لم تعد دراسة اللغة الصينية مجرد خيار أكاديمي، بل تحولت إلى استثمار حقيقي وميزة تنافسية في مسيرة الكفاءات الوطنية، فمن أروقة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، تتشكل ملامح جيل جديد من الدارسين والمختصين الذين استطاعوا تطويع تحديات النغمات والرموز الصينية لتصبح جسورًا للتواصل المعرفي والاقتصادي، ومع تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين مستويات قياسية، وتوسع آفاق التعاون لتشمل قطاعات متقدمة كالطاقة المتجددة وتكنولوجيا الفضاء والذكاء الاصطناعي، يبرز الحضور الواعي للكوادر العُمانية ليؤكد أن لغة الضاد وجدت في لغة "هان" شريكًا فاعلًا لرسم مستقبل واعد من التنمية والازدهار المشترك بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية.
وقال إسحاق يعقوب العزري محاضر اللغة الصينية بجامعة السلطان قابوس في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية: كان الدافع الأساسي لاختياري اللغة الصينية هو شغفي بتعلم لغة جديدة، ورغبتي في التميز من خلال تعلم لغة مختلفة عن اللغة الإنجليزية، كنت أبحث عن تجربة جديدة ومميزة تفتح لي آفاقًا أوسع للتعرّف، وفي الحقيقة، لم تكن البداية سهلة على الإطلاق، بل كانت مليئة بالتحديات، خاصة خلال سنواتي الأولى في الصين، فقد واجهت صعوبة في تعلم الحروف الصينية وفهم نظام النغمات الصوتية، إلى جانب بُعد المسافة عن الوطن وقلة توافر القواميس التي تترجم بين اللغتين العربية والصينية في الاتجاهين، وهو ما جعل عملية التعلم أكثر صعوبة في تلك الفترة، ولا أنسى أول محاضرة حضرتها في مدينة نانجينغ؛ فقد شعرت حينها بأن تعلم اللغة الصينية أمر بالغ الصعوبة، وكدت أفقد الأمل، خصوصًا عندما واجهت نظام الكتابة والنطق، لكن مع العزيمة والإصرار والرغبة الحقيقية في التعلم، بدأت تتغير نظرتي تدريجيًا، وأصبحت اللغة أكثر وضوحًا وسهولة بالنسبة إليّ، ومن أبرز العوامل التي ساعدتني على تجاوز هذه الصعوبات طبيعة الدراسة في الجامعات الصينية، التي تعتمد على كثافة الساعات التدريسية والواجبات اليومية والتدريب المستمر، كما أن محدودية استخدام اللغة الإنجليزية في الحياة اليومية آنذاك دفعتني إلى تعلم الصينية بسرعة؛ لأن التواصل مع المجتمع الصيني كان يتطلب مني فهم اللغة واستخدامها في المواقف اليومية، ومن التجارب الجميلة التي لا تزال عالقة في ذاكرتي أن المواطن الصيني كان بمثابة قاموس حي بالنسبة إليّ؛ فعندما أسأله عن معنى كلمة أو طريقة نطقها، كان يجيبني بكل رحابة صدر، ويكرر الكلمة أكثر من مرة، ويساعدني على تصحيح نطقي حتى أتأكد من أنني أنطقها بصورة صحيحة، وقد أسهم هذا التفاعل اليومي كثيرًا في تطوير مهاراتي اللغوية وتعزيز ثقتي بنفسي.
ارتباط الصوت بالمعنى
وأشار إلى أن ما يميز طبيعة اللغة الصينية أنها ليست مجرد لغة للحفظ والتواصل، بل تتطلب أيضًا تركيزًا ذهنيًا وفهمًا دقيقًا للعلاقة بين الصوت والمعنى، فاللغة الصينية المعيارية تعتمد على أربع نغمات صوتية أساسية، إضافة إلى النغمة المحايدة، ويمكن أن يتغير معنى المقطع الصوتي الواحد بتغير النغمة المستخدمة في نطقه، وهنا تكمن إحدى أبرز تحديات اللغة الصينية؛ فتغيير النغمة قد يؤدي إلى تغيير المعنى بالكامل، حتى عندما تبقى الحروف اللاتينية المستخدمة في كتابة النطق متشابهة، ومع مرور الوقت، أدركت أن تعلم اللغة الصينية لا يعتمد على الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والممارسة اليومية والبيئة التعليمية المناسبة، وقد علمتني هذه الرحلة أن الصعوبات التي تبدو مستحيلة في البداية يمكن تجاوزها بالإصرار والاستمرارية، وأن الشغف الحقيقي بالتعلم قادر على تحويل التحدي إلى فرصة، والصعوبة إلى إنجاز، واليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة، أرى أن اختياري للغة الصينية كان قرارًا أسهم في تشكيل مسيرتي الأكاديمية والمهنية، وفتح أمامي آفاقًا واسعة للتواصل الثقافي والتعليمي بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، مشيرًا إلى أن أهم ميزة أقدمها للطالب العُماني هي أنني مررت بالتجربة نفسها التي يمر بها اليوم أثناء تعلم اللغة الصينية، وعشت الصعوبات التي قد يواجهها في فهم المعاني وطريقة الكتابة والنطق، لذلك، استطعت من خلال تجربتي الشخصية وخبرتي التي تتجاوز 14 عامًا في تدريس اللغة الصينية أن أُبسّط هذه الصعوبات، وأوصل المعلومة للطالب بطريقة سهلة وواضحة، مع مراعاة لغته وثقافته، ومن خلال تجربتي في جامعة السلطان قابوس، لاحظت أن كثيرًا من الطلاب لديهم أهداف مستقبلية من تعلم اللغة الصينية، سواء لمواصلة الدراسات العليا، أو البحث العلمي، أو العمل في مجال التجارة والأعمال، وقد واصل عدد من الطلاب دراساتهم العليا في الصين بعد تعلم اللغة، وهذا أمر أعتز به كثيرًا، واليوم، نشهد اهتمامًا متزايدًا بتعلم اللغة الصينية في سلطنة عُمان، سواء في الجامعات أو المدارس الحكومية والخاصة، وأرى أن دوري لا يقتصر على تعليم اللغة فقط، بل يشمل أيضًا تشجيع الطلاب على الاستفادة منها في دراستهم ومستقبلهم المهني، وتعريفهم بالثقافة الصينية، بما يعزز التواصل والتعاون بين سلطنة عُمان والصين.
اللغات المؤثرة
وأوضح أن اللغة الصينية فرضت حضورها وأهميتها خلال السنوات العشر الماضية في مختلف المجالات، وأصبحت اليوم من اللغات المؤثرة على مستوى العالم، في ظل المكانة الاقتصادية المتقدمة التي وصلت إليها الصين، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مع توقعات العديد من الخبراء الاقتصاديين بأن تتصدر الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، ومن هذا المنطلق، فإن تعلم اللغة الصينية لا يقتصر على اكتساب مهارة لغوية جديدة، بل يمثل وسيلة مهمة لفهم الثقافة الصينية وطبيعة المجتمع والشخصية الصينية، والتعرف على أساليب التفكير والتواصل والتعامل مع الجانب الصيني، أما على مستوى العلاقات العُمانية الصينية، فهناك تبادل تجاري واقتصادي كبير، وصل حجمه إلى أكثر من 14 مليار ريال عُماني، إلى جانب وجود استثمارات ومشروعات مشتركة بين البلدين، ولا شك أن اللغة تمثل جسر التواصل الأساسي الذي يدعم هذه العلاقات ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون التجاري والاستثماري، ومن خلال تجربتي ومعرفتي المباشرة وتواصلي مع الشركات الصينية العاملة في سلطنة عُمان أو الموجودة في الصين، لاحظت وجود نقص واضح في الكفاءات العُمانية التي تتقن اللغة الصينية، ولذلك أؤمن بأن الطالب العُماني الذي يمتلك مهارات جيدة في اللغة الصينية، إلى جانب مهارات التواصل والمعرفة العملية، ستكون أمامه فرص واسعة في سوق العمل، وقد تتجاوز هذه الفرص الحصول على وظيفة إلى تأسيس مشروع تجاري خاص أو الدخول في شراكات واستثمارات مع الجانب الصيني، لذلك، فإن تعلم اللغة الصينية لم يعد مجرد خيار أكاديمي، بل أصبح استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الطالب العُماني، وفرصة لفتح أبواب جديدة أمامه في عالم الأعمال والاقتصاد.
عُمان بنظرة صينية
وقالت وانغ مو يي صحفية صينية تجيد العربية: أرى أن دورنا كصحفيين صينيين نتحدث العربية لا يقتصر على نقل الأخبار والمعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر للتواصل والتفاهم بين الشعبين الصيني والعُماني، من خلال نقل صورة التعاون بين البلدين إلى الجمهور العربي والصيني، ومساعدة كل طرف على التعرف على الآخر بشكل أعمق، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح لنا التواصل المباشر مع الجمهور ومشاركة القصص والتجارب.
على سبيل المثال، في عام 2025، وخلال أحد المعارض في الصين، تعرفت على قصة التعاون الصيني العُماني في تطوير وإطلاق أول قمر صناعي عُماني، وأجريت مقابلة مع أحد العارضين العُمانيين، ثم نشرت الفيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي الصينية والعربية؛ حيث حظي بتفاعل وترحيب من الجمهور، كما أعددت برنامجًا عن فنانة صينية تعزف على آلة العود، وقد نشرته إحدى وسائل الإعلام العُمانية، مما أتاح للجمهور العُماني التعرف على اهتمام الصينيين بالثقافة والفنون العربية، وأعتقد أن من مسؤوليتنا كصحفيين نتقن اللغة العربية أن نبحث عن مثل هذه القصص، وأن نسلط الضوء عليها ونرويها من خلال وسائل الإعلام، لأنها تسهم في تعزيز التواصل والتفاهم وترسيخ الصداقة بين البلدين.
العلاقات العُمانية الصينية
وأوضحت أن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى بكين حظيت باهتمام من وسائل الإعلام الصينية، التي سلطت الضوء على أهميتها في مسيرة العلاقات الصينية العُمانية، فهي أول زيارة لجلالة السلطان إلى الصين منذ توليه مقاليد الحكم، كما أنها أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل 48 عامًا، وأكدت التغطيات الإعلامية الصينية أن هذه الزيارة تحمل أهمية كبيرة في تعزيز العلاقات الثنائية ودفع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين إلى آفاق أوسع، فالصين وسلطنة عُمان تربطهما صداقة عميقة، وخلال السنوات الأخيرة، وفي ظل التوجيه الاستراتيجي من الرئيس الصيني شي جين بينغ وجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، شهدت الثقة السياسية المتبادلة بين البلدين مزيدًا من التعزيز، والتقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بشكل مستمر، كما ازدادت التبادلات الثقافية والإنسانية، مع الحفاظ على تواصل وتنسيق جيدين في القضايا الإقليمية والدولية، وقد أكد الجانب الصيني استعداده للعمل مع الجانب العُماني لاغتنام هذه الزيارة كفرصة جديدة، من أجل دفع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين نحو مزيد من التقدم وتحقيق نتائج أوسع في مختلف المجالات.
مكان عُمان عالميًا
وأشارت إلى أن هناك عدة قطاعات واعدة يمكن أن تشهد تطورًا كبيرًا في التعاون بين الصين وسلطنة عُمان، بينها قطاع الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر؛ حيث تمتلك الصين خبرة وتكنولوجيا متقدمة، ويمكن أن تسهم في دعم التحول نحو الطاقة النظيفة في سلطنة عُمان، إضافة إلى التكنولوجيا والابتكار، وخاصة الذكاء الاصطناعي والاتصالات والصناعات المتقدمة، إلى جانب تبادل الخبرات وتدريب الكفاءات العُمانية، أضف إلى ذلك قطاع اللوجستيات والاستثمار الصناعي، فموقع سلطنة عُمان الاستراتيجي وموانئها ومناطقها الاقتصادية، مثل الدقم وصحار وصلالة، توفر فرصًا مهمة للشركات الصينية للاستثمار وتطوير مشاريع صناعية ومراكز لوجستية، وأعتقد أن الأهم في المرحلة المقبلة هو ألا يقتصر التعاون على التجارة والاستثمار فقط، بل أن يتجه أيضًا نحو نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات وبناء القدرات، بما يحقق التنمية المشتركة ويعود بالنفع على الشعبين الصيني والعُماني، مؤكدة أن سلطنة عُمان تحتل موقعًا استراتيجيًا مهمًا في نظرة الصين إلى المنطقة، فهي لا تمثل سوقًا واعدة فحسب، بل تعد أيضًا بوابة مهمة تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن منظور الأوساط الاقتصادية الصينية، تتمتع سلطنة عُمان بمزايا جغرافية ولوجستية كبيرة، خاصة بفضل موقعها المطل على بحر العرب، وموانئها المهمة التي تتيح فرصًا واسعة لتعزيز التجارة والنقل البحري، وتوسيع حضور الشركات الصينية في المنطقة، كما أن منطقة الدقم الاقتصادية تعد مثالًا واضحًا على التقاء رؤية "عُمان 2040" بمبادرة الحزام والطريق؛ حيث توفر فرصًا للتعاون في البنية التحتية والصناعة والاستثمار، وأعتقد أن ما يميز سلطنة عُمان أيضًا هو رغبتها في تنويع اقتصادها والانفتاح على الشراكات الدولية، وهذا يتوافق مع توجه الصين نحو تعزيز الترابط والتعاون الاقتصادي مع دول المنطقة، لذلك، أرى أن أهمية سلطنة عُمان بالنسبة للصين لا تكمن في موقعها الجغرافي فقط، بل أيضًا في كونها شريكًا يمكن العمل معه لبناء جسور اقتصادية وتجارية تربط الصين بالمنطقة والأسواق العالمية، ومن المجالات التي أرى أنها تحمل آفاقًا واعدة للتعاون بين الصين وعُمان، قطاع الفضاء وتكنولوجيا الأقمار الصناعية، فقد حقق البلدان بالفعل نتائج ملموسة في هذا المجال، ففي عام 2024، أطلقت الصين القمر الصناعي العُماني الأول للاستشعار عن بُعد OL-1، من خلال صاروخ صيني، وقد أُدرج هذا القمر في محتوى مادة الدراسات الاجتماعية للصف السابع؛ للتعريف بقصة هذا التعاون الصيني العُماني، كما لم يقتصر التعاون بين البلدين على إطلاق القمر الصناعي، بل شمل أيضًا توفير الأنظمة الأرضية وبرامج التحكم، إلى جانب تدريب الكوادر العُمانية، بما يساعد سلطنة عُمان على بناء قدراتها الخاصة في هذا القطاع، وقبل ذلك، في عام 2023، تعاونت جامعة السلطان قابوس مع شركة صينية لإرسال أول نموذج ذكاء اصطناعي عُماني إلى الفضاء، في خطوة تعكس أهمية مشاركة الجامعات والطلاب في مشاريع الفضاء، كما استُخدمت صور الأقمار الصناعية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة للمساعدة في إحصاء أشجار النخيل في سلطنة عُمان، وهو مثال عملي على توظيف تكنولوجيا الفضاء في خدمة الزراعة وإدارة الموارد، وفي عام 2026، امتد هذا التعاون إلى مجال مراقبة المحيطات والبيئة البحرية، من خلال اتفاقية بين جامعة السلطان قابوس والمعهد الثاني لعلوم المحيطات في الصين لإنشاء محطة أرضية متخصصة لاستقبال صور الأقمار الصناعية، ويمتد التعاون إلى استكشاف الفضاء العميق؛ فقد دخلت سلطنة عُمان في شراكة مع مختبر استكشاف الفضاء العميق الصيني للتعاون في مشروع محطة الأبحاث الدولية على القمر، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين والمهندسين العُمانيين للمشاركة في الأبحاث العلمية المستقبلية، وهذا يعني أن التعاون الصيني العُماني في مجال الفضاء يمكن أن ينتقل تدريجيًا من مرحلة الاستفادة من التكنولوجيا إلى مرحلة المشاركة في تطويرها وإنتاجها، وهو ما ينسجم مع طموحات سلطنة عُمان في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
التاريخ البحري المشترك
وأكدت أن التاريخ البحري المشترك بين سلطنة عُمان والصين يمثل فرصة مميزة لتعزيز السياحة والتبادل الثقافي بين الشعبين؛ لأنه ليس مجرد تاريخ للتجارة والملاحة، بل هو أيضًا تاريخ للتواصل الإنساني والحضاري، فعندما نتحدث عن هذا التاريخ، لا بد أن نتذكر الرحالة الصيني الشهير تشنغ خه، الذي يعرفه كثير من الصينيين، والذي زارت أساطيله سلطنة عُمان عدة مرات قبل أكثر من 600 عام، واليوم، يمكن للزوار في مدينة صلالة مشاهدة النصب التذكاري لتشنغ خه، الذي افتُتح عام 2023، ليكون رمزًا للصداقة التاريخية بين البلدين، ومن اللافت أيضًا أن عُمان أعادت إحياء هذا الإرث من خلال سفينة «صحار» التي أبحرت عام 1980 من ميناء صحار إلى مدينة قوانغتشو الصينية، في رحلة أعادت إحياء مسار الملاحة التاريخي للبحّار العُماني أبي عبيدة، وأعتقد أنه يمكن البناء على هذه القصص لتطوير مسارات سياحية وثقافية مشتركة، تربط بين المواقع التاريخية في سلطنة عُمان، مثل صلالة وصور ومتاحفها البحرية، وبين المدن الصينية التي ارتبطت تاريخيًا بالتجارة البحرية، مثل قوانغتشو وتشيوانتشو، كما يمكن تنظيم معارض بحرية مشتركة، ورحلات ثقافية، وبرامج وثائقية، وتبادل للطلاب والباحثين، حتى لا يظل هذا التاريخ مجرد صفحات في الكتب، بل يتحول إلى تجربة حية يتعرف من خلالها الجيل الجديد على حضارة البلد الآخر، ففي رأيي، إن أجمل ما يمكن أن نستفيده من هذا الإرث هو أن نجعل من طرق الملاحة القديمة جسورًا جديدة للتواصل بين الشعبين، وأن نواصل اليوم ما بدأه البحارة والتجار قبل مئات السنين، ولكن بوسائل وفرص جديدة.
تجارب طلابية ملهمة
وفي ظل تنامي العلاقات الاستراتيجية والتبادل التجاري المتصاعد بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، تمثل تجارب الطلبة العُمانيين الدارسين للغة الصينية في جامعة السلطان قابوس نموذجًا حيًا للوعي بأهمية بناء جسور التواصل الثقافي والاقتصادي.
إذ تؤكد أروى بنت مرعي البادي طالبة بكلية العلوم، أن دوافعها انطلقت من فضول وشغف لاكتشاف ثقافة مختلفة بعيدًا عن حدود الترجمة الحرفية، موضحة أن رحلتها جمعت بين متعة الاكتشاف والتخطيط المستقبلي.
وقالت: إن إتقان العد حتى ألف والتعرف على الرموز ذات الدلالات البصرية شكّلا محطات فخر لي، بينما يبقى التحدث بطلاقة وتجاوز التردد التحدي الأكبر الذي أتغلب عليه بالممارسة والدعم المستمر، معتبرة تعلم اللغة استثمارًا طويل المدى لتوسيع آفاق التواصل الإنساني.
ومن جانبه، يوضح أسامة بن إسحاق الإسماعيلي طالب بكلية الهندسة، أن انضمامه لدراسة اللغة جاء تلبية لدخول الصين الاقتصادي الواسع في السوق العُماني، مدمجًا بين الشغف الثقافي والرؤية المستقبلية، وبفضل خلفيته في محاكاة أصوات الرسوم المتحركة طفوليًا، استطاع تجاوز مخارج الحروف بسهولة دون صعوبات تُذكر، طامحًا إلى مواصلة دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الصين ليعمل كوسيط لغوي في العلاقات العامة بين الشركات العربية والصينية.
أما محمد بن خالد بن أحمد الشعيبي طالب هندسة كهربائية والحاسب الآلي، فينظر للغة بمنظور استراتيجي تجاري بحت؛ فهو يدير حاليًا نشاطًا تجاريًا يعتمد على الاستيراد من الصين، ووجد في تعلم اللغة أداة جوهرية لرفع كفاءة صفقاته وإلغاء الوساطة اللغوية، وقد أتقن مهارات التحيات ونظام النطق الصوتي (Pinyin)، معتبرًا أن كتابة الرموز (Hanzi) تمثل التحدي الأكبر، وفتحت له الدراسة بابًا لفهم عميق لبيئة العمل الصينية القائمة على الانضباط، مخططًا لتوظيف اللغة في توسيع مشاريعه الهندسية والتجارية.
وفي السياق ذاته، تشير فاطمة بن سالم الوهيبي طالبة بكلية الهندسة، إلى أن مقرر الجامعة أتاح لها فرصة مثالية لتنظيم بداية تعلم اللغة الصينية بعد تشتت مصادر المعرفة الذاتية، وتحتفي بإتقان العد التلقائي وفهم الرموز البصرية المعبرة كرمز القمر، مؤكدة أن المجتمع الصيني يتميز بالتنوع والاهتمام بالآخرين، وتطمح لاستغلال مهاراتها اللغوية جنبًا إلى جنب مع مسيرتها الهندسية، متطلعة للدراسة في الصين والمساهمة الفاعلة في تعزيز التبادل الثقافي بين البلدين.
وأكدت اليقين بنت عبدالله الجابري طالبة بكلية التربية، أن شغفها بالفنون البصرية وتاريخ الصين العريق والتقدم التكنولوجي الهائل دفعها لتعلم لغتها الأم لنقل المعرفة من مصدرها؛ إذ إن الرموز الصينية بدت ممتعة كرسوم بصرية تُسهّل التخمين، بينما يظل ضبط النغمات الأربع التحدي الأكبر، وتطمح لاستثمار اللغة بعد التخرج في دراسة تقنيات الخزف، ونظام التعليم وطرق التدريس الصينية، ونقل أسرار الطب التقليدي للاستفادة منها في تطوير مسيرتها الأكاديمية والمهنية.
وقالت الإعلامية الصينية ليانغ سوو لي: تكتسب زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى الصين أهمية خاصة للعلاقات العُمانية الصينية التي تجمع بين عمق تاريخي يمتد لقرون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وأعتقد أن الصحفي الذي يتقن لغة الطرف الآخر وثقافته يمتلك فرصة فريدة لتقريب وجهات النظر ونقل المعاني بدقة، فالغاية ليست أن نجعل شعبًا يرى العالم بالطريقة نفسها التي يراه بها شعب آخر، بل أن نساعد كل طرف على فهم الطرف الآخر بصورة أفضل، بما يعزز الثقة والاحترام المتبادل ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون.
وأكدت أن سلطنة عُمان تتمتع بموقع جغرافي يمنحها أهمية واضحة في حركة التجارة البحرية والربط بين الأسواق الآسيوية والخليجية والأسواق الأوسع، غير أن جاذبيتها الاقتصادية لا تنبع من موقعها وحده، بل من تكامل هذا الموقع مع الموانئ والمناطق الاقتصادية والحرة، والجهود الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص، ومن منظور الشركات الصينية، تتيح هذه المقومات فرصًا لتطوير مشروعات صناعية ولوجستية، وإنشاء مراكز للتخزين والتوزيع، وتوسيع سلاسل الإمداد المرتبطة بالتجارة الإقليمية والدولية، كما يمكن أن تستفيد الشركات من البيئة الاستثمارية العُمانية للوصول إلى فرص جديدة، شريطة دراسة المتطلبات التنظيمية والتجارية لكل سوق على حدة.
وأوضحت أن هناك تقاطعًا واضحًا بين رؤية "عُمان 2040" ومبادرة الحزام والطريق في مجالات البنية الأساسية والربط الاقتصادي والتجارة والاستثمار والتنمية الصناعية، فالرؤية العُمانية تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية، فيما توفر مبادرة الحزام والطريق إطارًا للتعاون في تطوير الترابط الاقتصادي وتوسيع فرص التجارة والاستثمار، لكنني أرى أن الأهم من وصف عُمان بأنها بوابة إقليمية هو تحديد ما يمكن أن تحققه هذه المكانة عمليًا، فالتعاون الأكثر فائدة هو الذي يحول الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية من خلال الإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية، ويعزز مشاركة الشركات العُمانية في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، وبهذا المعنى، لا ينبغي أن تقتصر العلاقة على استخدام عُمان ممرًا للسلع، بل يمكن أن تتطور إلى شراكة تسهم في بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية المحلية، وتفتح فرصًا جديدة أمام الاقتصاد العُماني والشركات الصينية على حد سواء.