في كتابه بنفس العنوان الصادر عام 2008م، يذهب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، بطريقته الجدلية المعتادة، إلى أنه من الضروري أن ندافع عن القضايا الخاسرة، التي أصبحت في عصر ما بعد الحداثة قضايا متشظية، ولا توجد قضية أو قضايا كبرى من الممكن أن يدافع عنها المرء، إذ أصبح يُنظر إلى كل قضية كبرى في أزمنة سابقة على أنها قضية لا تستحق التضحية من أجلها في وقتنا الحاضر، ذلك أن زمن التفسيرات الشاملة أو تلك التي تزعم بأنها تمتلك الحقيقة الكونية التي لا تقبل الشك أو النقاش أو المراجعة قد انتهى، وحل مكانها «الفكر الضعيف» الذي يرفض كل نزعة تأصيلية، ويرفض الادعاء بأن هناك واقعًا من الممكن معرفته، ناهيك عن القدرة على تغييره، مفضلًا مراقبة هذا الواقع من علٍ وتشخيص ضجيجه وتعقيداته المختلفة.

وهذا ينطبق بدرجة أكبر على الجانب السياسي، وليس على الجانب الفلسفي فقط، الذي لم يعد قادرًا على تقديم تفسير واحد معقول حول ما يجري في العالم، ولم يعد من الممكن أيضًا خلق عدو واحد من الممكن محاربته أو مجابهته، أو الاتحاد ضده من أجل خلق سردية مقنعة ومعقولة.

الأمر الذي أدى إلى «تقارب الأضداد» كما يرى جيجك، بحيث يصعب التمييز بين التعصب والتسامح، والدين والطاعة العمياء، والأخلاق والبراغماتية الخائفة، وغيرها من الأنماط الفكرية التي تنتشر بسرعة في العالم، على شاكلة انتشار المعلومة والصورة والمقاطع الصوتية المولدة بالذكاء الاصطناعي. كما أصبح التمييز بين الرأي العابر الذي يجد مرجعيته في الحياة اليومية العادية، والرأي الذي يستند إلى مرجعية وتحليل عميق، أكثر صعوبة من الأوقات الماضية، وبهذا المعنى، أصبحت الكثير من المقولات رمادية، بلا لون، وبدون صلاحية فلسفية، وبشكل خاص تلك التي ترددها «الليبرالية المحافظة المستنيرة» التي ترى بأن الرأسمالية نظام شمولي لا بديل عنه، لكنه من الضروري أن يخضع لضوابط وقيم، وإلا سيدمر نفسه من الداخل. وهذا يعيدنا إلى الحاجة إلى مؤسسات قوية تتمثل في الدولة القادرة على تنظيم السوق وضمان المنافسة العادلة من جهة، والحفاظ على الظروف الثقافية والرمزية التي تساعد على الازدهار والنمو من الجهة الأخرى. ذلك أن الرأسمالية لا تستمر بعملها الخلاق في غياب أرضية خصبة من الثقة الاجتماعية، وإحساس جماعي بالعدالة، والقدرة على تحمل المسؤولية والمصير الشخصي. والمطلوب بهذا المعنى الالتزام بهذا النمط الجامد الذي يمزج بين الحرية الاقتصادية والروح السلطوية الاجتماعية في الحدود الدنيا، لتضبط جشع السوق، وتراعي القيم الاجتماعية والأخلاقية. وبالرغم من كل ذلك، تنهار المشاريع البشرية الكبرى، وتتحطم المُثُل الإنسانية الرفيعة، أمام هذا الواقع الذي تنفصل نظريته عن تجاربه الحياتية، إذ تبدو الوعود في عصر الشعارات، بينما الواقع في عصر آخر.

بحيث يصبح السؤال: كيف نستعيد ثقتنا بالعقل والقيم البشرية؟ وكيف نجعلها المرجعية الدنيوية الأولى والأخيرة في حياتنا اليومية؟ وكيف نعيد الإيمان بقضايا تبدو خاسرة، ولم تعد خارج الحسابات المعاصرة؟

النجاح والفشل والقفزة الإيمانية

لم يكن الفشل يومًا ما عاملًا من عوامل اليأس والتراخي والعزلة والانسحاب من الحياة والفضاءات العامة، بل كان سببًا رئيسًا من عوامل الإصرار على المحاولة من جديد، ورفع صخرة سيزيف كل صباح إلى أن يعبر المرء الحدود الوهمية والواقعية على حدٍّ سواء، تلك التي وضعتها له المقاييس المجتمعية من جهة، وتلك التي أصبحت مهيمنة على تفكير بعض النخب الثقافية والفكرية من الجهة الأخرى.

ولكن ذلك لن يحدث في ظل عدم الإصغاء للدروس العميقة التي نتعلمها بشكل غير مباشر من الفشل، والإخفاق في المشاريع الكبيرة والصغيرة على حدٍّ سواء. ذلك أن هذا الإصغاء لا يقود إلى اليأس، ولا يعني بأي حال من الأحوال العودة إلى العصور السحيقة، بل يعني الإيمان الواعي -كما تذهب إلى ذلك الماركسية- بأن هناك توترًا خلاقًا بين الخيبة والأمل، وبين الإخلاص للفكرة والوعي بمحدوديتها، والتصرف بين هذه الخيوط الرفيعة، التي تمنعنا من الوقوع في الحنين إلى الماضي من جانب، وفي إغراء التكيف مع الواقع من الجانب الآخر، والاستسلام لما ترسخه الأدوات الرمزية والمادية للدولة كل يوم.

وحدها المغامرة الإيمانية التي تضع المخاوف من الفشل والحسابات الباردة على الرف أو في سلة التخزين السحابي ولا تعود إليها لفترة طويلة، هي التي تُحرر الإنسان من القيود المادية والمعنوية التي تكبله من رأسه إلى قدميه، ولكن ليست المغامرة نحو المعلوم والمتوقع، بل أيضًا تلك المغامرة نحو المجهول الذي يسير بنا، كما قال هايدغر، في دروب بغير وجهة أو قصد. وحدها اليوتوبيا ومحاولة تعديل الواقع بناءً على فكرة حالمة مجنونة، تؤمن بالمساواة والعدالة، قادرتان على الخروج من وضع الفشل المستمر، والاستسلام له، والغوص في أعماقه.

وفي هذا الجانب، لطالما كانت الماركسية من أكثر الحركات التي تسعى للمواءمة بين النظرية والممارسة، التي تعود إلى الواقع من منطلق نظري، وتعود إلى النظرية من منطلق واقعي، متسلحة بالديالكتيك الذي يرى بأن لكل قضية ضدها المنطقي الذي يؤدي إلى قضية أفضل، وهكذا يتشكل بين أيدينا واقع جديد يخضع هو الآخر لهذه الجدلية التي لا تتوقف ولا تهدأ، بعيدًا عن النظر إلى الواقع على أنه جاهز، ومنجز، وجوهري لا يتغير.

نرجسية القضايا الخاسرة

لا يشير الإخفاق إلى فشل مستمر ودائم، بل يؤدي إلى تعديل التصور العقلي عن الواقع، ووضعه في نظام متواصل من المحاولات المتكررة لتعديله، أو في بعض الأحوال لتعديل النظرية، أو في الأحوال العادية لتعديل بعض أجزاء وعناصر هذه الرؤية، كما أن اختفاء القضايا الكبرى لفترة زمنية معينة لا يؤدي إلى نسيانها، ووضعها في سلة المهملات، أو ضمن القضايا المُحرّمة التي لا تُناقش أو يُعاد طرحها من جديد. إذ إن هذه القضايا الخاسرة في يوم ما تمتلك في جوهرها نرجسية مفرطة، وإغراءً كبيرًا بالعودة في أزمنة وأمكنة غير متوقعة، بالرغم من الكوارث والهزائم التي لحقت بها آنذاك، ففي كل كارثة أو قضية خاسرة «خطوات صحيحة في الاتجاه الخاطئ»، تحتاج إلى العودة إليها والبدء من جديد، وبالتالي تغيير مسار الأحداث، فعوضًا عن أن تأخذ المسار المباشر والفوري، من الممكن أن تأخذ منعطفًا طويلًا، أو طريقًا ملتويًا قبل البدء بتنفيذ بعض الأهداف المؤجلة.

وعلى هذا المنوال، تحتاج القضايا الخاسرة كالحرية والعدالة والديمقراطية والقيم الكونية الأخرى إلى عناصر من خارجها، ومناقضة لها، لكي لا نقول إنها بحاجة إلى عناصر تهددها، لتكشف عن قوتها، وضرورتها، وقدرتها على العودة من جديد بصيغ معاصرة. وهذا ينطبق على حاجة الشعب إلى الدولة التي تسيطر عليه، وتضع كل تحركاته وأفكاره تحت عدستها الكبيرة والواسعة التي تراقب حركاته وسكناته، ليثبت في كل مرة أنه متعلق بالحرية، ومدافع عنها، بطرق تبدو في الكثير من الأحيان غير لافتة للنظر، وخارج العدسة المُكبّرة، والتصرف بعيدًا عن أنظمة المراقبة والسيطرة والتحكم، وذلك من خلال ابتداع طرق مجازية أو واقعية، جدية أو هزلية، تضمن له تمرير الأفكار المقموعة التي يرغب بها، والتي يمارس فيها حضوره البشري، ورغباته المتنافرة.

وبهذا المعنى، لا يصبح السؤال عن زمن العودة إلى القضايا الخاسرة سؤالًا زمنيًا فقط، بل يتحول إلى سؤال وجودي، عن طريق فتح المسارات المغلقة، والتي بنفس القدر ليست مفاتيح رقمية، أو مفاتيح حديدية تقليدية، بل بالأحرى مفاتيح بشرية، تتعالى على الزمان والمكان وتندمج معه، تبدأ من مرحلة تصحيح الأخطاء، ومعاودة النظر في المقدمات التي أدت إلى الإخفاق، من أجل وضع طرق ومناهج بديلة بشكل مستمر.

غير أن البديل ليس شبيهًا بوسيلة نقل في عاصمة أوروبية، يحتمل الكثير من الخيارات، بل يشبه في الكثير من الأحيان قطرة ماء في صحراء الربع الخالي، التي لا يمكن العثور عليها، أو الاحتفاظ بها طويلًا، في ظل الظروف الشحيحة للبدائل من جهة، وسيطرة نظام اقتصادي شمولي من الجهة الأخرى، يُعدّل خياراته، ويخرج من أزماته، ويصلح أخطاءه على مدى القرون والعقود الماضية، بل ويستوعب ويتبنى المقولات والأفكار المناقضة والمضادة له ليهضمها ويخرجها في صيغ مرنة جديدة.

علي بن سليمان الرواحي كاتب عماني