كيف لفتى ابن سبع سنوات أن يفهم رمزيّة قول "حسني البرزان" في مسلسل "صحّ النوم": "إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا في البرازيل"، التي كان يكرّرها، ما كان يثير الابتسام لدينا نحن أطفال القرية، الذين ندفع قرشا كي نرى المسلسل من التلفزيون الذي كان يعتمد على طاقة مولّد كهرباء صغير كنّا نراه كبيرا؟ ثم لتمضي السنوات، فيكون تذكّري لعبارة حسني البرزان، الذي أدّى دوره الفنان الراحل نهاد قلعي الى جانب الفنان دريد لحام الذي أدى دور غوّار الطّوشة تأملا في حالنا والعالم؛ فلم تكن العبارة ونصّ المسلسل الذي قام بتأليفه نهاد ودريد إلا إيحاء رمزيا بالتفكير بما آل له المجتمع العربيّ من حال إثر هزيمتيّ عام 1948 وعام 1967.


-جريمة الكرك؟
-فما عما قبلها وما سيتلو، في سياق ما تتعرض له بلادنا من اعتداءات؛ فمن سينجو في ظل هذا التشظّي؟
-انتظرني لأكمل!
في عامنا الحادي عشر، بدأنا بتعلم أجهزة الجسم، وما زلت أذكر دهشتي وأنا طفل أتعلّم ما يلائم عمري عمل الجهازين الهضميّ والتنفسيّ بشكل خاص، وأتذكّر حينما طلب منا المعلم رسمهما، فرسمتُ بشغف، ولوّنت، ولم أكتف بذلك، بل بحثت في كتب أخي د. منصور الذي كان في السنة النهائية في كلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة، فوجدت وقتها أحد الكتب باللغة العربيّة، والذي كان بعنوان "جسم الإنسان"، الذي كان فتحا كبيرا لي، والذي لازمني عدة سنوات، ومنه تعمّق لديّ عمل أجهزة الجسم، وكان ذلك بالنسبة لي أسطورة، كون تلك الأجهزة غير مرئية.

صار خيالي يتّسع عقلي وأنا أرى الظاهر من الجسد وأتخيل المخفيّ، وأتأمل عملهما معا. "وفي أنفسكم أفلا تّبصرون". الآية 21 من سورة الذاريات. هو بصر العين والنفس إذن.


ثم لتستمرّ رحلة الوعي وتتعمّق حين تعلّمنا الحديثين الشّريفين: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" و"المؤمن للمؤمن كالبُنيان يَشُدُّ بعضُه بعضًا، ثم شبّك بين أصابعه".


في حكايتها رقم 27 التي جاءت بعنوان "نبضة" من "حكايات في التعلم" للمفكّرة الفلسطينية د. تفيدة الجرباوي، وفي ظل سردها عن التعلّم، تتذكّر حصّة الأحياء حيث التشريح. كانت الكاتبة ابن 16 عاما، حين اختبرت عن قرب علاقة أجهزة الجسم: "رأيت القلب النابض بوضوح.

بقيت أراقب حركته، مأخوذة بإيقاعه الدقيق. ثم بدأت أتتبّع مواضع الأعضاء واحدًا تلو الآخر. لم أكن أتعجل الانتهاء. كنت أريد أن أرى كل شيء، وأن أفهم أين يقع كل عضو، وكيف يتصل بما حوله. كنت أرى العلم يومها من زاوية الاكتشاف وحده. احتجت إلى سنوات حتى أفهم أن المعرفة لا تنفصل عن الرحمة والمسؤولية".


لخصت الجرباوي بعمق قصة الحضارة، بجوانبه السامية والنبيلة، التي تضمّ العلم والإنسانيّة معا، الادب والفكر والعلم، من خلال التنشئة السليمة، من خلال فهم عمل المنظومة معا، والقلب هنا بمعنى العلم والحياة والرحمة.


ولسنا مبالغين إن تحدثنا عن الحضارة العربيّة الإسلاميّة التي استندت الى أساس روحيّ، فقد شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء، حيث عاش في كنفها الجميع بأمان وكرامة، ف "لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتقوى".


لا ينقطع المثقّفون كغيرهم من الفئات، كذلك الأدباء والكتاب والأكاديميّون الإعلاميّون والفنّانون، عن حال البلاد، ونقصد بالبلاد بلادنا جميعا، فكلّ ودوره، "فلا يؤتينّ من قبلك"؛ فالتضامن داخل البلد الواحد وداخل بلادنا ليس ضرورة فقط، بل حياة بما تحمل الكلمة من معنى، وهنا يكتسب كلّ معلّم وكاتب وإعلامي، وكلّ من له علاقة بتنشئة الأطفال والفتيان والشباب في التعليمين العام والعالي صفة المسؤوليّة، لأن الخلاص داخل كل بلد وفي بلادنا هو الخلاص الجمعيّ، وما تعرّض له الأردن الحبيب من إيذاء في عقر داره، ليس قادما أبدا من ثقافتنا السمحة، بل تمّ بليل، استغلّ ظرفنا من يريدون لبلادنا الأذى، للعبث فيها ما يضعنا أمام أنفسنا لنُحاسبها إن كنّا قد قمنا ما يُقوّي مناعة الأفراد والجماعات، لأن "الفتنة أشدّ من القتل".


لا يقتصر دور صاحب الكلمة عند الحدود الجماليّة، أو إحداث التشويق الدرامي أو المتعة الأدبية، أو الشهرة الإعلامية، بل تتجاوز ذلك كله إلى تعميق التربيّة الوطنية والقومية على أساس روحيّ من جانب، وأساس وجوديّ نبيل ملتزم بالإنسانيّة.


ما أجمل التعبير العميق والإنساني في قول رسولنا الكريم: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؛ فلم يكتوي أهل الكرك وحدهم، ولا الأردن الشقيق بل اكتوينا جميعا، ولكن تقتضي المسؤولية ألا نتضامن فقط بالمشاعر، بل بالفعل المعبّر عن التضامن، لأنّ الخطر ليس مقتصرا على بلد محدّدة.

إن تأمل تداعي سائر الجسد بالسّهر والحمى، يضعنا في عمق إنسانيّ يشكّل ضمان السلم الأهلي والوطني والعالميّ.


"سائر الجسد"، كلمتان تدلان على أن بلادنا واحدة، ما يعني تحمّل المسؤولية في باقي قطاعات المجتمع التي تشكّل معا المنظومة التي تعني الانتظام، والارتباط، فلا تفضيل لجانب على آخر، فكلّ بما وُهب، وكلّ ودوره، وهكذا يتجلى معنى الحديث الشّريف: "المؤمن للمؤمن كالبُنيان يَشُدُّ بعضُه بعضًا".


لا يكفي أن يتألم الكاتب والنخب الثقافية والفنية والإعلامية التي يجمعها الكلمة، ولا يستحسن بنا الوقوف عند الرثاء والبكاء، بل علينا أن نذهب الى الجذور، لنرى أثر النموّ على السيقان والغصون والورق والثمر؛ حتى نضمن وجودنا جميعا داخل المنظومة.


عبارة "الوطن ليس لناس وناس الوطن لكل الناس"، التي يتمّ تداولها في سياق نقد التعسّف استئثار فئات بالمقدرات، تمنح لنفسها بامتيازات، بينما يتحمل عامة الناس العبء والمسؤولية. وهنا، فإن الكثير من شعوبنا تحتاج الحكم الصالح والشّفافيّة، و"إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".


-والكرك؟
-ترتبط الكرك بنا جميعا بما عاقب به صلاح الدين أرناط، قاطع طريق الحجيج بما يستحقّ، كذلك بقلعتها، ولي ذكرى ليلة مررنا منها في طريقنا من فلسطين إلى الحجّ؛ وحتى نعاقب ونحمي، لا بدّ من فعل نبيل وكلمة باتجاهه.


وأخيرا لعلنا قبل اللوم والعتاب والعقاب، نُسائل أنفسنا، من خلال الكلمة الصادقة، عمّا قدمناه ونقدّمه لشعوبنا معا. وقتها ستخفّ الفجوات، ونجسرها، وبذلك نضمن مناعة الجسد الواحد، وتلك هي المسؤولية، والدور الأكثر نبلا. إنها ثقافة الفروسيّة: الكلّ للواحد، والواحد للكلّ.