ترجمة: أحمد شافعي
في رأيك من كانوا، أولئك الشبان؟منغصون.
عفوا؟
طلبة.
ويلبسون بهذه الطريقة؟
غشم الطلبة.
ولماذا بكّروا هكذا إلى المقهى؟
إفطار.
مبكرا هكذا؟
محاضرة مبكرة.
عن؟
عوليس.
من فضلك؟
عن استياء جويس من افتقار اللغة الإنجليزية إلى كلمة تميز بين (فراو) و(فيب).
فراو؟
فراو المؤنث الاجتماعي، فيب المؤنث الجنسي.
الجنسي؟
وما لي أنا؟ اسأل جويس.
نبدأ من جديد. متى بدا أن الأمور على غير عادتها في المقهى؟
حين أخرجوا مثاقب الثلج.
لا ثلج [جاهز] في المقهى؟
ليس على الإفطار.
قالوا لك أي شيء أولئك الشبان وهم يخرجون مثاقبهم تلك؟
صامتون.
ترجمة ممكنة لكلمة فيب؟
جارية.
جارية؟
بمعنى فتاة. متحفية قليلا، لكن هي.
شبان وراء جارية؟
يعني. ليس تماما.
ولم ليس تماما؟
تلمع باتجاهها نظارة المحقق المدورة الصغيرة. تسكت قليلا. عثرت في السكن ليلة أمس على نسخة بالإنجليزية من رواية (ريح الصفصاف). تفكر الآن في الاستشهاد بسطر أو اثنين. في هذه اللحظة تدخل مساعدة ركضا وفي يدها بعض الورق في ملف. يلتفت المحقق، يتناول الملف، يشير لها باتجاه الباب. يقول نستأنف في ما بعد.
*
يوم السبت قبل أسبوع ذهبتْ إلى الجمنازيوم الساعة السادسة صباحا لحضور جلسة الدراجات. كانت القاعة باردة ومعتمة. وأعين الناس لا تزال مشوشة من أثر النوم. أتت بدراجة من الزاوية الخلفية، حركتها قليلا مبتعدة عن الزاوية، ورفعت المقود إلى وضع 6٫5، ودفعت المقعد إلى وضع 7، ووضعت مسمار عموده في ثقب ما بين H وI بينما أخذ البقية يمزحون بكلام عن الكربوهيدرات والطاقة المبذولة في الدراجات وعن موجة حارة متوقعة خلال الأسبوع. وفي ذلك الوقت سأكون غادرت فرانكفورت إلى زيورخ، ودرجة الحرارة ستون، ومطر، ابتسمت لنفسها. ليس خلسة بالمعنى الإجرامي، لكنها لا تخلو من ذلك، كمن يشرع في وضع يديه أسفل الطاولة، فمن يدري.
بعد ذلك، وبأثر رجعي، تبدو تلك الغرفة بعتمتها الباردة، وسلامها العادي، وصفوف الرُكَب وهدير الدواسات، وكأنها كوكب آخر. حينما يسألها المحقق، من في رأيك أولئك الشبان، ومتى جاؤوا؟ ستجيبه، منغصون، وسوف يغير نبرته، فهي الشخص المختلف، والمرء بالخبرة يحذر المختلفين. لكن هذا يأتي لاحقا، بعد فرانكفورت، بعد الدانوب، بعد متاعب فرق التوقيت، وفحص الجوازات مرارا، وغرفتين فندقيتين وثلاث محاضرات أعقب كل واحدة منها حوار مع الجمهور، وتعكُّر مزاج فاليري في أثناء ذلك كله بسبب البواسير. في اليوم المعني تستيقظان في بلدة فيسب. تطل النافذة على الألب. تحسمها، لا يمكن وصف الألب. ليست كأي شيء عداها. إنما هي نفسها. تقول فاليري، واو. يغمر الضوء غرفة الفندق (بل السكن الجامعي في الحقيقة)، أما الكافيتريا التي يقصدانها للإفطار فيهبطان إليها على سلم حجري حتى القبو، منخفضة ومعتمة. ينقلها التناقض إلى ذهنية جلسة الدراجات. تنحني فاليري بحذر بالغ إلى كرسي بجوار مائدة عند الجدار. تقول (ف) هاتي لي بعض حبوب الموسلي. وموزة إن رأيت موزة. تسأل، هل ينفعك الموز؟ تحملق فيها فاليري. تمضي إلى نضد الطعام وتقف في صف فيه بعض الطلبة. كانت الرحلة شاقة بالقطار إلى فيسب. بينما كانتا تركبان من زيورخ قالت فاليري فجأة، أنا أكره القطارات. سألتها لماذا؟ ذكرت فاليري محصلي التذاكر ذوي الثياب الرثة، والقمامة المحيطة بالقضبان، وأشياء أخرى كثيرة. قالت، لم أكن أعرف مطلقا أن هذا شعورك. جلستا في صمت. تتوالى غابات خضراء، أنهار خضراء الزبد. قال المحصل، هل نظرتِ في تذكرتك؟ قال ذلك ردا على سؤالها الفظ الذي كان في جوهره: ما [المحطة] التالية؟ بل ماذا بعد أن ننجو مما نحن فيه؟
*
لماذا تحدثتِ معه؟
هو الذي تحدث معي؟
كنت تعرفينه؟ من قبل؟
قال. بالنسبة للقيد. كان محكما للغاية.
القيد المعتاد.
من يضع في أيدي الناس قيدا فعليه أن ينتظر منهم رأيا في ذلك.
كان لك كلام عن أوضاع الريح، لماذا؟
لا، بل عن كتاب.
لم أر كتبا.
كتاب أطفال.
أطفال. أطفال من. يستعمل أطفالا؟
لا، بل يريد أن يتعلم الإنجليزية. وهناك هذا الكتاب. قرأته أنا أيضا. في طفولتي.
إذن كنت تعرفينه. من قبل.
عرفت شخصا مثله. قبل سنين. دعك من هذا.
أنت تمزحين وهؤلاء ناس خطرون. أعلم أنهم مذنبون، وهذا ليس شأني. أين عرفته حينما عرفته من قبل؟
في عينيه شيء غريب، رأيته؟ يرمش، وينظر إلى أسفل.
بدا لك، وهو في مرحلة بلوغه الدموية، جذابا.
ممكن.
متى بدأ هذا الانجذاب؟
هل تستعيدين الآن هذا الانجذاب؟ هل تستعيدين ولعا قديما؟
«ولع». تلك كلمة لا أستعملها أبدا. وأخرى هي «الفزع».
هذه النكات هي دفاعك.
أنا آسفة، لكن، نعم. هيا نرجع.
لماذا لا تقولين الصدق.
بل أقوله. ليكن. حينما كنت في الأربعين أقمت علاقة مع ابن سبعة عشر، كانت (كما تعلمين) كارثة محققة، منذ سنين، لم نعد نتكلم تقريبا، مرة كل فترة عبر الهاتف، ترك الخمر والمخدرات، ويحضر اجتماعات كل من فيها يعترف بقوة أكبر. قلت، فأنت الآن غير مرغم على التظاهر بأنك شخص مستقيم، وقال، تعليق لا يصدر إلا منك، ثم حكى لي في إثارة شديدة عن قوس قزح يراه من شباك مطبخه على الأرض في مدخل البيت، وذكّرته بقوس قزح رأيناه ذات ليلة في بيت مولي ولم يتذكره. قلت، الليلة التي ذهبنا فيها إلى سباق السيارات، وقال، أوه صحيح. على أي حال أيها النقيب أنا أضجرك، الأمر أنه، حينما دخل الولد الكافيتريا فكرت أنه هو. هو قبل عشرين سنة. بدا شبيها به تماما. طعنني في قلبي.
أوجاع القلب قد تقسو أحيانا.
أنت فعلا يجب أن تقرأ ريح الصفصاف.
الحكايات لا تعنيني كثيرا. ما أريد أن أثبته اليوم هو أنك مسئولة تجنيد الخلية الثورية المعنية، أو العكس، وأقولها لك بصراحة. هناك المزيد من الأسئلة. من فضلك لا تتركي الفندق. وبالمناسبة، لست نقيبا. يمكنك أن تناديني كلير.
هذا اسمك؟
تقريبا.
*
كانت تسبح في أحلامها. رغبتها الأخرى غرفة فندقية وفي موضع ما قرب السرير ضوء مناسب للقراءة. رغبتها الثالثة أن تقدر على قول شيء (أي شيء) في العشاءات الأكاديمية. كثيرا ما تأتي جلستها بجوار زوج مسن لامرأة متوهجة، ذي حاجبين أشعثين، يلقي كريات زجاجية وسط أقوال الآخرين فيثير ضحكها. وعند تناول الحلوى تجلس شاردة في العلاقة القديمة مع ذلك الشخص الذي كان يصغرها كثيرا، وقد يكون مثليا وقد لا يكون، كان صبورا للغاية، بل أكثر من صبور، وحينما كانت تشاهده وهو يرتدي معطفه ويعقد وشاحه كانت تفكر أحيانا أنه إما مجنون، أو هي المجنونة. ومع ذلك كثيرا ما كان يعتريه الغضب، أو يعتريها. تسمع في جنح الليل طائرا أسود. تقرر أنه طائر أسود. تفكر في إيقاظ فاليري ثم تعدل. هي أستاذة زائرة في أماكن عديدة منذ أمد طويل، طويل أكثر مما ينبغي. بمرور الوقت لم تعد على يقين من قدرتها على «تعليم» أي شيء لأي شخص، فتدنَّت بطموحها إلى «الإلهام»، والآن قانعة بمحض الحضور. وبألا يصدر عنها نعير حيواني بالخطأ. هم أنفسهم لا يخلون من حيوانية، الشباب، وفيهم كذلك شيء مما قبل التاريخ، يغفرون لها نوبات انطفائها. لا تحل نوبات اللهاث إلا في يوم الجمعة، وهي لم تدرّس في أيام الجمعة منذ سنين. قالت للشخص الصغير الذي قد يكون مثليا أو لا يكون، في آخر لقاء بينهما، بوسعك الآن أن تذهب. كانا يمشيان في مكان خريفي ما، وفي الطريق ضباب واهن. وتوقف ليربط حذاءها. وسيطرت هي على ضيقها.
*
إذن يا كلير، أي اسم هذا؟
تقريبي.
هل يمكنك أن ...
نستأنف من حيث توقفنا. تكلمت معه مرة ثانية. وماذا قال؟
بل انتظري. حتى أخرج ملاحظاتي.
تدون ملاحظات؟
لا. نعم. لاحقا. قال في الأساس إنه قابل (ك)، ذلك الرجل الذي فتح له عينيه على كذا كذا كذا. غضاضة الثالثة عشرة. مس كهربائي. ديترويت كانت امتحانا نموذجيا. كانوا أطفالا، فلا حدود، ولا تجارب، وكان الإيقاع إيقاع (أربعة على الأرض)
تمهلي من فضلك.
كان منصتا لإيقاع أربعة على الأرض عندما رفع (ك) الصوت ببعض الأجهزة، وقال، حان وقت جولة منتصف الليل الموسيقية الساحرة. كانت المرة الأولى التي يستمع فيها إلى تسجيلات ممزوجة على إيقاع واحد. ارتدى (ك) القناع المطاطي ـ من يصدق هذا؟ رجل قادم من العدم، ولا أحد، لا أحد مطلقا يرقص، ثم يدخل (ك)، فيشغل أسطوانة 45 وتمتلئ الساحة كأنها مطمورة بأوراق نقدية من فئة الألف دولار.
تصفين درسا موسيقيا؟
حسن، لقد قال إنها كانت فترة موسيقى الريغي في حياة (ك)، أوائل أيام شرائط الكاسيت، شرعوا يحاولون تقليد الأصوات التي تعجبهم. وأمهاتهم كن بعيدات أو غافلات، وكل شيء حدث فجأة. قال شيئا عن إزاحة الدي جيه بعنف لنيل الفرصة لكنني لم أستوعب ما قاله. ثم قال، من يريد أي قدر من الاحترام في هذا الوسط، فليتظاهر بأن له أعداء، حربا وهمية. أصلا لم يكن أحد يعرف من نكون.
تسلُّح؟
نوعا ما. صُنع أشياء في غرفة نومه. كانت لدى (ك) معدَّات كثيرة كأنها سفينة فضاء. ولم يكن لأحد أن يرى (ك) وهو يعمل، ليس سوى رؤية المنتج النهائي.
عقدة المسيح؟
إمممم.
طوباوية راديكالية؟
لا أعتقد. جائز. كانوا ينظرون إلى العالم نظرة مختلفة، بالتأكيد. في تلك الأيام، من كان يريد الاستماع إلى تسجيل معين كان عليه أن ينتظر بجانب المذياع يومين إلى أن يذاع. كانوا يفعلون هذا. لم يكن الأمر إمعانا. كان عبادة. كان (ك) يسكر، ويتمايل ممسكا الميكروفون، ويقول، من يطأ هذه الأرضية ينل حريته في الكون.
جنون سلطة.
أو صبية مغرمون. النهاية طبعا كانت سيئة. لم يسهب في هذا. مشكلات المدح والذم القديمة، أو هذا ما أتخيله. اقتسام الأرباح. قال إن (ك) قال له، أنا علمتك ما تعلمه، ولم أعلمك قط ما أعلمه.
هل يمكن منع القرصنة؟ هل يمكن تجفيف منابعها؟ نعم.ما هم إلا صبية.
في رأيك لا شيء من هذا ذو قوة. رأيك خطأ.
رأيك واضح.
العاصفة الهائلة تجمع ما يبدو متفرقا. نص قديم.
أرادت أن تذكر (ريح الصفصاف)، وهو نص قديم، لكن هاتفه رن، وكان يجمع أوراقه وأفلتت اللحظة. حدثت نفسها، سأرسل له بطاقة بريدية فور رجوعي إلى البيت. أنتقى استشهادا. ذلك الجزء من النص المتعلق بتفريغ السلة، مهما يكن الأمر.
*
ماذا فعلتم بجثته؟
اجلسي من فضلك.
شكلك متغير.
لم نفعل شيئا. لم أفعل شيئا. آه.
استجوبته؟
ليس رسميا. محض ثرثرة. يقول. لكسب شيء كالمال ما لي حيلة، ولكسب بشر طيبين ما لي يد. التفكير يصيبني بالهلع. وعندئذ يتوقف. لا بد أن يرجع إلى اللعبة. الكلاب.
أي لعبة؟
صحيح أي لعبة.
وأي كلاب.
يقول، الكلب خبيث حينا، صامت حينا آخر.
أنا تهت.
يذكر مشكلة في الشطرنج توصل إليها صوفي في القرن الثاني عشر. ولم تحل. حتى عام 1980.
رائع. أو غبي. لا أعرف. إذن تلعب الشطرنج.
نعم.
ووجدت طريقة لفهمه.
مطلقا.
لكنه فهمك.
استشهاد: قل ما تشاء لكن اكتب اسمي صحيحا.
مخادع.
هممم.
الناس في شبابهم، الناس في مرحلتهم الثورية، لا يكون واضحا مطلقا....
ترحلين عما قريب؟
غدا.
سيكون هناك ثلج.
وهذه مشكلة؟
في العادة لا.
ليس بوسع أحد أن يعالج يأس أحد غيره.
كان صغيرا جدا على طاولة التشريح.
نعم.
عديم الوزن، كأنه فنجان شاي.
هل يمكن أن أكتب إليك؟
لا.
كم كان الوقت حين ...
أربعة صباحا.
صحوت كمن انجرف.
وقت تقديري فقط.
بفعل شيء ما.
في طريقك إلى الخروج، أرجو إغلاق كلا البابين. شكرا.
نشرت هذه القصة القصيرة في عدد 145 من مجلة مجلة جرانتا بتاريخ 15 نوفمبر 2018