تعكس زيارة الدولة التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة الأسبوع الماضي أهميةَ العلاقات العُمانية البريطانية، وما تتيحه من فرص لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين؛ في الوقت الذي تتجه فيه سلطنة عُمان إلى توسيع شراكاتها الدولية، واستقطاب المزيد من الاستثمارات النوعية، وتنفيذ العديد من البرامج والمبادرات التي تستهدف تحقيق التنويع الاقتصادي وتعزيز أداء القطاعات الاقتصادية المختلفة، ولا تقتصر أهمية الزيارة على ما شهدته من مباحثات وما تم توقيعه من اتفاقيات، وإنما تمتد لتشمل الآفاق المستقبلية للشراكة الاقتصادية القائمة بين البلدين الصديقين، والتي تعود جذورها لأكثر من 200 عام مضت.

وقد أشار البيان المشترك الذي صدر عقب الزيارة إلى العديد من مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري التي تضع إطارًا عمليًا لتطوير الشراكة بين البلدين، وتوسيع مجالات التعاون، واستقطاب استثمارات نوعية جديدة وتعزيز مكاسب القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الفرص العديدة التي تتيحها هذه الشراكة،

وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أن البيان المشترك أكد اتفاق البلدين على «بناء شراكة طموحة تستشرف آفاق المستقبل»، كما تم الاتفاق على «مجموعة من الأولويات التي ستوجّه مسارات التعاون بين البلدين خلال السنوات المقبلة، وتشمل هذه الأولويات: تحديثَ التعاون في مجالات الأمن والدفاع والقدرة الوطنية على الصمود، وتوسيع نطاق التجارة والاستثمار في الصناعات الخضراء والمتقدمة، والعمل المشترك لتعزيز الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحديات العالمية، وتوطيد الروابط بين الشعبين والمؤسسات في كلا البلدين».

ولعل أبرز الجوانب التي يمكن الإشارة إليها في مجالات التعاون الاقتصادي ما أشار إليه البيان بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة المتحدة، والتي من المتوقع توقيعها خلال الفترة المقبلة، والتي سوف تتيح -بحسب البيان- «فرصًا إضافية لتعميق العلاقات التجارية والاستثمارية بين المملكة المتحدة وسلطنة عُمان»،

كما أشار البيان إلى دور فريق التشاور الاستراتيجي العُماني البريطاني بوصفه المنصةَ الرئيسية للحوار بشأن الاستثمار والنمو، وإلى «الشراكة السيادية للتعاون وتشجيع الاستثمار» التي يُنتظر أن تشكل محورًا رئيسيًا للتعاون الاقتصادي طويل الأمد بحسب البيان الذي أكد أهمية دور جهاز الاستثمار العُماني ومكتب الاستثمار البريطاني في تعزيز الشراكة الاستثمارية.

وإذا نظرنا إلى مجالات التعاون الاقتصادي فإننا سنجدها تشمل العديد من القطاعات الحيوية التي ترسم اقتصاد المستقبل، من أبرزها «النمو الأخضر، والتقنيات المتقدمة، والمعادن الحيوية، والفضاء، والابتكار»، هذا بالإضافة إلى التركيز على «تمويل توسّع الشركات الناشئة والواعدة، والتجمعات الصناعية» مع منح الأولوية «للقطاعات المشمولة بالاستراتيجية الصناعية الحديثة للمملكة المتحدة، ومنظومة صناعات المستقبل في سلطنة عُمان، مع الاستفادة من المناطق الصناعية العُمانية ومراكز الابتكار بوصفها منصات لاستقطاب الخبرات البريطانية، ودعم جهود التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان، وتعزيز دورها بوابةً للنمو الإقليمي»،

بالإضافة إلى العديد من المجالات الأخرى، خاصة «الحياد الصفري، وتعميق التعاون في التقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمعادن الحيوية، والفضاء»، وهي قطاعات تكتسب أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي، وتتيح فرصًا عديدة أمام سلطنة عُمان لاستقطاب استثمارات نوعية، وتوطين التقنيات المتقدمة، وتطوير وبناء الكفاءات والخبرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للنمو أمام القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

إن الأهمية الاقتصادية لزيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى المملكة المتحدة لا تقتصر فقط على الفرص التي أشرتُ إليها في هذا المقال، وإنما تمتد لتشمل إعادة تشكيل طبيعة الشراكة الاقتصادية بين البلدين بحيث تشمل بناء علاقات أكثر ارتباطًا باقتصاد المستقبل والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر، وهي قطاعات حيوية من شأنها دعم الجهود المبذولة للتنويع الاقتصادي، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتهيئة الشركات العُمانية للمنافسة الدولية،

وبناء قاعدة صناعية أكثر قدرة على التجاوب مع المتغيرات العالمية والاستفادة من التحولات المتسارعة في التكنولوجيا وأنماط الإنتاج، وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية والتحولات التي يشهدها العالم في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.