منذ أيام قليلة، أخبرني عددٌ من الأصدقاء عن بعض المواقف التي تعرضوا لها إثر استخدامهم للذكاء الاصطناعي في أعمالهم البحثية، فأحد المتحدثين أسرّ لي بأن بحث الدكتوراه الذي قدمه إلى إحدى المجلات المحكمة عالميًا تم رفضه وإعادته إليه، رغم أنه بذل اجتهادًا حثيثًا في تجويده، وعلة الرفض لم تكن منه شخصيًا، ولكنها جاءت من طريقة عمل الشخص الذي أُسندت إليه مهمة المراجعة والتدقيق، حيث لم يألُ جهدًا في عمله الأكاديمي، رغم تقاضيه مبلغًا ماليًا محترمًا، وإنما عهد بالمهمة كاملة إلى الذكاء الاصطناعي، فتم نسف كل الجهد برفض المجلة قبول نشره معها، وبالتالي أصبح الأمر أكثر تعقيدًا، والعودة إلى المربع الأول، والبحث عن مجلة أخرى لقبول النشر كمتطلب أساسي في الانتقال إلى مرحلة المناقشة النهائية للبحث العلمي، وأيضًا تداركًا للخطأ السابق، عليه أن يقدم البحث بشكل جديد حتى لا يُرفض ثانيةً!


طرف آخر تحدث لي عن إصراره على رفض فكرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في عمل البحوث، لذا قام بالتنبيه التام على طلابه في الدراسات العليا بعدم الاستسهال في أمر إعداد البحوث التي تُطلب منهم كمتطلب دراسي، والابتعاد التام عن شراء البحث الجاهز من بعض الأشخاص أو المواقع التي توفر البحوث الجاهزة نظير تلقي الأموال من الطلاب، أو جعل الذكاء الاصطناعي هو من يقوم بالمهمة كاملة في إعداد بحث علمي دون أي تدخل من الطالب سوى رمي الكرة في الملعب الإلكتروني.


وأردف قائلًا: منذ أن دخل الذكاء الاصطناعي في مجال عمل البحوث، ونحن نعيش حالة من عدم اليقين بأن البحث الذي نقرأ صفحاته ونعجب بما فيه لم يكن وليدًا بشريًا حقيقيًا، بقدر ما هو نتاج إلكتروني خالص تم توليده بخصائص محددة.


من المثير للاهتمام أن البعض يعتقد بأن التدخل الجراحي الذي يقوم به الذكاء الاصطناعي في توليد البحوث وإنجازها «لا يتم كشفه بسهولة»!
لكن المفارقة العجيبة أن الصياغة الإلكترونية تتخذ أحيانًا شكلًا وقالبًا معينًا من الناحية اللغوية والمعالجة الفنية، سواء بعقد المقارنات أو جلب الأمثلة أو حتى ديباجة الكلمات والجمل في سياق واحد تكون ملفتة للنظر، وهناك أمثلة كثيرة يستطيع المختصون والمهتمون الذين أصبحت لديهم الخبرة الكافية في عملية التفريق ما بين عمل بشري وآخر تم توليده إلكترونيًا باستخدام أدوات مساندة في كشف الحقيقة، رغم أن الذكاء الاصطناعي حاول إخفاءها بدقة.


وحتى اليوم، هناك تضارب في الرؤى، أو لنقل وجهات النظر، في استخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بإنجاز البحوث بمختلف مشاربها واتجاهاتها وتخصصاتها، فالبعض يرى بأن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ما هي إلا تجويد للعمل البحثي؛ لأن الفكرة الأساسية هي من الذات البشرية، أما التنسيق والمراجعة والتدقيق والتصحيح إلكترونيًا، فهذا لا يفقد البحث قيمته أو يؤثر فيه، ولكن هنا تم الإغفال عن نقطة مهمة، وهي أن الذكاء الاصطناعي أحيانًا يغير الكثير من الجمل ويجعلها بعيدة عن النطاق البشري المتعارف عليه، ولذلك عندما تقرأ نصًا أدبيًا أو علميًا، تكتشف بأن العمل ليس به روح الكاتب أو التلقائية البشرية المعهودة والمتعارف عليها.


بالمقابل، يرى بعض المعارضين لفكرة إسناد المهمة برمتها لأدوات الذكاء الاصطناعي، حتى وإن كانت بذور الفكرة بشرية، فإن ذلك لا يعطي الحق الكامل للباحث أو الكاتب، كائنًا من يكون، في نسبة العمل إلى ذاته، فهناك شريك آخر هو من قام بالعمل، واشتغل على ربط أوصاله بشكل محكم حتى يبدو في شكل مختلف عن حالته الأولى التي خرج بها في بادئ الأمر.


ويرون بأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل مهمة يمكن أن يؤدي إلى السقوط في اختبار القدرات الذهنية، وأيضًا يصبح الباحث بلا ذمة، والضمير يحاسبه على نسبة عمل ليس عمله!
لذلك، يبقى هناك سجال ما بين المؤيدين والمعارضين لاستخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في توليد البحوث العلمية والأدبية وغيرها.