وسط أمواج تعلو في الأفق البعيد، يقف الشخص منا متعجبًا من وضع أنجبته التكنولوجيا الحديثة، وأصبح واقعًا نحاول أن نتدارس أسبابه وأبعاده ونتائجه على المستوى القريب والبعيد.

الانتحال الإلكتروني بات قضية شائكة، ونموذجًا نراه يتكاثر في مواقع كثيرة من حياتنا، أحيانًا نحاول أن نصدق أن ما نقرأه هو إنتاج إنساني، والبعض الآخر يجعلنا نتردد في قبول أن شخصًا ليس ذا علم أو دراية قد أنتج نصًا غاية في الإبداع الأدبي!

لقد مر الانتحال بأنواعه المختلفة عبر الزمن بمراحل عديدة، بدأ جنيًا في عقول المفكرين والأدباء والفلاسفة، فجاء الإنتاج غزيرًا بالمعنى.

ثم توالت الأجيال، وأصبح الانتحال يحبو على يد جيل جديد اعتمد على نفسه قليلًا، ثم آخر أن يسطو على ممتلكات الغير لينسبها إلى نفسه، وهذا ليس في النطاق الأدبي، وإنما أيضًا في مجالات أخرى من الإبداع الفني.

ثم جاء جيل آخر اعتمد على تجربة فريدة أخرى، وهي الانتقال إلى مرحلة «الفك والتركيب» للجمل والعبارات الأكثر شهرة وتداولًا بين الناس.

استمر التعدي على حقوق الغير حتى بانت بشائر التقنيات الحديثة في «الذكاء الاصطناعي»، وبدلًا من الاستفادة من أداته في أمور يحتاج إليها الإنسان، ذهب الناس إلى إسناد كل مهماتهم إليه، فقد أسندوا لأدواته مهمة «الفكرة الأساسية، والصياغة الفكرية، والتنسيق المحكم»، وبعد اكتمال الصورة بشكلها النهائي نسبوا ما تم إنجازه إليهم دون مراعاة للأمانة الأدبية أو العلمية.

في الوضع الراهن، تُفرد الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية والدوريات المختلفة مساحة واسعة للنشر، سواء من مقالات أو ترجمات أو أي إنتاج أدبي أو فكري أو علمي، على اعتبار أنها نافذة تطل على الفكر البشري والاجتهاد الذاتي للكتّاب والمفكرين وغيرهم.

لكن، وسط كل ذلك الكم الهائل لما يُنشر، بات التوليد الإلكتروني حاضرًا في كثير من الأعمال التي نُبهر بسياق كتابتها، ولكن البصمة الإلكترونية هي من تفضح المستخدمين لها.

لم تعد المقالات وحدها هي التي انجرف الناس في إنجازها بالذكاء الاصطناعي، حتى مجال النصوص المترجمة لم يسلم من الانتحال والاعتماد على التقنية الحديثة، فأصبح «تشات جي بي تي» منتشرًا في مكوناتها وحاضرًا بقوة في تفاصيلها، حتى إن البعض منا أصبح يستدل عليها بمجرد القراءة الأولى حتى يعرف أن النص تم توليده إلكترونيًا أو لامس تقنياته من قريب أو بعيد!

إذا كان البعض لديه هوس بالكتابة، فلماذا لا يعتمد على نفسه في هذا المجال؟ ولماذا نحاول أن ندّعي شيئًا ليست لنا طاقة في عمله؟

هل لأن استسهال الأمور أصبح الطريقة التي تقربنا من الآخرين لنحصل على ثنائهم ومتابعتهم، لذلك نعهد بالمهمة كاملة إلى الجانب الإلكتروني، سواء في اختيار الموضوع أو معالجته أو إنجازه كاملًا؟!

بعض الكتّاب المبتدئين يعهد للغير بعملية التدقيق اللغوي للنص الذي يريد أن ينشره في مجلة أو صحيفة أو أي موقع إلكتروني، ويُفاجأ برفضه من الجهة الناشرة كون النص نسخة إلكترونية!

في الجامعات والكليات، أصبح الطلبة يستسهلون عمل أبحاثهم بعد أن وفر لهم الذكاء الاصطناعي فرصة الإنجاز دون عناء، كذلك بعض المهن التي تتطلب من الموظف جهدًا، يعهد بالمهمة إلى الجانب الإلكتروني، سواء في إعداد المخاطبات الرسمية أو الشخصية وغيرها.

إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إنجاز البحوث بأنواعها ونسبها إلى الأشخاص يُعد في نظري جريمة كبرى، فالانتحال الإلكتروني أصبح نوعًا من التضليل المتعمد لإخفاء جريمة ارتُكبت في الظل، وقد يكون هذا الانتحال ما هو إلا اغتيال صامت للإبداع البشري، لهذا أصبحنا نحتاج إلى أدوات جديدة تكشف لنا ما يخفيه البعض عنا من تزييف وتحريف للواقع الذي يخبرنا بأن من كتب وأنجز ليس إنسانًا بشريًا بقدر ما هو آلة تعتمد على أدوات فائقة الذكاء والتضليل.