في عام 2026 تمر خمسة عشر عاما على صدور «بن سولع» (2011) آخر روايات الكاتب العُماني علي المعمري. وتتيح إعادة قراءة أعماله النظر في عالم روائي ظل مفتوحا على أسئلة الحرية والكرامة الفردية والصداقة بين الشعوب. وقد أعيد نشر مجموعاته القصصية ورواياته، وصدرت دراسات عن تجربته، كما تُرجمت أعماله إلى لغات أجنبية. وبين رواياته تحتل «همس الجسور» (2007) مكانة خاصة؛ ففيها تبلغ صورة الإنسان الحر، كما يتخيلها المعمري، أحد أوضح تجلياتها.
يروي المقربون من علي المعمري -ومنهم شقيقه الشاعر طالب المعمري- أن شخصيته كانت حاضرة في أدبه؛ رجلا مستقلا لا يهدأ يميل إلى التمرد على المألوف والقيود. وتبدو هذه السمات في أعماله، لا بوصفها سيرة ذاتية مباشرة، بل في شخصيات تبحث عن موضعها في العالم، وتختبر ما تقدر على الاحتفاظ به من ذاتها وهي تعبر الأمكنة والعلاقات المختلفة.
تتجلى هذه النزعة في «همس الجسور» عبر أمينة، امرأة كوبية تعيش في إسطنبول، ثم ترتبط بعُمان ارتباطا عميقا. تمر حياتها بتحولات وخسارات أبرزها فقدان ابنها وهو صغير؛ إذ ينتهي به المطاف في أسرة أخرى، وينقطع عن والديه وماضيه. وتواصل أمينة بعد مرور سنوات الأمل في أن يكون حيا والبحث عنه. أما الراوي فيكتشف مصادفة أن رجل الأعمال الشاب المعروف بأبي خلفان هو ابنها، لكن الحقيقة تصل متأخرة؛ فالأم والابن يموتان في اليوم نفسه، كلّ بعيدا عن الآخر.
منذ ظهور أمينة يظل أصلها موضع تساؤل لدى الراوي. وُلدت في كوبا باسم همينة أنتونيو بيونسته، وعُرفت في إسطنبول باسم أمينة هانم. ويحاول الراوي أن يعرف من أين جاءت، فيراها أول الأمر شبيهة بالممثلة الإيطالية صوفيا لورين، ثم يعلّق على ملامحها قائلا إنها توحي بعرق قشتالي، وإن فيها من صفات حوض البحر الأبيض المتوسط. وبعد ذلك يخلص إلى أنها قد تكون من إسطنبول «من هذه المدينة الممتزجة بالأعراق والدماء».
تكشف هذه التخمينات ميل الراوي إلى البحث عن أصل واحد يفسر شخصية أمينة فيما تتسع هي لتجارب وأمكنة متعددة. فلا تختزلها ولادتها في كوبا، ولا يمنحها اسمها في إسطنبول هوية نهائية. تسعى الرواية من خلال هذه الشخصية إلى تصوير إنسان لا تحدد علاقته بالآخرين حدود الجغرافيا أو اختلاف الأصل والدين. فأمينة تصادق أشخاصا من خلفيات مختلفة، وتقترب من ثقافات أخرى من دون أن تفقد صلتها بما عاشته من قبل.
يظهر ذلك أيضا في علاقتها بعُمان. تقول أمينة: «انزرع هنا في أحشائي شيء يُسمّى عُمان»، وتطلب أن يُنثر جزء من رمادها في وطنها الكوبي. تظل كوبا جزءا من ذاكرتها فيما تغدو عُمان مكانا آخر من أمكنة حياتها، فيها أصدقاء وأحباء وابن. لا تمحو صلتها بعُمان ماضيها الكوبي، ولا تجعل ولادتها في كوبا ما عاشته في عُمان أقل صدقا. هويتها تتشكل من التجربة ومن الروابط التي أقامتها، لا من اسم واحد أو مكان واحد.
لهذا تبدو أمينة شخصية حرة وناضجة ترى في العالم مجالا للمعرفة والتواصل. ويكتسب تغيّر اسمها دلالة تتجاوز انتقالها من اسم إلى آخر؛ فهو يرتبط بتحولات حياتها وبقدرتها على الاقتراب من عوالم مختلفة. غير أن الرواية لا تصوّرها إنسانة بلا جذور، ولا تجعل حرية الحركة مرادفا للتخلي عن الماضي. إنها تحتفظ بما يخصها، وتفسح في الوقت نفسه مكانا لتجارب جديدة.
في مقابل أمينة يقف ابنها يعرب الذي يعرف في الرواية بأبي خلفان. نشأ يعرب بعيدا عن والديه وفي أسرة غريبة عنه، وانفصل عن جذوره الأولى. وتقدمه الرواية شخصية قلقة لم تستقر صورتها عن نفسها؛ فهو يسعى إلى الانتساب إلى جماعة تمنحه شعورا بالانتماء، لكنه لا يجد ذلك الشعور في داخله. وبدلا من أن يكوّن موقفا خاصا به يتأثر سريعا بما يحيط به من أشخاص وأفكار وأنماط عيش.
يقول أبو خلفان للراوي في حديث يكشف نظرته إلى الآخرين: «ياخي لا يوجد لديك رقم هاتف محمول وأنت تقول إنك مقيم، ولا حتى بطاقة، متى تنتظموا! متى تتعلمون من اليابانيين والناس الحضاريين هذا السلوك الحضاري، متى؟». وفي هذا الكلام ما يكشف تناقضا في الشخصية؛ فهو يتمسك بانتمائه العربي والعُماني، لكنه ينظر إلى مجتمعه بعين متبرمة، ويستمد معيارا للتقدم من جماعات يراها أكثر انتظاما وتحضرا.
وحين يغادر عُمان يحاول أبو خلفان أن يحاكي بعض أنماط الحياة التي يراها في الغرب. غير أن الرواية تصوّر محاكاته سطحية؛ إذ يتجه إلى ما يحقق له المتعة العابرة من دون أن يكون فهما أعمق للثقافة التي يقترب منها. ويبتعد بذلك عن جذوره من غير أن يعثر على صلة حقيقية بالعالم الجديد. فهو يتجنب اسمه الأول يعرب، ويفضل أن يُعرف بلقب أبي خلفان كأن الاسم الذي يحمله لا يكفي لتثبيت صورة يريدها لنفسه.
وتنطوي شخصية أبي خلفان على آثار فراق مبكر؛ فقد حُرم من معرفة أمه وماضيه، ونشأ بعيدا عن أسرته الأولى؛ ومن هنا يمكن فهم جانب من بحثه المضطرب عن الانتماء. غير أن الرواية تبرز أيضا عجزه عن تحويل هذا الفقد إلى معرفة بذاته. فهو يتنقل بين صور مختلفة عن نفسه، ويتكيف مع ما يتوقعه من الآخرين، لكنه لا يملك موقفا مستقرا يواجه به هذا التغير.
ويمنح هذا التقابل بين الأم وابنها الرواية توترها الإنساني. أمينة تتغير في الاسم والمكان والعلاقات، لكنها تحتفظ بمبادئها وبقدرتها على معرفة ما تريده، أما أبو خلفان فيتعلق بأسماء الجماعات وصورها الخارجية، فيما يظل عاجزا عن بناء صلة متينة بذاته. ليست أمينة شخصية ساكنة أو مكتملة منذ البداية؛ خبرتها المتعددة هي التي تعمق معرفتها بنفسها. كما أن أبا خلفان لا يُختزل في تقلبه؛ فالرواية تربط اضطرابه بماضيه وبنشأته بعيدا عن أمه.
تتمتع أمينة بحسّ واضح بالحياة؛ فهي تحب قضاء الوقت مع أصدقائها في المقاهي والحانات، وتستعيد معهم ذكريات الشباب في أحاديث عفوية. ولا تضع متعتها في الحياة على طرف نقيض من أخلاقها؛ فهي تحتفظ بمبادئها، ولديها آراء راسخة، وتعرف كيف تصون حريتها من دون أن تنكر حق الآخرين في اختلافهم. وفي ذلك جانب أساسي من فرادتها؛ فهي متغيرة في تفاصيل حياتها، ثابتة فيما تؤمن به
لا تتخلى أمينة عن حسّها بالحياة، ولا تجعل المتعة مقياسا وحيدا لاختياراتها. وتتسع تجربتها لأناس من قوميات وثقافات وديانات مختلفة، فتساعدها هذه المعرفة على أن تفهم نفسها ومكانها في العالم. وحين تضع حدودا لشخصيتها، لا تجعل هذه الحدود أساسا لرفض الآخرين؛ فهي تتمسك برؤيتها من دون أن تزعم أنها الرؤية الوحيدة الصحيحة، وتتقبل وجهات نظر قد تختلف عنها.
ويظهر البحث عن الذات في روايات المعمري الأخرى أيضا. فأبطال «فضاءات الرغبة الأخيرة» و«رابية الخطار» و«بن سولع» ينتقلون بين أمكنة وتجارب، ويختبرون حدود معرفتهم بأنفسهم وبالعالم. تتيح لهم الأسفار توسيع خبرتهم، لكنها تضعهم كذلك أمام أسئلة عن هويتهم وما يريدونه من الحياة. أما رحلة أمينة فتصل إلى نهايتها بعد سنوات من الفقد والانتظار. ولا تجد ابنها، لكنها تبلغ معرفة أعمق بذاتها، وتعيش ما تؤمن به من حرية في تفاصيل حياتها وعلاقاتها.
وتتصل هذه الحرية في أعمال المعمري باهتمامه بتفاصيل الحياة اليومية؛ فشخصياته لا تُبنى عبر الأفكار العامة وحدها، بل تظهر في المخاوف الصغيرة والكبيرة، وفي الأفراح والأحلام واللقاءات العابرة، وفي الطريقة التي يقضي بها الناس وقتهم ويتذكرون ماضيهم. تمنح هذه التفاصيل الرواية حيوية خاصة؛ إذ تجعل الشخصيات أفرادا لهم حاجاتهم ورغباتهم وتناقضاتهم، لا مجرد أمثلة لأفكار مجردة.
في «همس الجسور» تتجسد هذه الرؤية في أمينة التي تحمل في ذاكرتها أكثر من مكان، وتجمع بين متعة الحياة والالتزام بمبادئها. ويقف إلى جانبها أبو خلفان الذي يكشف اضطرابه صعوبة أن يجد الإنسان صورته في انعكاس الآخرين وحده. ومن خلالهما يربط المعمري الحرية بمعرفة الذات، والانفتاح على العالم بالقدرة على الإصغاء إلى تنوعه. وتكمن قوة الرواية في أنها تجعل هذه الأفكار محسوسة في حياة شخصيتين جمعتهما صلة لم يعرفاها، حتى فرّق الموت بينهما.
غليب فولوشينكو كاتب ومترجم روسي مهتم بالأدب العماني