تستدعي المؤشرات والتقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق الأمم المتحدة للسكان حول تراجع معدلات الخصوبة في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة أهمية التوقف عندها لمعرفة أسباب هذا الخلل. ورغم أن هذه المنظمات تتفهم طبيعة المبررات، إلا أن ذلك يُعد مُقلقا على المدى البعيد؛ لأنه سيفرض تحديات مستقبلية تتمثل في ارتفاع معدل الشيخوخة، الذي سيزيد من كُلفة الرعاية الصحية، وتناقص الأيدي العاملة الوطنية الشابة، وما سيفرضه من احتياج لاستقدام القوى العاملة الوافدة.
وعند البحث عن أسباب تراجع معدلات الخصوبة تبين أن «الزواج المتأخر» كان يقف على رأس هذه الأسباب، نتيجة للعقبات التي يواجهها التوظيف، فشُح الوظائف وتراكم أعداد الباحثين عن عمل، إضافة إلى الرواتب المتدنية التي تمنحها بعض شركات القطاع الخاص، وارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة الأعباء المالية، ساعدت جميعها في تكوين قناعة تفيد أن تأخير الزواج هو الخيار الواقعي الذي لا مناص منه.
من ناحية أخرى أسهم «التسريح» من قِبل الشركات في ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري؛ إذ توضح آخر البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أنه تم تسجيل ٤٬٢٠٨ شهادات طلاق في العام ٢٠٢٥ بزيادة بلغت ٢ بالمائة مقارنة بالعام ٢٠٢٤، وبلغ المعدل اليومي التقريبي للطلاق حوالي ١٢ حالة؛ لدوافع مختلفة أهمها الضغوط المالية والمعيشية.
واللافت أن هذه الظروف مُجتمِعة أفضت إلى تبلور فِكر جديد لا يؤيد تأخير الزواج فحسب، إنما يُفضل تكوين أُسر صغيرة غير مُتطلِبة تتوفر لها حياة نوعية، خاصة في مجال التعليم.
ومن بين العوامل التي أدت إلى تراجع معدلات خصوبة المرأة العُمانية ارتفاع سن الزواج نتيجة ارتفاع معدلات التعليم العالي، واقتحام المرأة لسوق العمل، الذي حتم تقنين الولادات؛ إذ تفيد إحصائيات وزارة الصحة أنه تم تسجيل ارتفاع عدد زيارات عيادات المباعدة بين الولادات في السنوات الأخيرة عدا معوقات الحمل بسبب ارتفاع الأعمار.
من ناحية أخرى فرض التوظيف على المرأة ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الوظيفة والأسرة، وهو ما أعاد النظر في فكرة زيادة الولادات التي قد تكون على حساب تحقيق الالتزامات والطموحات الوظيفية. كما أن طبيعة الحياة بمتطلباتها والضغوطات النفسية ألقت بِظلالها على قدرة الزوجين على رعاية أكثر من طفل واحد، ما نتج عنه اتفاق ثنائي لتحديد النسل.
لا شك أن لتراجع معدلات الخصوبة تبِعاته السلبية مستقبلًا؛ ولذا سيظل حل تشجيع الزواج في سن مُبكرة هو الخيار الأول شرط أن يكون مسبوقًا بتوفير وظائف مُجزية ومُستقرة، والحد من عملية التسريح، ورفع مخصصات صندوق الزواج والتخفيف من اشتراطات الحصول عليها، وتسهيل الحصول على القروض السكنية، وقيام الجهات الرسمية بالتعاون مع المجتمع، بتحديد المهور وتقنين تكاليف الزواج. ومن بين الحلول أيضًا، تنظيم البرامج الوطنية التي تشرح مميزات الزواج المُبكر وخطورة تأخير الزواج للفتيات إضافة إلى تصميم البرامج التوعوية للمقبلين على الزواج، وتفعيل سياسات العمل عن بُعد للموظفات الأمهات، وتوفير البيئة الملائمة لهن لتسهيل رعاية الأطفال في مقرات العمل.
عُمر العبري كاتب عُماني