هل يمكن أن يبيع الرجل ابنه جزءًا من أرضه التي هي مسجلة باسمه بمبلغ رمزي، ولا يكون ذلك ظلمًا لإخوانه؟

إن كان يستطيع أن يبيع لإخوته مثلما يبيع لهذا الولد، فلا إشكال، لكن لا أظنه يملك من الأرض سعة ليبيع لسائر ولده كما باع لهذا الولد، فمراعاة الوالد لولده في البيع متصورة، وكذا الحال بين الإخوة، أو بيع الولد لأبيه، بمعنى ألّا يكون البيع بسعر السوق، وإنما تكون هناك مراعاة. هذا متصور ولا حرج فيه، بل قد يكون ذلك بين الأصحاب والأصدقاء، وبين الأزواج.

لكن إن كانت المسألة تتعلق بإيثار بعض الأولاد والالتفاف على لزوم العدالة بين الأولاد، فهذا لا يسوغ شرعًا، علامة ذلك أنه يمكن له إما أن يعوض سائر الأولاد بمثل ما وهب لهذا الولد. نعم، إن لم يتمكن من أن يخصص لهم مثل ما خصص لهذا الولد، وأن يعوض البنات بعد ذلك أيضًا بعدالة، فإن كان يمكن له ذلك فهذا حسن ولا حرج فيه.

أما إن كان لا يمكن له، فهذا سيدخله في المنهي عنه، ويمكن أن يورث ذلك بين الإخوة والأخوات ممن لم يجد من أبيه مثل هذه المعاملة، ومثل هذه الصفقة، ومثل هذه العطية، وإن أخذت شكل البيع والشراء، يمكن أن يجد بينهم شيئًا من المشاحنات والبغضاء، وإن لم تظهر، فهو مأمور بالعدالة، فليتحرَّ العدالة إن كان ذلك متصورًا، إن كان لا يملك أرضًا يمكن أن يخصصها لسائر ولده، ولو بالبيع كما قال، بصورة رمزية أو بسعر يراعيهم فيه، ولكنه سيعوض الآخرين، فإما في الأرض نفسها، أو أن يعوضهم بنقود، أو أن يعوضهم بأي طريقة كانت بمثل ما أعطى أخاهم، فحينئذٍ لا إشكال، أما إن كان لا يستطيع ذلك، فلا أرى أن يهب ولده، أو أن يلجأ إلى هذا الذي ذكره في سؤاله. والله تعالى أعلم. 

شخص أوصى بحجة، ومع الحجة أكد عليهم بزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وتبليغ سلامه للنبي المصطفى، ولكن الحاج المستأجر لم يستطع ولم يذهب إلى المدينة المنورة. فهل في ذلك إخلال بالوصية؟

نعم، هو إن كان قد أخذ الحجة بهذا الشرط أو بهذه الصفة، فقد أخل بالأمانة، فإما أن يذهب فيكمل ما عليه، أو أن يرد من الأجرة قدر ما نقص من أدائه لها، ثم بعد ذلك يمكن لهم أن يؤجروا غيره، ولا يعني هذا أن الحجة ناقصة، فليس هناك ارتباط بين الإجزاء عن الحجة وبين زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره الشريف.

إذ الصحيح جواز هذا التعبير، وهو زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله عليه الصلاة والسلام أباح ذلك: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»، ولا تقولوا هجرًا. وأحق القبور بالزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا حرج في هذا الفعل ولا في التعبير عنه على الصحيح، خلافًا لمن ذهب إلى غير ذلك. والله تعالى أعلم.

تقدم سورة المائدة منهجًا شاملًا للوفاء بالعقود مع الله والنفس والآخرين، وتبين ما يعين عليها أو يعيقها، بناءً على ذلك، كيف يرتبط هذا الموضوع المحوري باسم السورة وقصة الحواريين فيها؟

أصاب حين وصف سورة المائدة بأنها تتحدث عن العهود والمواثيق مع الله تبارك وتعالى، ومع النفس، ومع الآخرين. فالمتأمل في هذه السورة يلحظ هذا ظاهرًا من مبتدئها إلى منتهاها، وسورة المائدة، قبل أن نصل إلى جواب ما سأل عنه، نتعرف عليها؛ لأن في التعرف عليها إعانة لنا على فهم محل السؤال.

فسورة المائدة أجمع سورة في القرآن الكريم للأحكام العملية الشرعية، من الحلال والحرام والأمر والنهي. هذا ملحوظ فيها، ثم إنها امتازت بأنها أكثر سور القرآن الكريم مناداةً للذين آمنوا، فخطاب «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» يتكرر فيها كثيرًا بما لا يتكرر في سورة أخرى، ولعله يبلغ خمس عشرة مرة أو أكثر، وهذا مما يميز هذه السورة عن غيرها، وهو يتناسب مع الميزة الأولى، من أنها أجمع سورة للحلال والحرام والأمر والنهي.

ثم إنها امتازت أيضًا بأن فيها آية: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»، وهذا مرة أخرى يتناسب أيضًا مع الخصائص المذكورة فيما تقدم.

وكذلك من خصائص هذه السورة الكريمة أنها السورة الوحيدة التي تعرضت لقصة ابني آدم عليه السلام وحادثة القتل، وهذا أيضًا جزء من بناء هذه السورة، لما ترتب على ذكر هذه القصة من عبر وعظات، ولما بُني عليها من أحكام تفصيلية عملية، والمائدة طلبها حواريّو عيسى عليه السلام، إذ قال الحواريون: «يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ»، قال: «اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». قالوا: «نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ»، بيّنوا هنا، بعد طلبهم، مقاصدهم من هذا الطلب، وهذا البيان هو التزام منهم. قالوا: «نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ».

بعض المفسرين يقول: «نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا»، أي أكل بركة، ومنهم من يقول: الأكل للطعام وللتبرك. ثم تطمئن قلوبنا؛ أي أرادوا طمأنينة القلب واليقين بالحس، بمشاهدة حسية، نعم، كما أن إبراهيم عليه السلام قال: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى»، قال: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ»، قال: «بَلَىٰ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»، «وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا»، أيضًا علم يقين لا يخالطه أدنى شك، «وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ».

إذن، قدموا التزامات، قدموا عهودًا هنا، حكى لنا ربنا تبارك وتعالى ما حصل، فقال عيسى بن مريم: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ»، هذا الطلب أضاف أغراضًا: «تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ».

هذا دعاء عيسى عليه السلام، أضاف إليه مقاصد تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا، بمحضر من الحواريين من قومه، ممن آمنوا به من المؤمنين، و«آيَةً مِنْكَ»، آية نراها وتحقق لهم ما أرادوه، هنا نأتي إلى الجواب الآن، هذا الالتزام والعهود والمواثيق التي يقدمونها، فيأتي العقد مع الله تبارك وتعالى، ويأتي الميثاق مع الله تبارك وتعالى. قال الله: «إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ».

هذا عقد وميثاق بينهم وبين الله تبارك وتعالى. طلبتم هذا المطلب، وأظهرتم هذه المقاصد والغايات، فهناك ما يترتب عليه. ولذلك جاء بصيغة التعقيب: «قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ»، قيل: العالمين على الإطلاق، وقيل: عالمي زمانهم.

إذن، السورة الكريمة سُميت بهذا الاسم لهذه الدلالة الواضحة، في أن المائدة دلالة على عهد وميثاق بين فئة مؤمنة توجهت إلى ربها تبارك وتعالى بطلب ودعاء، واستجاب لهم نبيهم، فتوجه إلى ربه تبارك وتعالى بهذا الدعاء، فكان تحقيق هذا الدعاء من الله تبارك وتعالى، وقد رُتبت عليه هذه النتيجة.

فمعنى المواثقة، ومعنى المعاهدة والميثاق، ظاهر جلي في قصة المائدة، هذا ما يحتاج إلى معرفته، وإلا فالسورة وهذا السياق القرآني فيه الكثير من العبر والعظات. لكن بهذا يتضح رمز المائدة، ولا يعني، لا أقصد برمز المائدة أن المائدة كانت شيئًا رمزيًا.

هناك قول عند بعض المفسرين، يُنسب إلى مجاهد وإلى قتادة وإلى الحسن، ولكنه خلاف قول جمهور المفسرين، بأنهم بعد أن قال لهم ربهم تبارك وتعالى: «فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ»، طلبوا الإقالة، نعم، طلبوا الإقالة من الله تبارك وتعالى، وأنه بناءً على ذلك فإن المائدة لم تنزل.

هذا قول، كما قلت، قال به مجاهد، وقال به قتادة، وقال به الحسن، وانتصر له بعض المفسرين، وإن كان جمهور المفسرين قد ردوا عليه، لكن لا أقصد، كما قلت، برمز المائدة أنها كانت رمزية، وإنما أقصد أن التسمية كانت رمزًا بهذا الاسم للدلالة على ما اشتملت عليه السورة من معانٍ وأحكام ودلالات، كلها تدل على المعاهدة والمواثيق مع الله تبارك وتعالى، توحيدًا وعبوديةً وطاعةً والتزامًا. والله تعالى أعلم.

ما الفرق بين النداء القرآني «يا بني آدم» و«يا أيها الناس»؟

الذي ورد في كتاب الله عز وجل بنداء «يا أيها الناس» أكثر من الخطاب بـ«يا بني آدم»، والذي أذكره أن خطاب «يا بني آدم» ورد أكثره في سورة الأعراف، وورد في موضع آخر، لكنه أقل من الخطاب بـ«يا أيها الناس». هذا فقط مدخل لفهم الجواب.

والمعنى مختلف، المواضع التي فيها الخطاب بـ«يا بني آدم» يُراد منها التذكير بقصة آدم عليه السلام، وهذا المعنى يتكرر، ليس بأسلوب النداء فقط، وإنما بالتذكير بقصة آدم عليه السلام، وذلك لأسباب ينبغي أن يُتعرّف عليها؛ لأن فيها بيانًا لكرامة بني آدم، «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، ولأن فيها أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، ولأن فيها بيانًا وتذكيرًا بالاستخلاف، أن بني آدم استُخلفوا في هذه الأرض، ومهمة الاستخلاف تعني تحمّل هذه الأمانة التي أمرهم الله تبارك وتعالى بتحملها.

وفيها تذكير بنعمة الله عز وجل على آدم وبني آدم، بأن تكفّل بتعليمهم، وآتاهم الملكات التي يتمكنون بها من التعلم والاستنباط والاجتهاد، وفيها تذكير بالتوبة، وأن الخطأ يمكن أن يقع، ولكن الفارق بين آدم عليه السلام وإبليس كان أن آدم وزوجه استغفرا وتابا وأنابا إلى الله تعالى، أما إبليس فقد أبى واستكبر.

إذن، هذه المعاني حاضرة، ولذلك فالسياقات التي يرد فيها النداء بـ«يا بني آدم» يُراد منها التذكير بهذا الأصل، يُراد منها التذكير بالقصة الأولى، لما تحمله من هذه المعاني الجزلة التي لم تكن حدثًا عاديًا، كان حدثًا جليلًا، حدثًا عظيمًا، فأرادت هذه الآيات أن تصل بين هذا المخاطب وبين هذا الأصل، بهذه المعاني والحكم التي اشتملت عليها قصة خلق آدم عليه السلام.

أما الخطاب «يا بني آدم»، فإنه في الغالب يحمل مواعظ، ويحمل عبرًا وعظات، أما الخطاب «يا أيها الناس»، فلا يُراد منه الالتفات إلى هذا الجانب، وإنما يُراد منه أحكام عامة لعموم الناس، وفيه وعد ووعيد، وفيه تذكير؛ لأن المقصود هو هؤلاء الناس الذين هم أمة الدعوة، الذين يخاطبون بهذا الدين والذين يخاطبون بهذا القرآن، أقرّوا أو لم يقرّوا بالأصل.

فهذه خطابات في كتاب الله عز وجل يخاطب بها الناس، مجتمع بني البشر، بقطع النظر عن أصولهم وأعراقهم ومعتقداتهم، يخاطبون بهذه الخطابات، ولذلك اشتملت على وعد ووعيد، واشتملت على أوامر بالتوحيد، واشتملت على أوامر بعبادة الله تبارك وتعالى على جهة الإجمال، لا على جهة الفرائض والواجبات الشرعية التي خوطب بها المؤمنون بخطاب «يا أيها الذين آمنوا»، بهذا يتضح الفارق، والله تعالى أعلم.