علّلت الأكاديمية السويدية في الثامن من أكتوبر فوز الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب بأن منجزها جريء ومبتكر أبدع أشكالا جديدة للأدب المعاصر «في حوار تغلب عليه روح اللعب مع التراث الكلاسيكي»، وتستحق هذه العبارة وقفة طويلة من القارئ العربي، فكلمتا «اللعب» و«التراث» من النادر أن تجتمعا معا في معجمنا الثقافي دون أن يبدو اجتماعهما نوعا من التجاوز.

ويزيد هذه الإشارة ثقلا أن كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» يكمل هذا العام قرنا كاملا. والكتاب هو أشهر محاولة عربية حديثة لمقاربة القصيدة القديمة نصا قابلا للمساءلة، وانتهت المحاولة ببلاغات إلى النيابة، وتحقيق أغلقه رئيس نيابة مصر في ذلك الوقت محمد نور في مارس 1927 لانتفاء القصد الجنائي، ثم بطبعة معدلة في العام نفسه عنوانها «في الأدب الجاهلي»، حُذف منها فصل وأضيفت إليها فصول.

وخلال المائة عام الماضية بين قضية طه حسين وفوز آن كارسون بنوبل ثمة سؤال يستحق أن نطرحه في الثقافة العربية حول حدود علاقتنا بالنصوص القديمة، لماذا غلبت عليها علاقة الحراسة؟ وماذا تكشف لنا تجربة شاعرة كندية تشتغل على الإغريق عن هذه العلاقة؟

الشذرة والقاموس

بنيت شهرة كارسون على «سيرة ذاتية للأحمر» الصادرة عام 1998. وينطلق الكتاب من الشاعر الإغريقي ستيسيخوروس، الذي لم يبق من قصيدته عن جيريون، الوحش الأحمر المجنّح الذي قتله هرقل، سوى نحو أربع وثمانين شذرة على ورق البردي. ترجمت كارسون الشذرات ترجمة حرة دون تحرج من المفارقات الزمنية، ثم كتبت فوقها رواية شعرية معاصرة يصير فيها جيريون فتى يهوى التصوير ويعيش قصة حب مع هرقل، وختمت الكتاب بحوار متخيَّل مع الشاعر القديم.

وفي «نوكس» أي الليل باللاتينية الصادر في 2010، صنعت لأخيها مايكل، الذي مات في كوبنهاغن عام 2000 بعد قطيعة طويلة، شاهدَ قبر على هيئة كتاب. وفي قلبه مرثية الشاعر الروماني كاتولوس لأخيه: على الصفحات اليسرى مدخل معجمي لكل كلمة لاتينية من القصيدة، وعلى اليمنى شذرات من حياة الأخ الغائب وصوره ورسائله. وتعترف كارسون بأنها لم تبلغ الترجمة التي أرادتها.

تصف الأكاديمية السويدية هذا المنجز بأنه ملتقى هوس فقيه اللغة بالكلمات ورغبة الشاعر في معنى جديد، وتذكر أن كارسون تعدّ اشتقاق الكلمات نقطة البدء في كل ما تكتب. واللعب هنا أعلى درجات الجدية في القراءة، فأنت تعامل النص القديم شريكا حيا يجيب عن أسئلتك، وترى في ثغراته مادة للكتابة. وحين ترجمت سافو أبقت أقواسا فارغة حيث ضاع النص، فصار البياض جزءا من القصيدة.

الأقنعة

استدعى الشعر العربي الحديث تراثه بكثافة لافتة، فالحلاج والمتنبي والمعري وزرقاء اليمامة حضروا في قصائد البياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأدونيس، حتى أفرد الناقد المصري علي عشري زايد للظاهرة كتابه «استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر».

غلبت على هذا الاستدعاء تقنية القناع التي يتخذ فيها الشاعر من الشخصية التراثية ستارا يقول من خلفه حاضره، وكثيرا ما كان الحاضر سياسيا مثقلا بالهزائم. فـ«البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» قصيدة عن هزيمة 1967 قبل أن تكون عن العرّافة. وقصيدة «لا تصالح» لأمل دنقل أيضا هي أبرز مثال حاضر في الذاكرة العربية الحديثة لتقنية القناع.

على أن أضخم هذه المشاريع «الكتاب: أمس المكان الآن» لأدونيس، الذي صدرت أجزاؤه الثلاثة بين 1995 و2002 تحت عبارة «مخطوطة تُنسب إلى المتنبي يحققها وينشرها أدونيس». ويتوسط الصفحةَ متنٌ منسوب إلى المتنبي يذيّله أدونيس بتعليقه، وتحيط بهما هوامش تستعيد وقائع من التاريخ العربي، كثير منها وقائع قتل وفتن. وعدّ النقاد هذه التجربة، رغم الملاحظات الكثيرة حولها، أجرأ اقتراب عربي حديث من شاعر كلاسيكي، لكن أدونيس أجلس المتنبي في مقعد الشاهد، في محاكمة يعقدها الحاضر للتاريخ.

الفارق بين القناع وما تفعله كارسون فارق في الاتجاه، فالقناع يستعير صوت السلف ليتكلم به الحاضر، أما كارسون فتسلك طريقا معاكسا تقريبا: تدخل نص السلف نفسه، كلماته وثغراته واشتقاقاته، وتترك النص يغيّرها.

ولغلبة القناع استثناءات ينبغي الاعتراف بها، أقربها إلى روح كارسون تجربة البحريني قاسم حداد في «أخبار مجنون ليلى» التي أعاد فيها بناء الأسطورة بتفكيك الأخبار المنقولة عنها في كتب التراث، ثم في «طرفة بن الوردة» حيث يتقاطع شعره مع شعر طرفة بن العبد حتى يتداخل الصوتان، غير أن هذه التجارب بقيت، في حدود ما أعرف، خارج التيار الغالب في الشعر العربي.

أداة قديمة

وإذا ضاق الشعر باللعب مع النص القديم، فقد وجد اللعب مكانه في النقد. منذ أطروحته في السوربون عن مقامات الهمذاني والحريري يقرأ الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو المقامات والجاحظ والمعري وألف ليلة وليلة بخفة من يحاور أصدقاء، ويطمس الحد بين الدرس النقدي والحكاية، حتى صارت القراءة نفسها حكاية في «والله إن هذه الحكاية لحكايتي».

والعربية من أكثر اللغات استعدادا لمنهج كارسون، فهي لغة جذور، وقد عرف تراثها لعبا اشتقاقيا جادا قبل ألف عام. وفي سنوات الدراسة في كلية التربية عندما كنتُ أدرس الأدب العربي أذكر أننا درسنا بابا في كتاب «الخصائص» لابن جني اسمه «الاشتقاق الأكبر»، قلّب ابن جني في ذلك الباب حروف الجذر على وجوهها الستة، وردّ تقاليب (ق و ل) جميعا إلى معنى الخفة والإسراع، وتقاليب (ك ل م) إلى معنى القوة والشدة. ولم يعتمد اللغويون بعد ابن جني هذا الباب أصلا من أصول اللغة، وفي «المزهر» للسيوطي نقل يقرر أن ابن جني صنعه «بيانا لقوة ساعده» وهو يعلم أن الصيغ تحمل معاني تتجاوزه. كان، بلغة اليوم، لعبا لغويا رفيع المستوى، احتفظ به التراث في كتبه.

ما الذي نحرسه؟

لماذا بقي اللعب على الهامش إذن؟ أسهل الأجوبة أن تُلقى التبعة على ضيق الأفق، وهو جواب يظلم التاريخ. صدر كتاب طه حسين والقوات البريطانية لا تزال في مصر، وكان المستشرق البريطاني مرجليوث قد نشر قبله بعام دراسة يشكك فيها في أصالة الشعر الجاهلي، فقرأ كثير من خصوم طه حسين كتابه على أنه صدى لمرجليوث. في سياق كهذا يصير الشعر القديم وثيقة هوية، ومن يحرس وثيقة يتحاشى العبث بها.

ولا يحتكر العرب هذه الحساسية، ففي هذا الصيف تجاوزت إيرادات فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان مليار دولار، وأثار الفيلم في الوقت نفسه اعتراض معلقين محافظين في الولايات المتحدة على توزيع أدواره، ومنها إسناد دور هيلين إلى لوبيتا نيونغو. وحين يتحول النص الكلاسيكي إلى راية يصير كل تأويل له معركة، هناك كما هنا.

ما تقترحه تجربة كارسون على القارئ العربي يتعلق بالثقة أكثر مما يتعلق بالمنهج. اللعب يحتاج إلى ثقافة مطمئنة إلى تراثها، تعرف أن المعلقات لن تتصدع إن قُرئت بخفة، وأن المتنبي يحتمل السؤال كما يحتمل المديح.

قبل مائة عام أغلق رئيس النيابة ملف طه حسين لأن المؤلف كتب ما كتب «في سبيل البحث العلمي». والسؤال الذي تضعه نوبل هذا العام أمام الشعر العربي أبسط من ذلك وأصعب: هل يستطيع شاعر عربي اليوم أن يدخل معلقة امرئ القيس كما دخلت كارسون شذرات ستيسيخوروس، بلا خوف، وبلا حاجة إلى نيابة تبرّئه؟

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عمان».