في نهايات الأشهر الأخيرة من كل عام ميلادي، تتوجه أنظار العالم نحو الشخصيات الأكثر تأثيرًا وقدرة على التنافس على «جوائز نوبل» من كافة أقطار العالم، تخمينات كثيرة تسقط كحبات المطر عند بداية الغيث، بعض التوقعات تصيب، وأخرى تذروها الرياح، وتبقى الأحلام تراوح مكانها حتى يأتي عام آخر بشخصيات أخرى وآمال جديدة تعانق هامات السحاب.

فمنذ أيام عدة، تم الإعلان عن الفائزين هذا العام بجوائز نوبل العالمية في مجالات مختلفة، وذهبت ملايين الدولارات إلى مستحقيها بجدارة، وبذلك انتهت حالة الترقب والتكهن بمن كان سيفوز هذا العام، ومن كان سيخسر هذا التكريم السنوي، رغم أن الشخصيات التي لم تحظَ بشرف الفوز بقيت في أذهانها أسئلة حائرة واتهامات وصلت إلى حد التشكيك في النزاهة والمحاباة وغيرها.

لهذا يبقى البعض حائرًا ومتسائلًا: لماذا خرجت بعض الأسماء القوية من حسابات المنتصرين بالجائزة العالمية؟!

عالمنا العربي لم يكن يومًا بعيدًا عن مراتب الفوز بالجائزة العالمية، فقد استطاع عدد من الأسماء اللامعة في النسخ الماضية الفوز بجدارة بعدد من الجوائز، سواء في الأدب أو الكيمياء أو السلام، وبعض الفائزين الأجانب كانت أصولهم عربية، كل تلك الأسماء مُنحت ذلك الشرف الدولي تقديرًا لجهودها وأعمالها العظيمة التي أبهرت العالم وأجبرته على منحها أوسمة الجدارة والاقتدار في مجالات عدة.

وبعيدًا عما ذكرناه سلفًا، دعونا نذهب نحو نقطة البداية لتأسيس هذه الجائزة العالمية التي يتنافس على الحصول عليها كمٌّ هائل من الأسماء اللامعة في مجالات مختلفة كـ«الفيزياء والكيمياء والأدب والسلام» وغيرها، وبحسب ما تم نشره في وسائل الإعلام المختلفة، فإن فكرة الجائزة جاءت بعد أن قرأ مؤسسها «نوبل» نعيًا خاطئًا في إحدى الصحف الفرنسية يصفه بأنه «تاجر الموت» بسبب اختراعه للديناميت، مما دفعه للتفكير في ترك ذكرى إيجابية للعالم، على أن يتم توزيع الجوائز رسميًا يوم العاشر من ديسمبر المقبل، وهو ذكرى وفاة مؤسس الجائزة «ألفريد نوبل».

وبعد عقود زمنية على تأسيس هذه الجائزة العالمية، يبقى السؤال يراوح مكانه: هل أنصفت الجائزة صاحبها ومبتكرها السويدي ألفرد نوبل؟

على الأرض، هناك كثير من الخبراء والمختصين يجيبون بـ«نعم» لقناعتهم التامة بهذه الإجابة، ويردفون بالقول بأنها قد حققت الغاية الأساسية التي أرادها نوبل من وصيته بشكل فاق التوقعات، وإن كان التاريخ يذكر الجائزة بوجوه متعددة وآراء متباينة، خصوصًا أن جائزة نوبل تؤثر بشكل عميق ومباشر على مسار العلم والعلماء، وتعيد صياغة الاكتشافات، وتمنحها الاعتراف العالمي بما يتم تقديمه من أعمال جليلة تخدم البشرية في مجالات وتخصصات متنوعة.

ومن مفارقات القدر، ولعامين متتاليين، سقطت تنبؤات الرئيس الأمريكي ترامب في اختياره فائزًا بجائزة نوبل للسلام، مما دفعه إلى وصف قرار اللجنة بأنه وصمة عار لا تُمحى على جبين البلد الذي يحتضن المسابقة واختيار الفائزين، وهو «النرويج»، واعتبر أن الجائزة «فقدت مصداقيتها إلى الأبد» على يد من وصفهم بـ«أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة».

وعامًا بعد آخر، ترتفع أصوات التباين في آراء المجتمعات البشرية حول جائزة نوبل ومدى جدواها، فهناك من يرى أنها قمة التقدير والإنجاز البشري للعلم والعلماء والمفكرين والعقلاء، بينما ينتقدها آخرون ويرون أنها لا تخلو من الانحياز والقرارات المسيّسة، لا سيما في مجالات مثل: السلام والأدب والاقتصاد!

سنوات طويلة وهذه الجائزة تذكرنا بأعمال العظماء والمبدعين في مجالاتهم، إضافة إلى كونها مجالًا خصبًا للتنافس الشريف بعيدًا عن الفوز والخسارة، رغم أن النتيجة الأخيرة بالنسبة للبعض كالضربة القاضية، خاصة عندما يعتقدون بأنهم الأجدر والأولى بالحصول عليها، وحتى الآن لا زلتُ أتساءل: هل «تاجر الموت» قد أنصفته جوائزه رغم مرور سنين طويلة؟