لا بد أن ندرك أهمية التدوين والتوثيق وكتابة كل التفاصيل المهمة في جميع شؤون حياتنا، سواء في التعلم والتدريب والعمل والسفر والتخطيط والأحداث اليومية التي نمر بها، وكذلك في التفكر والتدبر وفي مراجعة أمور حياتنا وإعادة توجيه البوصلة من جديد لإحداث التغيير المستمر للأفضل والتحسن المستمر، ويكون بذلك التدوين مرشدًا لنا في الوصول لغاياتنا وأهدافنا.


ويجب ألا يستصغر الفرد منا التدوين والتوثيق المستمر؛ لأنهما صنعا أجيالًا مبدعة وملهمة تمتعت بالعطاء السخي لشعوبها، وبمساعدة الناشئة على تعلم كتابة مذكراتهم اليومية ورصد كل «شاردة وواردة» للأحداث والمواقف وتلخيص ما يقرؤون من كتب وغيرها، وحتى الخواطر والأهداف والتطلعات والملاحظات العابرة، يفتح لهم آفاقًا كثيرة وواسعة، ويمكنهم من التطور والرقي والنمو من فترة لأخرى في سلم النجاح القريب والبعيد.


ويعتبر التدوين بمثابة المرشد للاستمرار في تحقيق الأهداف من مرحلة إلى أخرى بفضل الخطوات التي تمت كتابتها سابقًا والتي تحدد تفاصيل مشاريع النجاح المستقبلية.


وقيل إن من يكتب أهدافه وخططه المستقبلية والاستراتيجية هو من يظفر بنصيب الأسد من الإنجازات في المستقبل، وإن كانت نسبتهم عن بقية الناس لا تتعدى 3%.


إذا أراد الفرد منا تنمية ذاته، فإنه يضع لنفسه خطة مكتوبة ويحدد فيها متطلباته والمدة الزمنية للإنجاز والأعمال اليومية بأوقاتها حتى يتسنى له التركيز عند التنفيذ، وكذلك عليه أن يقوم بتهيئة نفسه لعوامل النجاح المعروفة، وهي الوقت والجهد والمال اللازم.


ولا بد أن يلازم كلّ منا مفكرته الخاصة لكي يرصد من خلالها تفاصيل وأحداثًا عابرة، ويتصيد ما ينفعه من أفكار وفوائد نتيجة التواصل اليومي مع فئات المجتمع ومؤسساته وما ينتج عنه من أمور مميزة تستحق التدوين والتوثيق.


وبسبب تشتت الناس وسط الكم الهائل من الأعمال والأحداث والمتغيرات والقلق على متطلبات الحياة المادية، لا يتمكنون من الاحتفاظ بتفاصيلها إذا لم يدونوها أولًا بأول ويكتبوا الملاحظات التي قد تصنع التغيير للأفضل.


لقد أصبح السعي للحصول على الوثائق والمخطوطات والكتابات أمرًا مهمًّا في إنجاز أمور معينة وحل مشكلات مختلفة والتوصل إلى الحقائق والخلفيات التاريخية لشتى المجالات، ولجأ الباحثون إلى تلك الزمرة التي قامت بالتدوين والتوثيق المتواصل والمتسلسل.


وأصبحت المعلومة المهمة مطلبًا للباحثين والدارسين والمهتمين، كل حسب مجاله وتخصصه، للتأسيس والبناء عليها ووضعها كلبنة مهمة وأساسية يكمل بها البحث والدراسة.
بالاستمرار في التدوين والتوثيق لجميع لحظات ومواقف حياتنا، نستطيع كتابة سيرتنا الذاتية من خلال تسلسل الأحداث الواقعية المدونة في السابق وما شملته من محطات مهمة ومصيرية، ونأخذ منها العبر ويستلهم منها الآخرون الكثير من العبر والدروس، وتبقى محفوظة في الكتب لأجيال قادمة.


وتشمل السير الذاتية الإنجازات المهمة وتواليها، وتساعد صاحبها على الاستمرار في النمو والتقدم لإنجاز المزيد من أجل إحداث التغيير والتقدم الذي تتطلبه الحياة المتسارعة والمتجددة، ويكون نموذجًا يُحتذى في التدوين والإنجاز.


بالإمكان تدريب الطلاب وتعويدهم على التدوين لكل ما يخصهم ويدور حولهم، ويجب الإشراف والمتابعة لهؤلاء الطلاب وتعريفهم بأهمية التدوين وأهدافه ونتائجه على المدى البعيد، وحتى يكون التدوين لهم عادة تلازمهم طوال حياتهم ويستفيدون منها ويفيدون الآخرين.

ويظل المفكر والكاتب والمؤلف ملازمين للأوراق والأقلام لرصد الخواطر والمعلومات والأفكار في أي لحظة، حتى تعينهم على التوسع والإسهاب والتعمق في المواضيع المهمة والبناء عليها لتكون مواضيع ذات صدى في المجتمع.


مهما اختلفت أدوات وطرق التدوين والتوثيق، فسيظل جوهر التدوين والتوثيق حاضرًا ومتناميًا عبر الأيام والسنين، وأن يكون ذلك بصفة يومية نتيجة الفكر المتجدد والأفكار الغزيرة التي ينتجها ويستقبلها الفرد.