قـد لا يـكـون فـي عـلـم أحـد فـي الـعـالـم -بـمـن فـيـهـم الـمـعـنـي بـالأمـر ومـسـتـشـاروه ومـسـاعـدوه- بـأي حـصـيـلـة سـيـاسـيـة سـيـبـنـى رصـيـد دونالـد تـرامب و«الحـزب الـجـمـهـوري» ومـرشـحـيـه للـكـونـجـرس فـي انـتـخـابـاتـه الـنـصـفـيـة فـي مطالـع نـوفـمـبـر، ولا مـا عـسـاهـا تـكـون حـظـوظ هـؤلاء جـمـيـعـا فـي الانـتـخـابـات فـي ضـوء مـعـطـيـات تـلك الحـصـيـلـة أو مـا الـذي قـد تـرتـبـه عـلـيـهـم.

عـسـيـر هـو تـوقــع مـا يـدخـل فـي حـكـم الـغـامـض الـمـحـجـوب؛ عـسيـر عـلى المـحـلـل وعـلى مـؤسـسـات الاسـتـطـلاع فـي الوقـت عـيـنـه.

فـأمـا عـلى الـمـحـلـل فـلأن هـذا لا يـمـلـك مـن الـقـرائـن الـمـاديـة الـبـيـنـة مـا يـسـتـدل بـه عـلى صـحـة هـذه الـفـرضـيـة أو تـلـك مـن الفـرضـيـات الـتي تـشـاد عـلـيـهـا الـتـوقـعـات؛ وأمـا عـلى مـؤسـسـات اسـتـطـلاع الـرأي فـلأن عـيـنـاتـهـا الـمـسـتـمـزج رأيـهـا لا تـكـون دائـمـا تـمـثـيـلـيـة خـاصـة فـي الأحـوال الـتي لا تـتـبـيـن فـيـهـا صـورة الـمـسـتـقـبـل الـقـريـب بـقـدر كـاف مـن الـوضـوح كـمـا هـي حـالـهـا الـيـوم فـي ضـوء - أو فـي ظـلام - هـذه الأزمـة الـتـي تـشـد بـخـنـاق أمـريـكـا والـعـالـم.

لـنـتـرك جـانـبـا الاسـتـطـلاع ومـؤسـسـاتـه، ولـنـتـنـاول وجـه اسـتـعـصـاء تـبـيـن صـورة الأوضـاع والانـتـخـابـات عـنـد مـن يـتـنـاولـونـهـا بـالـتـحـلـيـل مـن الـسـيـاسـيـيـن والصـحـفـيـيـن والـكـتـاب.

مـرد هـذا الاسـتـعـصـاء -كـمـا ألـمـحـنـا- إلـى أن الـحـصـيـلـة السـيـاسـيـة الـتـي سـيـعـتـمـد عـلـيـهـا البـيـت الأبـيـض لـتـعـزيـز قـدرة الجـمـهـوريـيـن عـلى الاحـتـفـاظ بالـغـالـبـيـة فـي المـجـلـسـيـن حـصـيـلـة هـزيـلـة؛ بـحـيـث لا تـشـكـل الصـهـوة الـمـنـاسـبـة للامـتـطـاء السـيـاسي والانـتـخـابـي! فـهـي تـطـلـعـنـا عـلى نـتـائـج سـيـاسـيـة بـاهـتـة تـحـصـلـت في الـعـاميـن المـاضـيـيـن، وأداء رئـاسـي مـتـخـبـط غـيـر مـقـنـع، وتـعـاط فـي غـايـة الـسـوء والارتجـال مـع التـبـعـات الـثـقـيـلـة الـتي تـسـتـجـرهـا سـيـاسـات إدارة تـرامـب للأزمـات الـدولـيـة.

الـمـظـاهـر والـتـبـديـات عـديـدة يـمـكـن أن نـشـيـر إلـى بـعـضـهـا الجـاري والـمـشـهـور؛ حـرب إدارة تـرامـب عـلى إيـران وحـصـيـلـتـهـا الـهـزيـلـة عـسـكـريـا وسـيـاسـيـا، ثـم عـسـر خـروج تـلك الإدارة مـنـهـا - حـربـا أو سـلـمـا - مـظـهـر صارخ الـدلالـة مـن مـظـاهـر ذلك الاسـتـعـصـاء.

مـا اسـتـطـاع تـرامـب أن يـنـجـز أهـدافـه، وأهـداف نـتـنـيـاهـو الـذي ورطـه فـي الحـرب مـن وراء شـنـه الـعـدوان عـلى إيـران بـعـد أربـعـيـن يـومـا مـتـواصـلـة مـن الـقـتـال.

وحـيـن اكـتـشـف مـتـأخـرا عـجـزه وأوهـام الـنـصـر الخـاطـف الـتي زرعـهـا نـتـنـيـاهـو فـي رأسـه لـجـأ إلـى الـتـفـاوض غـيـر الـمـبـاشـر، لـكـنـه سـرعـان مـا انـقـض عـلى «مـذكـرة الـتـفـاهـم»، فـمـا عـاد يـسـتـطيـع لا الحـرب ولا الـتـفـاوض بـعـدهـا! والمـشـكـلـة أن مـؤيـدي الحـرب فـي أمـريـكا أقـل مـن 30%، وأن مـعـارضـتهـا بـدأت فـي الـتـوسـع داخـل الجـمـهـوريـيـن وفـي قـاعـدة تـرامـب الاجـتـمـاعـيـة والسـيـاسـيـة، وأن سـبـيـلـهـا امـتـنـع عـلـيـه بـعـد نـفـاذ مخـزونـات الـذخـائـر الـدفـاعـيـة الأمـريـكـيـة، وأن أحـدا فـي أمـريكـا والـعـالـم لا يـصـدقـه حـيـن يـعـلـن نـصـر أمـريـكـا عـلى إيـران...!

إلـى ذلك عـانـى الأمريـكـيـون كـثـيـرا الـنـتـائـج الاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة المـدمـرة لـحـرب يـنـفـقـون عـلـيـهـا مـن جـيـوبـهـم بـوصـفـهـم دافـعـي الـضـرائـب مـن غـيـر أن تـكـون لـهـا عـوائـد مـجـزيـة تـبـرر ذلك الإنـفـاق.

قـد لا يـعـنـي الـجـمـهـور الأمـريـكـي الـعـام أن يـتـضـرر اقـتـصـاد الـطـاقـة فـي الـعـالـم ومـعـه قـطـاعـات الاقـتـصـاد الـعـالـمـي كـلـهـا؛ فـهـو- عـلى الـعـمـوم- جـمـهـور غير مـبـال بـمـا يـقـع خـارج أمـريـكـا، لـكـنـه لا يـسـتـطـيـع أن يـتـجـاهـل آثـار الحـرب الكـارثـيـة عـلى مـعـيـشـه الـيـومـي وقـدرتـه الشـرائـيـة، ولا أن يـتـجـاهـل لـمـاذا عـلـيـه أن يـنـفـق مـن المـال الـعـام عـلى حـرب تـخـوضـهـا إدارتـه مـن أجـل أمـن «إسـرائـيـل» الـتي افـرنـقـع عـنـها الـقـسـم الأعـظـم مـن المجـتـمـع الأمـريـكـي نـتـيـجـة مـعـايـنـتـه اقـتـرافـهـا لجـرائـم الإبـادة الجـمـاعـيـة فـي غـزة.

مـظـهـر ثـان تـمـثـل فـي إخـفـاق ذريـع لـسـيـاسـة فـرض إدارة تـرامـب الـرسـوم الجـمـركـيـة عـلى دول الـعـالـم كـافـة الـتي لـم تـحـصـد مـنـهـا الولايـات الـمـتـحـدة أي فـوائـد تـبـررهـا.

لا يـعـنـي المجـتـمـع الأمـريـكـي أن هـذه الـسـيـاسـة انـتـهـاك صـارخ لـقـواعـد الـتـجـارة الحـرة الـعـالـمـيـة، وعـودة بـالاقـتـصـاد إلـى زمـن الإغـلاق والـتـعـرفـات بـاسـم السـيـادة القـومـيـة، كـمـا لا يـعـنـيـه أن يـقـف عـلى مـدى مشـروعـيـة الإجـراءات الـتـرامـبـيـة دسـتـوريـا وهـل تـعـود إلـى الـبـيـت الأبـيـض أم إلـى الكـونـجـرس بـمـقـدار مـا يـعـنـيـه أن الـرد عـلـيـهـا مـن دول الـعـالـم بـفـرض رسـوم عـلى الـمـنـتـجـات الأمـريـكـيـة يـضـرب مـصـالـح مـنـتـجيـهـا فـي أمـريـكـا، وأن رسـوم البـيـت الأبـيـض عـلى الـواردات يـرفـع أسـعـارهـا فـي الأسـواق، ويـزيـد الضـغـط عـلى الـقـوة الـشـرائـيـة.

ثـالـث الـمـظـاهـر الـثـمـن الـفـادح لـسـيـاسـات عـزل أمـريـكـا عـن الـعـالـم مـن طـريـق انسـحـابـاتـهـا مـن الـمـنـظـمـات الـدولـيـة ومـن الاتـفـاقـيـات والـمـعـاهـدات الـدولـيـة، وهـي التـي قـادتـهـا إدارة تـرامـب الحـالـيـة.

هـذا فـضـلا عـن إسـاءة الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة عـلاقـاتهـا بـحـلـفـائـهـا فـي «مـنـظـمـة حـلـف شـمـال الأطـلـسـي» و«الاتـحـاد الأوروبـي» ودول الجـوار، وتـنـاقـص مـعـدل الـثـقـة بـيـنـهـا مـع مـا يـقـتـرن بـذلك مـن نـتـائج عـلى صـعـيـد الـعـلاقـات الاقـتـصـاديـة بـيـن أمـريـكـا والـعـالـم.

هـذا مـن غـيـر أن نـذكـر مـا حـصـدتـه إدارتـهـا مـن خـيـبـات فـي تـحـقـيـق أهـداف مـعـلـنـة مـنـذ حـمـلـة تـرامـپ الانـتـخـابـيـة مـن قـبـيـل إنـهـاء الحـرب الـروسـيـة - الأوكـرانـيـة الـتي اسـتـنـزفـت الاقـتـصاد الأمـريـكـي.

وقـد يـكـون مـظـهرهـا الـرابـع مـتـمـثـلا فـي تـبـخـر وعـود سـيـاسـيـة إمـبـراطـوريـة أطـلـقـهـا تـرامب مـنـذ مـطـلـع عـهـده مـن قـبـيـل ضـم كـنـدا إلـى الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة، وبـسـط السـيادة الأمـريـكـيـة عـلى جـريـنـلانـد؛ حـيـث انجـلـت عـواصـفـهـا الـكـلامـيـة عـن مـشـهـد مـن الخـيـبـة والـعـجـز أمـام اسـتـهـجـان الـعـالـم، ومـقـاومـة الـمـجـتـمـعـيـن الـمـسـتـهـدفـيـن لـفـكـرة الضـم مـن خـلال الـتـمـسـك الـصـارم بـاسـتـقـلال كـل مـنـهـمـا وسـيـادتـه.

بـأي رصـيـد سـيـاسـي إذن سـيـخـوض «الحـزب الجـمـهـوري» مـعـركـة الـحـفـاظ عـلى غـالـبـيـتـه الـهـشـة فـي المـجـلـسيـن بـعـد أن بـددت سـيـاسـات إدارتـه الحـاكـمـة فـرصـه فـي ذلك؟