تثير المفقودات والمعثورات أبعادًا قانونية بالغة الأهمية تتعلق بحقوق الملكية وحسن النية، والتزامات الشخص الذي يعثر على مال مملوك للغير، وقد يظن بعض الأشخاص أن العثور على هاتف أو محفظة أو مبلغ نقدي في مكان عام يمنحهم حرية الاحتفاظ به أو أن جهلهم بهوية صاحبه يعفيهم من المساءلة، ويقف القانون العُماني بحزم عبر أحكام صريحة تضمن حماية أموال الغير وتحدد أطر المسؤولية القانونية بدقة.
يقول الدكتور المحامي ناصر بن مسعود الشملي، عضو مجلس إدارة جمعية المحامين العُمانية، إن مجرد العثور على المال المفقود لا يشكل جريمة في ذاته؛ إذ إن التقاط الشيء بقصد حمايته من الضياع أو التلف والمبادرة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادته إلى صاحبه يختلف جوهريًا وقانونيًا عن الاستيلاء عليه بنية التملك، موضحًا أن الفارق الأساسي بين الحالتين ينحصر في القصد الجنائي الذي اتجهت إليه إرادة الشخص وطبيعة تصرفه المادي في المال بعد العثور عليه.
وأشار الشملي إلى أن قانون الجزاء العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7/2018 نظم هذه المسألة بوضوح في المادتين (361) و(362)، حيث تنص المادة (361) على عقوبة السجن من شهر إلى سنة والغرامة من مئة إلى ثلاثمائة ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من عثر على مال ضائع ورفض رده إلى صاحبه، واستفاد من هذا النص أن المشرع لم يجرم مجرد الالتقاط، بل رتب المسؤولية الجزائية على الاقتران برفض الرد، موضحًا أن مجرد حيازة المال لفترة قصيرة بقصد المحافظة عليه لا يكفي لإثبات الجريمة ما لم تقم الأدلة على توافر أركانها القانونية، كما تطرق إلى المادة (362/أ) التي تعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مئة إلى خمسمائة ريال كل من استولى بنية التملك على مال وقع في حيازته خطأ مع علمه بذلك.
وأضاف أن التعامل مع المفقودات يثير تساؤلات مهمة حول الحدود الفاصلة بين حسن النية وسوء النية ودور القضاء في تقدير التكييف القانوني؛ إذ يتجلى حسن النية في اتجاه رغبة الملتقط نحو حفظ المال ورده لا حرمان مالكه منه، وشدد على ضرورة التمييز بين حسن النية كواقعة مادية تُستخلص من الظروف المحيطة، وبينه كدفع قانوني يهدف إلى نفي القصد الجنائي، مؤكدًا أن مجرد ادعاء حسن النية لا يعفي الشخص تلقائيًا من المسؤولية الجزائية، تمامًا كما أن مجرد التصرف المادي في الشيء لا يعني بالضرورة ارتكاب جريمة.
وأوضح أن المنظومة القضائية في السلطنة تستند عند النظر في هذه القضايا إلى أصول تشريعية راسخة ينص عليها قانون الجزاء العُماني، وفي مقدمتها مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون"، وقرينة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" في محاكمة توفر له ضمانات الدفاع الكافية. وتؤكد هذه القواعد أن المسؤولية الجزائية لا تُبنى على الظن المجرد أو الافتراض المحض، ولا على مجرد وجود الشيء في حيازة الشخص، بل تتطلب إثبات الواقعة وتوافر الأركان المادية والمعنوية للجريمة كما حددها القانون. ولتقدير سلامة نية الملتقط، تستند جهات التحقيق والمحاكم إلى مجموعة من الشواهد والمؤشرات الملموسة؛ كالمبادرة بتسليم المال إلى الشرطة أو إبلاغ إدارة المكان الذي عُثر فيه عليه، والاحتفاظ بالشيء في حالته الأصلية دون عبث أو استخدام لمصلحة شخصية، إضافة إلى الإفصاح عن واقعة العثور والتعاون في تحديد هوية المالك. كما تُعد بعض الأفعال قرائن على سوء النية، مثل البيع، أو الإخفاء، أو الإنكار، أو محاولة طمس هوية المال، مع مراعاة أن هذه القرائن تُقرأ دائمًا ضمن السياق الكلي للأدلة والبراهين المتاحة في القضية.
وأفاد الشملي أنه "فيما يتعلق بالتصرف في المال المعثور عليه، فهو لا ينفي حسن النية بشكل حتمي؛ إذ قد يكون التصرف ماديًا وبقصد حماية المال، كنقله إلى مكان آمن من السرقة أو تسليمه للجهات المختصة، وتختلف هذه التصرفات المحمودة جذريًا عن الأفعال التي تكشف عن نية التملك كبيع المال أو استهلاكه، وحتى في حالات الاستعمال المؤقت، يحرص القضاء العُماني على عدم إصدار أحكام قاطعة بالمسؤولية أو نفيها إلا بعد دراسة دقيقة لطبيعة الاستخدام، والنية المصاحبة له، والنص القانوني المنطبق على الواقعة."
وأوضح الشملي أنه فيما يتعلق بالمهلة الزمنية المحددة قانونًا لإتمام تسليم المفقودات المعثور عليها، فمن المهم إيضاح أن التشريعات الجزائية العُمانية لم تفرض مهلة زمنية عامة ومحددة بالساعات أو الأيام (كأن تكون 24 أو 48 ساعة) تسري على كافة أنواع المفقودات، وعليه فإن القول بوجود مهلة محددة بذاتها ينبغي ألا يُستند فيه إلى الاجتهاد أو العرف الشخصي دون نص تشريعي أو تنظيمي صريح يحدد ذلك للواقعة بعينها. وبناءً على هذا الإطار القانوني، يتحدد التصرف السليم والمستحسن فور العثور على أي مفقودات بالمبادرة إلى إبلاغ الجهات المختصة أو تسليم الشيء أو المال دون تأخير غير مبرر؛ حيث إن التسليم السريع يضمن حماية المال وصيانته، ويقطع الطريق على أي تفسير قد يثير الشكوك حول نية الملتقط أو يعرضه للتساؤل القانوني.
التأخير في تسليم المفقودات
ويتعامل القضاء العُماني بحذر ودقة مع حالات التأخير في تسليم المفقودات؛ إذ يفرق بوضوح بين مجرد التأخر العارض وبين الجريمة المتعمدة المتمثلة في رفض رد المال أو الاستيلاء عليه بنية التملك. فالمادة (361) من قانون الجزاء تربط العقوبة بالعثور على المال ورفض رده، بينما تتطلب المادة (362/أ) الاستيلاء بنية التملك على مال وقع في الحيازة خطأ، وهما جريمتان لا تُثبتان بمجرد مرور وقت قصير في ذاته، وتتطلب عملية تقييم التأخير دراسة ظروف الواقعة بدقة، مثل توقيت العثور على المال، ومدى إمكانية تحديد هوية صاحبه، وتوافر الوسائل المعقولة للتواصل، فضلًا عن التأكد مما إذا كانت هناك ظروف حقيقية حالت دون التسليم، وما إذا كان الحائز قد حافظ على المال طوال فترة التأخير وبادر بتسليمه فور زوال المانع. وفي هذا السياق، فإن الأعذار الطارئة كالمرض الشديد أو السفر قد تكون عناصر مهمة في تقدير السلوك، لكنها لا تُعد أعذارًا تلقائية ما لم يُثبت تأثيرها الفعلي على القدرة على التصرف، بحيث لا يكون بمقدور الشخص الإبلاغ أو تسليم المال بالطرق المتاحة أو عبر شخص موثوق قبل السفر، كما يُراعى التفريق بين المسؤولية الجزائية وشروطها وبين القواعد المدنية للقوة القاهرة الواردة في المادة (177) من قانون المعاملات المدنية، حيث إن التأخير المبرر بظروف واقعية حقيقية يختلف كليًا عن التأخير المصحوب بالإخفاء أو الاستعمال أو سوء النية.
إبراء الذمة القانونية
ولضمان إبراء الذمة القانونية منذ اللحظة الأولى للعثور على أي أمانة أو أغراض مفقودة، يُنصح باتباع خطوات عملية دقيقة تبدأ بتأمين المال بقصد الحفظ والضرورة القصوى دون الاستيلاء عليه، وتجنب أخذ أي أغراض أخرى أو العبث بالمحتويات، كما يجب الامتناع التام عن استعمال الشيء المعثور عليه، سواء كان هاتفًا لإجراء مكالمات، أو بطاقة مصرفية للشراء والسحب، أو أموالًا نقدية للإنفاق، لما يمثله ذلك من شبهة خلق نزاع حول نية الشخص وترتيب مسؤوليات قانونية مستقلة، ويلي ذلك المبادرة السريعة إلى إبلاغ الجهة المختصة أو إدارة المكان الذي عُثر فيه على الأغراض، وتوثيق تفاصيل الواقعة للحصول على إيصال أو إثبات رسمي يوضح وصف المعثور عليه وتاريخ التسليم، وفي حالات خاصة كالهواتف الذكية والبطاقات المصرفية، يُحظر منعًا باتًا محاولة تجاوز أقفال الشاشة أو الاطلاع على الصور والرسائل والمحادثات الخاصة، ويقتصر التعامل عند ظهور إشعار ظاهر على الاستفادة بالقدر الضيق اللازم للتواصل مع المالك أو تسليم الجهاز فورًا للجهات الأمنية المختصة، مع تجنب خلط الأموال النقدية الكبيرة بالأموال الشخصية وتسليمها رسميًا لضمان سلامة الموقف الواقعي والقانوني.
نشر صور المفقودات
يعد نشر صور المفقودات على منصات وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن أصحابها تحديات قانونية بالغة الأهمية، لا سيما ما يتعلق بحماية الحياة الخاصة والبيانات الشخصية، ورغم أن نشر وصف عام للمفقود قد يشكل وسيلة عملية للمساعدة، فإن نشر صور المستندات الرسمية، أو جوازات السفر، أو البطاقات المصرفية من الوجهين، أو لقطات شاشة الهواتف الحافلة بالرسائل والأسماء الخاصة، يُعد محظورًا لما يترتب عليه من كشف معلومات حساسة وعرضة لسوء الاستخدام. وفي هذا السياق، يُنظم قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022 وتعديلاته بموجب المرسوم السلطاني رقم 68/2026 ضوابط سرية المعلومات، حيث تفرض المادة (21) التزامًا صارمًا بعدم نشر البيانات الشخصية إلا بموافقة مسبقة من أصحابها، ومع أن تطبيق هذه النصوص يتطلب تقدير طبيعة المعالجة وصفة الناشر، فإن حسن القصد لا يمنح الشخص حقًا مطلقًا في كشف بيانات الآخرين أو توجيه اتهامات علنية تخل بالسمعة، كما أن مخالفة أحكام حماية البيانات قد تعرض مرتكبها لعقوبات مالية جسيمة نصت عليها المادة (28) بغرامات لا تقل عن خمسة عشر ألف ريال عُماني ولا تزيد على عشرين ألف ريال عُماني، فإن القاعدة العملية السليمة تتمثل في الاكتفاء بالإعلان المحدود عن وجود المفقودات دون نشر أسرار المالك أو بياناته الحساسة.
مكافأة مالية
وفيما يتصل بحق الملتقط في المطالبة بمكافأة مالية نظير حفظه للمال وإعادته، فإن القانون العُماني لا يقرر مكافأة تلقائية أو إلزامية عامة مجردة من السند التشريعي؛ إذ تحيل المادة (853) من قانون المعاملات المدنية مسائل اللقطة إلى التنظيمات والقوانين الخاصة بها، وبناءً على ذلك، لا يملك الحائز حقًا قانونيًا في فرض مكافأة مالية أو حبس المال المفقود ورفض رده حتى يُستجاب لطلبه، حيث قد يعرضه هذا التصرف للمساءلة الجزائية بتهمة رفض رد المال الضائع وفق المادة (361) من قانون الجزاء، ومع ذلك، يحق للملتقط قانونًا المطالبة باسترداد المصروفات والنفقات المعقولة التي تكبدها فعليًا في سبيل المحافظة على الشيء أو تسليمه، كما يجوز لصاحب المال منح مكافأة طوعية اختيارية تعبيرًا عن تقديره، شريطة ألا تتحول الأمانة إلى وسيلة ضغط أو مساومة.
دور أنظمة المراقبة الحديثة
واختتم الشملي حديثه قائلًا: "لا توجد إحصائيات رسمية منشورة تحدد بدقة نسبة قضايا الاستيلاء على الأموال الضائعة من إجمالي الجرائم الواقعة على الأموال في سلطنة عُمان، نظرًا لتعدد الأوصاف القانونية وتداخلها بين رفض رد المال الضائع (المادة 361)، والاستيلاء على مال وقع في الحيازة خطأ (المادة 362/أ)، وجرائم إساءة الأمانة أو الدخول غير المشروع، وفي المقابل تلعب الكاميرات الذكية وأنظمة المراقبة الحديثة دورًا محوريًا في كشف هذه الوقائع عبر تحديد مكان العثور على المال بدقة، وتتبع التسلسل الزمني، وتحديد مسار الأشخاص وتواجدهم، غير أن التسجيلات وحدها لا تكفي لإثبات القصد الجنائي للاستيلاء بقصد التملك، بل تتكامل مع الأدلة المادية وشهادة الشهود ومحاضر التسليم؛ كما تُعد الكاميرات في الوقت ذاته أداة محورية لدعم براءة الملتقط وإثبات حسن نيته متى أظهرت مبادرته المباشرة بتسليم المال لجهات الاختصاص."