليرى أن انتقال هذا الفن إلى فنانين من بيئات مختلفة أضاف إلى الحرف أساليب جديدة ووسع إمكاناته البصرية، غير أن هذه العالمية تضع الفنان أمام مسؤولية الحفاظ على هوية الخط ومعناه وعدم الاكتفاء بالتعامل معه باعتباره شكلا جماليا مجردا؛ حيث إن حرية التجريب مفتوحة ما دام الفنان قادرا على تطوير الحرف ومنحه صيغا معاصرة من دون أن يفصله عن ذاكرته ومرجعيته؛ لأن مسؤولية حماية مكانة الخط وهويته تقع في النهاية على الخطاط نفسه مهما اتسعت مجالات استخدامه وتعددت الثقافات التي تتعامل معه.

المعنى والقاعدة

أما الخطاط الإندونيسي أحمد جلال الدين فتنطلق علاقة بالحرف العربي من ارتباطه باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وهو ما يمنح هذا الحرف مكانة مختلفة عن الحروف اللاتينية التي تستخدم في اللغة الإندونيسية، ولا تستطيع أن تؤدي الوظيفة نفسها عند كتابة الآيات والأحاديث والنصوص ذات المرجعية الإسلامية؛ حيث إن للخط العربي مساحة تجمع بين جمال التكوين والالتزام بالمدارس والقواعد التي تعلمها الخطاطون الإندونيسيون على أيدي أساتذتهم وشيوخهم.

أما في مسألة القواعد والحرية الفنية فيلفت «جلال الدين» إلى أن مدارس ومعاهد في إندونيسيا تجمع بين الدراسات الإسلامية واللغة العربية، وتعتمد على الكتابة العربية في التعليم وهو ما يجعل احترام القواعد الأصلية للخط ضروريا لضمان وضوح النص وسلامة قراءته، وتجنب الأخطاء التي قد تنتج عن كتابة الحروف من دون معرفة أصولها، وفي المقابل يترك مساحة أوسع للفنانين العاملين في الفنون البصرية والاتجاهات المعاصرة الذين قد يبنون لوحاتهم بحرية أكبر، ولا يلتزمون دائما بالقواعد التراثية نفسها.

وحول «العلاقة بين الشكل والمعنى» يرى الفنان أن التجربة في إندونيسيا أوسع من مجرد جمال الحرف أو تكوينه البصري؛ إذ يبدأ الخطاط باختيار النص ثم يسعى إلى فهم معناه وقراءة تفسير الآية إذا كانت قرآنية أو شرح الحديث إذا كان النص نبويا، وهو ما يجعل صناعة اللوحة مرتبطة بفهم مضمونها واستحضاره أثناء الكتابة، ويمنح فهم المعنى العمل عمقا أكبر، ويبقي النص حاضرا في ذهن الفنان وفكره بعد اكتمال اللوحة.

إرث متجدد

من جانبه يربط الخطاط التركي مراد كورت علاقته بالحرف العربي بذاكرة ثقافية ممتدة في تركيا منذ قرون، ويقول: «إن الأتراك كتبوا لغتهم بالحروف العربية نحو ألف عام، وهو ما يجعل قراءة مؤلفات فوزولي ويونس أمره وعدد من السلاطين العثمانيين في صيغتها الأصلية مرتبطة بمعرفة هذه الأبجدية، وإن الحرف العربي ظل حاضرا كذلك في العمارة التاريخية التي ورثتها تركيا من العهدين السلجوقي والعثماني؛ لذلك نحن لسنا غرباء عن هذه الثقافة، فقد نشأنا محاطين بهذا التقليد الكتابي.

وفي حديثه عن القواعد والحرية الفنية يستحضر «كورت» تاريخ الخط وما شهده من تحولات على أيدي كبار الخطاطين مؤكدا أن تطوير هذا الفن لم يكن حكرا على العرب، وأن الأتراك أسهموا عبر قرون في بناء جانب مهم من قواعده وتقاليده، ومن هذه الخلفية يرفض أن يتحول احترام التراث إلى مجرد تكرار لما أنجزه السابقون ويقول: شعرت أن علي ألا أكرر ما هو موجود، وإنما أضيف إليه شيئا جديدا؛ فالفن هو أن تقول شيئا جديدا، وإذا لم نفعل ذلك أصبح ما نقدمه حرفة.

وفي مسألة «الشكل والمعنى» فلا يفصل «كورت» بينهما تماما غير أنه يمنح الشكل أولوية أولى في عمل الفنان البصري، ويقول: إن «الشكل يأتي أولا ثم يتبعه المعنى»؛ لأن الفنان يبدأ من هواجسه الجمالية قبل أن ينتقل إلى الدلالة التي يحملها النص، وحين تكون المادة من القرآن الكريم أو الحديث الشريف تصبح مهمة الفنان احترام قدسية المعنى ومنحه صيغة بصرية تليق بسموه، وهو المنطق نفسه الذي يتبعه حين يستخدم الشعر التركي أو النصوص العثمانية في أعماله.

جسر ثقافي

وفي تجربته المختلفة التي اتخذت الشكل من الكتابة الصينية والحرف العربي منطلقا للكتابة والخطاط الصيني الحاج نور الدين الحرف العربي منذ قرون مساحة داخل البيئة البصرية الصينية التي تقوم على الفرشاة والحركة والانسياب، وهو ما أتاح ظهور أسلوب يجمع بين جذور الخط العربي وملامح الفن الصيني التقليدي، وقد بدأ تعلم العربية في المسجد قبل أن يواصل دراستها أكاديميا، ثم ينتقل إلى الكويت ومصر، ويعمق تجربته في الخط حتى حصل على إجازة في تركيا، ودرس خطوطا عربية تقليدية مثل الثلث والنسخ.

وتقوم تجربة « نور الدين» على الجمع بين ثقافتين من دون أن تفقد الحروف أصولها العربية؛ لأن ما يقدمه ينطلق من معرفة بالخطوط التقليدية، ثم إعادة صياغتها داخل حس بصري صيني، ويجد أن كل بيئة ثقافية تترك اثرها في طريقة التعامل مع الحرف كما يظهر في اختلاف المدارس المغربية والعراقية والسورية وغيرها، وهو ما يجعل الخط قادرا على استيعاب خصائص ثقافات متعددة مع احتفاظه بجذوره.

ويقدم الخطاط الصيني الحاج نور الدين من خلال تجربته نموذجا لفنان غير عربي يجمع بين ثقافتين في تعامله مع الحرف؛ فهو ينطلق من تراث الخط العربي وقواعده، ثم يعيد صياغته داخل حس بصري صيني يعتمد الفرشاة والحركة والانسياب، ويقول: «إن انتماءه إلى البيئة الصينية مع ارتباطه بالتراث الإسلامي جعله يتعامل مع الخط باعتباره مساحة تجمع بين الثقافتين من دون أن يفقد الحرف أصوله أو يتحول إلى مجرد شكل زخرفي».

جمال المعنى

ومن أفغانستان يجد الخطاط محمد يونس جامي في الخط العربي وخصوصا الخط الكوفي المصحفي لغة بصرية تتجاوز وظيفة الكتابة، وتجمع بين الهندسة والتناسب والروحانية؛ إذ تمنح البنية الهندسية للحروف وصلابتها مساحة للتعبير عن النظام والتوازن والسكينة بينما يتيح له فن التذهيب توسيع رؤيته الفنية، وإبراز هويته مع الحفاظ على احترام عميق لتراث الفن الإسلامي.

ولا يرى «جامي» استخدام الحرف العربي بالنسبة له عجز لغته الأم عن التعبير عن المفاهيم والمشاعر نفسها؛ لأن لكل لغة وثقافة خصائصها وإمكاناتها التعبيرية، غير أن ما يجذبه في الخط العربي هو ما يتيحه من احتمالات بصرية وفنية مختلفة، ومن هذا المنطلق ينظر إلى الفن باعتباره جسرا بين الثقافات يمكنه أن يعزز الفهم المتبادل والحوار من دون أن يذيب خصوصية كل ثقافة أو يقلل من اختلافها.

وفي علاقته بالقواعد يرى «جامي» أن فهم أصول الخط في مقدمة العملية الإبداعية، ويعتبر القواعد التي تراكمت عبر قرون نقطة انطلاق للفنان خصوصا عند كتابة النصوص القرآنية، فيما تبقى مساحة التعبير الشخصي مفتوحة من خلال التكوين واللون والتناسب وتصميم التذهيب بحيث ينشأ التجديد الحقيقي من الجمع بين المعرفة العميقة بالتراث والقدرة على ابتكار لغة فنية خاصة تحافظ على أصالة الخط، أما المعنى فهو مكانة موازية للجمال البصري؛ لأن الحرف في الخط الكوفي المصحفي ليس شكلا هندسيا مجردا، فهو يحمل كلمات القرآن الكريم وما يرتبط بها من إرث ثقافي وروحي، كما يكتمل هذا المعنى لديه من خلال التذهيب والألوان والزخارف التي تدخل في حوار بصري مع النص، وحين يجتمع الشكل بالمعنى تتحول اللوحة من تجربة جمالية إلى عمل أكثر عمقا وقدرة على البقاء في الذاكرة.

ذاكرة الحرف

وينقل الخطاط الماليزي عبدالباقي بن أبوبكر تجربة الحروف العربية في الثقافة الماليزية؛ إذ يرى أن ارتباط الحرف العربي بالهوية الماليزية بدأ منذ وصول الإسلام إلى المنطقة حين جرى تكييف الأبجدية العربية لكتابة اللغة الملايوية، فظهرت كتابة «الجاوي» التي ظلت قرونا جزءا من الحياة الثقافية والدينية والإدارية، ويستحضر في هذا السياق شواهد تاريخية مثل حجر ترغكانو الذي يعود إلى بدايات القرن الرابع عشر، ويعتبر أن هذا الامتداد جعل الحروف العربية جزءا من الذاكرة الجماعية للمجتمع الماليزي، ومنحها حضورا يتجاوز وظيفتها الكتابية إلى التعبير عن المعرفة والقيم والانتماء إلى حضارة تشكلت من تفاعل الثقافة الملايوية مع الإسلام.

أما حضور «الجاوي» فقد تراجع بحسب «عبدالباقي» مع الاستعمار البريطاني وصعود الأبجدية اللاتينية، حتى ضعفت القدرة على القراءة والكتابة بها لدى أجيال كثيرة، غير أن الصلة بالحرف بقيت حية من خلال القرآن الكريم، وما يوفره خط النسخ من مدخل مألوف إلى النص العربي، ومن هنا ينظر إلى ممارسته للخط باعتبارها مسؤولية شخصية للحفاظ على هذا الإرث وإعادة إحيائه وربط الحاضر بتاريخ ثقافي امتد عبر قرون.

ويعتبر «عبدالباقي» أن فهم القواعد يسبق مساحة الحرية الفنية؛ لأن الخطاط يحتاج أولا إلى معرفة بنية الحرف ونسبه وعلاقته بما حوله قبل أن يذهب إلى التكوينات الخاصة والتجريب، ويقول: إن تجربته بدأت على أيدي أساتذة في ماليزيا، ثم امتدت إلى العراق وتركيا، وهو ما جعله أكثر اقتناعا بأن إتقان الخط يحتاج إلى صبر وممارسة مستمرة، ولا يأتي من طريق مختصر. ولا يعني احترام التراث الوقوف عند ما أنجزه السابقون؛ فبعد امتلاك القاعدة يمكن للفنان أن يطور رؤيته وأن يقدم معالجة خاصة من دون أن يفقد الحرف بنيته الأساسية؛ فالإنترنت والتقنيات الحديثة سهلت الوصول إلى المخطوطات والمراجع والأساتذة والفعاليات الدولية، غير أن هذه الأدوات لا تعوض التمرين والممارسة والخبرة التي تتكون مع الوقت.

في العلاقة بين «الشكل والمعنى» يوضح الخطاط الماليزي عبدالباقي بن أبوبكر أن الجمال البصري قد يكون أول ما يجذب المتلقي إلى الخط العربي، لكن فهم النص يغير مستوى التلقي؛ لأن الحروف تحمل معها أفكارا وذاكرة وتاريخا ومشاعر، ويأخذ هذا المعنى بعدا أعمق في النصوص القرآنية، ثم يمتد إلى تجربة الجاوي التي حملت الأدب والمعرفة والتعليم الديني في الثقافة الملايوية؛ ولهذا فإن قيمة جمال التكوين ودلالة النص تكتمل عندما يجتمع الاثنان.