شهد الشهر الماضي واقعتـيـْنِ وضعتا مدى تقبّل عقوبة الإعدام، بالطريقة التي تُنفّذ بها في الولايات المتحدة، أمام اختبار صعب. ففي 30 سبتمبر، أخفقت ولاية تينيسي في تنفيذ حكم الإعدام بحق كريستا بايك، التي نجت رغم حقنها بجرعتين من مادة البنتوباربيتال، وهي مادة مخدّرة تُستخدم بجرعات عالية في تنفيذ أحكام الإعدام بالحقن المميت.

وبعد ثمانية أيام، دعا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث المواطنين، بحماس واضح، إلى متابعة بث مباشر لعملية إعدام نضال حسن رميًا بالرصاص، والمقرر تنفيذها في الثالث من ديسمبر. واستغرق الأمر أسبوعًا آخر قبل أن يقرر الرئيس دونالد ترامب إلغاء البث، عقب موجة من الاستنكار.

وقال ترامب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: إنه كان يعتقد أن بث عملية الإعدام مباشرة سيبعث برسالة مهمة عن قوة الولايات المتحدة، لكنه تقبّل حقيقة أن «كثيرًا من الأشخاص الطيبين وأصحاب النوايا الحسنة يفضلون عدم المشاهدة». وبدا من حديثه وكأن المسألة تتعلق بما يطلبه المشاهدون، أكثر من ارتباطها بقضية أخلاقية.

أما محاولة إعدام كريستا بايك الفاشلة، فلم تُظهر ولاية تينيسي بمظهر القوة. ورغم أن عملية الإعدام جرت بعيدًا عن الجمهور، فقد خُصصت غرف للمراقبة متصلة بغرفة تنفيذ الحكم.

وفي إحدى تلك الغرف، جلست ماي مارتينيز، والدة كولين سليمر، التي كانت تبلغ من العمر 19 عامًا عندما اعتدت عليها بايك بالضرب وقتلتها عام 1995، بمساعدة اثنين من المراهقين. وكانت بايك آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها. وفي غرفة أخرى، جلس مجموعة من الصحفيين اختيروا لحضور عملية الإعدام بصفتهم شهودًا من وسائل الإعلام.

ووفقًا لروايات الصحفيين، سُحبت في الساعة السابعة وست وعشرين دقيقة مساءً ستارة سوداء كانت تغطي نافذة زجاجية كبيرة، فشاهدوا بايك مقيدة إلى سرير طبي متحرك. وكان موظفو السجن قد أدخلوا بالفعل أنابيب الحقن الوريدي في جسدها، ثم غادروا غرفة الإعدام لبدء ضخ مادة البنتوباربيتال من غرفة أخرى.

واستمع الصحفيون عبر ميكروفون إلى بايك وهي تنطق بما كان يُفترض أن تكون كلماتها الأخيرة، التي تحدثت فيها عن الحب، ثم أخذت تغني برفقة مرشدها الروحي البوذيي. وبعد ذلك، سمعوها تتساءل عما إذا كان من الطبيعي أن تشعر بهذا القدر من الألم في ذراعها، حتى إنها أحست وكأن عروقها على وشك الانفجار. ورفعت بايك رأسها وأخذت تحرك ساقيها بعنف، مما أدى إلى سقوط الغطاء عن السرير.

وفي الساعة السابعة وست وأربعين دقيقة مساءً، أُغلقت الستارة. وبعد ثلاث دقائق، فُتحت مجددًا، على ما يبدو لتمكين الشهود من مشاهدة تأثير جرعة ثانية احتياطية من المادة القاتلة. لكن ما شاهدوه كان امرأة لا تزال على قيد الحياة بصورة واضحة. وفي الساعة الثامنة وخمس دقائق مساءً، أُغلقت الستارة مرة أخرى، بينما ظل الميكروفون يعمل، فاستمر الصحفيون في سماع أنفاس بايك المتعثرة وأصوات شخيرها.

وعندما أُبلغوا أخيرًا، في الساعة الثامنة وثلاث وخمسين دقيقة مساءً، بأن عليهم المغادرة، كانوا شبه متأكدين من أن بايك لا تزال حية. وقال ستيفن هيل، الصحفي في صحيفة «ناشفيل بانر»، خلال مؤتمر صحفي عُقد عقب الواقعة: «لا أستطيع التأكيد بما يكفي على أن جزءًا كبيرًا مما حدث، أيًّا كان ما جرى بالفعل، وقع خلف ستارة مغلقة».وخلال الأيام التالية، تكشفت تفاصيل إضافية. فبحسب محامي بايك، واجه الطاقم الطبي صعوبات في تركيب أنابيب الحقن الوريدي قبل فتح الستارة، واضطروا إلى استخدام سبع إبر على الأقل. وتُرجح إحدى الفرضيات أن أنبوب الحقن وُضع في غير موضعه الصحيح، أو أن أحد الأوردة تعرض للتمزق، مما أدى إلى تسرب مادة البنتوباربيتال إلى الأنسجة المحيطة به.

وكان محامو بايك قد حذروا في مذكرات قدموها إلى المحكمة من أنها تعاني مشكلات في الدم والدورة الدموية، تجعلها عرضة لهذا النوع من المضاعفات تحديدًا. كما دفعوا بأن العنف الجنسي الذي تعرضت له في طفولتها كان ينبغي أن يحظى بقدر أكبر من الاعتبار عند إصدار الحكم عليها.

ويُعد الحقن المميت أكثر وسائل تنفيذ عقوبة الإعدام شيوعًا في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد أفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن مشكلات الحقن الوريدي تسببت في تعثر أكثر من ست عمليات إعدام منذ عام 2009، من بينها عملية جرت في ولاية تينيسي خلال مايو الماضي.

وتتميز قضية بايك عن غيرها بأن الفريق المكلف بتنفيذ الحكم مضى في حقنها بمادة البنتوباربيتال رغم المشكلات التي واجهها. ومن المؤكد أن مدى الاستهتار الذي انطوى عليه هذا القرار سيكون من أبرز المسائل التي سيتناولها التحقيق الذي أمر بإجرائه بيل لي، حاكم ولاية تينيسي.

وقد قرر لي تأجيل تنفيذ أحكام إعدام أخرى كانت مقررة، لكنه لم يوضح حتى الآن ما إذا كانت الولاية ستعاود محاولة إعدام بايك، التي ظلت فاقدة للوعي عدة أيام قبل أن تستيقظ في أحد المستشفيات، وهي تعاني الألم والارتباك.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستتعافى تمامًا من آثار ما حدث. وقد كُشف لاحقا أن الاتصال الذي أجراه السجن لطلب سيارة إسعاف شابته أخطاء أيضًا.

ووصف محامو بايك ما تعرضت له بأنه تعذيب. ويبقى سؤال يستحيل الجزم بإجابته: كيف كانت ستنتهي تلك الليلة لو لم يكن هناك أحد يراقب ما يجري؟

وهناك، بطبيعة الحال، فرق بين الإصرار على حضور شهود لمراقبة تنفيذ أحكام الإعدام، وتحويل عملية الإعدام إلى عرض جماهيري. فقد روّج وزير الدفاع بيت هيغسيث لفكرة البث المباشر خلال مقابلة أجراها معه جاك بوسوبيك، أحد المؤثرين المنتمين إلى التيار اليميني، على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن».

وكان نضال حسن، وهو طبيب نفسي وضابط سابق في الجيش الأمريكي برتبة رائد، قد أطلق النار عام 2009 في قاعدة فورت هود العسكرية، مما أسفر عن مقتل اثني عشر عسكريًا من زملائه، من بينهم امرأة حامل، إضافة إلى مدني واحد. ووقع الهجوم قبيل موعد إرساله في مهمة عسكرية إلى أفغانستان.

وقال هيغسيث: «الأمر لا يحتاج إلى تفكير. الإعدام رميًا بالرصاص». وأضاف: «وسنحرص على أن يتمكن الناس من مشاهدته، وأن يكون علنيًا».

ولم تشهد الولايات المتحدة تنفيذ حكم إعدام أمام الجمهور منذ ما يقرب من تسعين عامًا.

ويستخدم حسن حاليًا كرسيًا متحركًا، بعدما أصيب بالشلل نتيجة تبادل إطلاق النار الذي أنهى هجومه المسلح. وقد صرّح بأنه يريد أن يصبح شهيدًا، وكانت إحدى المشكلات العديدة في خطة هيغسيث أن البث المباشر ربما كان سيساعده على تحقيق ما يتمناه. لكن القضية الأعمق تتعلق بما كان سيصاحب ذلك البث من احتفاء مبتذل بالموت، وتحويل إزهاق روح إنسان إلى مشهد للفرجة والتلذذ بالعنف.

وبدا أن فكرة بث عملية الإعدام مباشرة أثارت نفور حتى بعض المؤيدين لعقوبة الإعدام، ومن بينهم عدد من المشرعين الجمهوريين. وخلال السنوات الأخيرة، لم يُعرف عن تنفيذ أحكام الإعدام علنًا سوى عدد قليل من الدول. وفي المقابل، فإن دولتين فقط من أصل 38 دولة عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، هما الولايات المتحدة واليابان، تنفذان أحكام الإعدام بصورة منتظمة.

وتنفذ الصين أيضًا أحكام الإعدام، لكنها ليست عضوًا في المنظمة.

ويحظر التعديل الثامن للدستور الأمريكي فرض «عقوبات قاسية وغير مألوفة». وقد أكدت المحكمة العليا الأمريكية منذ زمن طويل أن عقوبة الإعدام جائزة دستوريًا، رغم أنها شددت تدريجيًا المعايير التي تحكم تطبيقها.

فعلى سبيل المثال، حظرت المحكمة عام 1988 إصدار أحكام بالإعدام على أشخاص ارتكبوا جرائمهم قبل بلوغ السادسة عشرة من العمر. ولم يرفع قضاة المحكمة الحد الأدنى للسن إلى ثمانية عشر عامًا إلا في عام 2005. لكن هذه التعديلات، على أهميتها والترحيب بها، لا تستطيع إخفاء القسوة المتأصلة في عقوبة الإعدام نفسها. وتكشف قضيتا كريستا بايك ونضال حسن عن مدى ضآلة الفارق بين عملية إعدام تُنفذ وفق الإجراءات المعتادة، وأخرى تتحول إلى مشهد من المعاناة يصعب احتماله.

وعندما سُئل ماركواين مولين، وزير الأمن الداخلي الأمريكي، عن خطة هيغسيث لبث عملية الإعدام مباشرة، قبل أن يقرر ترامب إلغاءها، أجاب قائلًا: «لا أحد مجبر على المشاهدة.» لكن هذا القول يصعب قبوله في عصر تطبيق «تيك توك» ومقاطع الفيديو التي تُشغّل تلقائيًا، إذ قد يجد المرء نفسه أمام مشاهد لم يختر مشاهدتها أصلًا.

وبدا رد مولين أيضًا وكأنه يعبر عن أمل في أن تمر تصرفات هذه الإدارة وطبيعة المسؤولين فيها دون أن يلتفت إليها أحد، بمن فيهم مسؤولون مثل هيغسيث، الذين يبدو أنهم لا يشعرون بأي حرج من إظهار أسوأ نزعاتهم. فليس بوسع الإنسان دائمًا أن يشيح بنظره عما يحدث أمام ناظريه.