يعد الحسد ظاهرة بشرية أزلية، سواء في صيغتها القبيحة التي تتمثل في تمني زوال النعم وذهاب الرزق، أو في صيغتها الأكثر قبولا وهي التي يطلق عليها (الغبطة) والتي تعني تمني نيل النعم التي لدى الفرد دون تمني زوال هذه النعمة.

في حياة الشعراء تبرز ظاهرة الحسد على نحو كبير، سواء من الشعراء الأقل حظا، أو من خارج الوسط الأدبي. وبالتالي هي ملازمة لتوهج بعض الشعراء وصعود نجمهم وذيوع صيتهم، خاصة إذا وصلوا إلى بلاطات الملوك والأمراء، وحظوا بالهبات وأغدقت عليهم العطايا والمكرمات. وقد كتب عن هذه الظاهر العديد من شعراء العربية البارزين أمثال: المتنبي والبحتري وأبو تمام وابن المعتز وغيرهم.

الشاعر العُماني بدوره لم يكن بمنأى عن سهام الحساد وبغضهم وكيدهم. ورغم أننا في عُمان نفتقد إلى التوثيق الذي يعيننا على معرفة هؤلاء الحساد الذين أرّقوا شعراءنا، إلا أننا نجد ذلك مبثوثا بوضوح في المنجز الشعري لهؤلاء الشعراء. وقد أثبت الشعراء العُمانيون هذه الظاهرة، في حين بقي الحساد مجهولين وغير معروفين للقارئ، إن كانوا من الشعراء أم سواهم. في الأسطر التالية سنقلّب أوراق عدد من الشعراء العُمانيين الذين عانوا من كيد الحساد وسطروا ذلك في قصائدهم وهم: الستالي والكيذاوي وهلال بني عرابة وابن رزيق والفزاري والدرمكي وابن شيخان.

الستالي: الأخلاق وسمو الموقف

يتضح من شعر أبو بكر الستالي أنه واجه في محيطه الكثير من أنواع الحسد، ولكنه رغم ما واجهه من بغض أعدائه وحقدهم، لم يزده ذلك إلا اعتزازا بنفسه وافتخارا بشعره. فمرة نجده يعجب من بغض حساده الذين وصل بهم الأمر إلى حد البغي عليه، في حين كان هو يتحلى بالصبر ويعامل الإساءة بالإحسان ومبادئ الخلق الرفيع. يقول الستالي في هذا الشأن:

عجبت لبغض الحاسدين وبغيهم

وقد حسنت مني عليهم خلائق

ويبين الستالي أنهم يحسدونه أحيانا على فضائله، وما يتمتع به من مكانة رفيعة بين وجهاء القوم وما يكتبه من شعر بديع جعله يتبوأ مكانة مرموقة في مجتمعه. يقول الستالي:

ولي فضائل للحساد شاجية

كأنما هي في أكبادهم إبر

ورغم أن الستالي لا يواجه الإساءة بمثلها، إلا أنه لا يتوانى عن رد كيد الحساد بطريقته الخاصة، وهو المضي قدما في مشروعه الحياتي وعطائه الإبداعي، فيذيق أعداءه مرارة الحقد ونار الكمد. في هذا السياق يقول الستالي:

فإذا احتملت أذى الحسود أذقته

في نفسه كم علة بغوائل

ويقول في موضع آخر:

يستعظمون لأبياتي وتمنعهم

من أن يقروا بفضلي الغيظ والحسد

إنهم يعلمون أي شعر عظيم هو يكتب، ولكنهم لا يقرون له بالفضل ولا يعترفون له بالمقام الرفيع الذي بلغه في مجده الشعري، وما ذلك إلا نتيجة الحسد والغل والغيظ الذي يكنون له في أنفسهم وتخفيه صدورهم. وبينما هم ينشغلون بصغائر الأمور ويمتهنون الكيد والحسد، ينشغل الشاعر بما هو أسمى، فيرتحل في طلب المعالي، وينأى عن ملازمتهم والإقامة بينهم، ليجد في الترحال متنفسه وملاذه، فيلازم سرجه ويصاحب راحلته ويجد لذته في قطع الفلوات والسير ليلا في نواحي الأرض:

وإذا امرؤ صادفت علة بغضه

حسدا، فلست مزيلها بعلاج

كيف الإقامة بين كيد مباين

ونفاق آخر كالصديق مداجي

لي عن ملازمة العدى مندوحة

في العيس والفلوات والإدلاج

ومثلما يتخطى الستالي كيد حساده بالترحل في طلب المعالي، هناك أيضا ما يسليه ويرفع عن صدر الهموم، وهو قبوله لدى الملوك والأمراء وعلية القوم الذين يغدقون عليه العطايا والهبات، ويقدرونه حق قدره ويقربونه في مجالسهم ويدنونه منهم. لذا فهو لا يأبه بحاقد ولا يلتفت إلى حاسد. يقول الستالي مؤكدا هذه الحقيقة:

حرس الإله عليّ من حبي لهم

ونوالهم لي ما يغيظ الحسّدا

ويخاطب ممدوحيه من طبقة الحكّام قائلا:

فدام لي ولكم مدحي وبركم

والله راقٍ، وحظ الحاسد الكمدُ

ويقول:

واكبت بعطفك حسادي على نعمي

وإنما أنا من جدواك محسود

الكيذاوي: حسود يشرق بريقه

الشاعر موسى بن حسين الحسيني الكيذاوي أيضا وثق هذه الظاهرة، فهو لم يكن بمنأى عن الحساد ومكائدهم. وقد ذكر الكيذاوي هذا الأمر صراحة في أكثر من موضع في شعره. في الأبيات التالية نجده يخاطب الحسود مباشرة، ويقول له بأنه لم ينل من كيده أية فائدة تذكر ولم يحقق أي هدف نبيل سوى الشقاء والتعب الذي يعود على الحسود ذاته. ويرتقي الشاعر في خطابه عن الرد على الحسود أو مجاراته، مؤكدا أن قول الحسود لم ينل من ثباته إذا صفا له في الدين ما بينه وبين الخالق. يقول الكيذاوي:

مهلا حسودي فالذي حاولته

لم تحظ منه سوى العنا والأين

ما ضرني قول الحسود إذا صفا

في الدين ما بين الإله وبيني

ومما يبدو أن مقولات الحساد ومكائدهم في حياة الكيذواي لم تقتصر على بغض الشاعر ولم تتوقف عند حد معين، بل تجاوزت ذلك لتصل إلى الملوك والحكام الذين كان الشاعر يقصدهم بمديحه ويعيش على عطائهم ومكارمهم. ويتضح من الأبيات التالية أن الممدوح قد تأخر عليه في العطاء. وقد ثبت في شعر الكيذاوي أنه كان ينتظر بالأيام عند باب الملك دون أن يحظى بأي عطاء، وكان يذكّر الملك بأبنائه الجياع وأسرته التي تعاني من الحاجة والفقر. ويشير الكيذاوي هنا صراحة إلى أن ذلك ربما كان بفعل الحساد والوشاة الذين سعوا بالقيل والقال وأوغروا صدر الحاكم على الشاعر، فعاقبه بالمماطلة وتأخير العطاء. في هذا الشأن يقول الكيذاوي:

إن كان يصلح تأخيري لكم فلقد

رضيته، فانظروا ما كان مجهولا

ألا خشيتم عليّ الآن من حسد

لو تعقلون الذي لي كان معقولا

تحاسدت قبل في الصديق إخوته

قدما، ولم يحتمل قابيل هابيلا

إن كنتم لي على ما كنت أعهده

لا تسمعوا فيّ هذا القال والقيلا

وفي ظل ما كان يكابده الكيذاوي من كيد الحساد الذين أوغروا عليه صدور ولاة الأمر والممدوحين، يتجه الكيذاوي بمخاطبة ممدوحه في حالة انكسار ورجاء بأن لا يستمع إلى قول الوشاة والحساد، وأن يكشف عنه ما مسه من غم وما لحق به من هم وأسى وما أصابه من ضيق في العيش:

ويرجوك تكبت حساده

وتكشف غمات أحزانه

وحين تنفرج الظروف على الكيذاوي وينال من ملوكه العطاء ويكتب ممتنا وشاكرا لصنيعهم، لا ينسى تأثير ذلك على حاسده، الذي يصفه بأنه كاد يشرق بالريق لوقع ما يصيبه مما حظي به الشاعر من عطاء وتقدير:

وأشكر نعماك التي كاد حاسدي

على نيلها بالريق أن يتشرّقا

الفزاري: حاسد موقوف على الهم

وإذا انتقلنا من عهد النباهنة إلى زمن اليعارية نجد هذه الظاهرة ممتدة ومتواصلة أيضا في حياة الشعراء. ولعل أبرز من جسدها في قصائده الشاعر بشير الفزاري. في الأبيات التالية نستذكر مع الفزاري موقف الكيذاوي وهو يعاني من مطل ممدوحه في الرد وتأخير العطاء، بسبب تأثير الحساد وما يقوله الوشاة الذين يسعون الى التفريق بين الشاعر والحاكم. الفزاري هنا يتساءل مستغربا، لم لا يتلقى أي رد أو جواب من الإمام، بل إنه يتوسل للحصول حتى على العتاب بشفيع الوداد وصلة المحبة التي تجمع بينه وبين ممدوحه. يقول الفزاري:

يا سيدي لم لا ترد جوابا

لخويدم مهما دعوت أجابا

فإذا أضاع محبك المحسود

من دين الوداد، فيستحق عتابا

وفي موضع آخر نجد الفزاري يؤكد عزمه على مواصلة كتابة قصائد المديح في أئمته، رغما عن حساده الذين تؤذيهم هذه العلاقة، بل إن الفزاري يرى أن هذه المدائح التي يكتبها وتقربه من الأئمة تورث حساده الأسى وتنبت في قلوبهم الكمد والحزن وربما تبكيهم أيضا، لذا نجده مصرا على مواصلة مشروعه في مديح من يراهم أهلا للمدح والثناء، وإن حزن حساده وبكوا. يقول الفزاري في إحدى قصائده:

سأكسوك أبراد المديح، وإن بكى

حسودي بكف لا يجف، وشاني

وقال يصف وقع الكرم الذي تلقاه من الأئمة على حساده:

بنيلك يا سلطان نلت الأمانيا

وأمسيت من هم المعيشة خاليا

وأصبح موقوفا على الهم حاسدي

يكابد زندا منه في القلب واريا

وقال أيضا:

وحسود أصليته نار غم

بندى كفك الذي أغناني

هلال بني عرابة: حاسد يلوك لعابه

وحين ننتقل إلى عهد الدولة البوسعدية نجد الشعراء يواجهون الأمر ذاته، إذ وجدنا ذلك في شعر هلال بني عرابة وابن رزيق والدرمكي وابن شيخان وغيرهم أيضا. فهذا هلال بني عرابة يستحضر حاسده في إحدى قصائده، ويصفه بأنه يتحدث بالسوء عنه في غيبته، ولكن الشاعر يرى نفسه أعلى قدرا من الحاسد، حين يضع نفسه في موضع الجوزاء ويضع الحاسد في موضع الجنادل أو الطين، أو يصور الحاسد كالكلب العضوض الذي ينبح على الكواكب في عليائها: يقول بني عرابة:

ولي حاسد أضحى يلوك لعابه

عليّ، ويهوى الفعل ما أنا فاعل

وفي غيبتي عنه يروم مذمتي

وهل عثّر الجوزا الرَّكوضَ الجنادل؟

وإن نبح الكلب العضوض كواكبا

فما نبحه في لبة الشهب فاعل؟

ابن رزيق: حتفُ الحسود

أما المؤرخ والشاعر المعروف حميد ابن رزيق فقد ناله أيضا نصيب وافر من الحسد، كما يتبدى ذلك من شعره، حيث تكرر ذلك في أكثر من قصيده، ونجد الحديث عن الحساد مبثوثا في نصوصه بكثرة. ولكن اللافت في تجربة ابن رزيق هو أنه مستغنٍ بممدوحه ومشغول برضاه ومدحه أكثر من انشغاله بضغائن الحساد الصغيرة. ويصرح ابن رزيق أن ما يناله من الحسد هو بسبب مكانته لدى السلطان وما يحظى به من منزلة وإكرام وعطاء سخي من لدن سلطانه. يقول ابن رزيق في هذا الشأن:

وإني به لم أثنِ جِيدا لحاسد

ومنزلتي منه بما يذرع القلبُ

ويقول مخطابا السلطان:

ما ضرني حسد القالي وظلمته

وأنت شمس به الديجور مطرود

ويقول في موضع آخر:

لقد أصبحتْ في نارِ شجوٍ حواسدي

وأصبحتُ في جناتِ فضلٍ وأنهارِ

وقال أيضا:

حتف الحسود إذا لجينك زارني

أو زارني ذهبٌ إليك نضير

لقد عرف ابن رزيق مكمن الحسد وبواعثه لدى خصومه. إنها الموهبة والشعر والفصاحة التي يتميز بها عن الآخرين، فهو شاعر مطبوع، فصيح، بليغ، طلق اللسان، خلاف من يحاولون النيل منه أو يسعون لمنافسته على مكانته الرفيعة في العلم والأدب. ففي حين يسعى الحساد إلى المكائد والأضغان، يمضي هو في ابتكار قصائد العصماء ومدائحه البليغة التي نال بها ثقة ممدوحه وتجاوز أقرانه. لذا فهو يصرح بلسان المترفع أنه لا يأبه بكل محاولاتهم للنيل منه، لأنه يجد السعادة والرضا بما يحظى به من الكرم والإحسان من جانب السلطان. يقول ابن رزيق في هذا الشأن:

لساني طلق في الفصاحة لا كمن

إليه لسان في الفصاحة مسدود

وإني لمحسود عليها وفي الندى

ببذلك محسود إذ الحر محسود

ألا فلتحاول كل نحس حواسدي

إلي، فإني من سعودك مسعود

الدرمكي: موعظة للحاسد

الشاعر والقاضي أبو الأحول سالم الدرمكي كان من المقربين من رجال الحكم والسلاطين، وقد عُرف عنه وفاؤه وإخلاصه لولاة الأمر. وقصته شهيرة مع السيد حمد بن سعيد حين وهبه منزلا في بركاء، وكتب على إثر ذلك نونيته المعروفة. ومما لا شك فيه أنه والحال كذلك لا بد أن يكون له حساد وأعداء. ولكننا نجد الدرمكي يتعاطى مع حاسده برؤية دينية محضة، فهو يرى أن الرزق الذي يحصل عليه إنما هو من عند الله الرازق الوهاب، ونراه يذكّر حساده بالآخرة، فالمرء مهما عاش، فإنه في ختام القصة سيكون عرضة لسهام الحادثات والرحيل عن هذا العالم الفاني. يقول الدرمكي:

كن يا حسودي كيف شئت

فإن لي ذا العرش رازق

ويقول:

أنت يا حاسدي إلى كم تعيشُ؟

أسهم الحادثات عنك تطيش

ابن شيخان: لأرغمن الحاسدين

الشاعر البارز محمد بن شيخان السالمي ارتبط اسمه ببلاط السلاطين في عُمان، وكان مقربا من دوائر الحكم، وقد نال حظوة كبيرة وبلغ منزلة رفيه في زمنه من خلال ما سطره من قصائد المديح والثناء. وبطبيعة الحال أن شاعرا بهذه المكانة سيكون عرضة لسهام الحساد والضغائن والأحقاد التي تحاك ضده. لكن ابن شيخان يختصر موقفه من ذلك كله في بيت شعري يخاطب به السلطان، تاركا حساده في غيظهم. يقول ابن شيخان:

ولأرغمن الحاسدين بفضلكم

وعلى فضائلكم ضمانتها ليه

تلك كانت مقتطفات من مدونة الشعر العُماني، مررنا عبرها بعصور مختلفة، ابتداء من عصر النباهنة، مرورا بعصر اليعارية، وصولا إلى عهد الدولة البوسعيدية، فلمسنا الظاهرة ذاتها تتكرر للشعراء، لاسيما أولئك الذين أوقفوا شعرهم لمديح الملوك والأمراء والأئمة والسلاطين. ولم يكن الشاعر العُماني بدعا من الأمر، فقد عانى مثل معظم الشعراء من مكائد الحساد ومؤامراتهم. ولكن في التجربة العُمانية يبقى أعداء الشاعر وحساده غير معروفين، إذ لم ترد تسميتهم في قصائد الشعراء، كما لم يدون العُمانيون أخبار شعرائهم حتى نتمكن من معرفة تفاصيل تلك المعارك والعداوات التي تدور بين الشعراء وخصومهم. ورغم ذلك نلحظ لدى الشاعر العُماني أنه لم يسئ لخصومه ولم يذكرهم بأي كلام بذيء، بل ظل محافظا على لغته النبيلة ومواجهة كارهيه بالحلم وعدم الاكتراث.

حسن المطروشي شاعر عُماني