تعزو الأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد تأخر الثقافة العربية إلى عوامل مركَّبة للغاية، فجموع العرب يعانون من «أزمة وعي» حادة، نتيجة لهيمنة الخطابات التقليدية السياسية والدينية والاجتماعية، حيث تُحوِّل الفكر والعلم والثقافة والحريات من أداة نقد وابتكار وإبداع إلى وسيلة تبرير وتكرار للماضي هربًا من مواجهة الحاضر. بينما ترى الأكاديمية العُمانية رنا الضوياني أنه لا يمكن إرجاع تأخرها إلى فكرة الهزيمة، فقد تأثرت بالمراحل التاريخية المختلفة التي شهدت فيها فترات ازدهار ونشاط وإبداع فكري، كما مرت بمراحل تراجع وتحديات سياسية فرضت عليها أنماطًا أثرت عليها.

كلا الرأيين يقرُّ بتراجع الثقافة العربية، وإن وصلا إلى النتيجة نفسها من طريق مختلف، ولكي نصل إلى السؤال الرئيسي لهذا التحقيق، وهو: كيف تتلافى الثقافة العربية عثراتها؟ يمنحنا المشاركون فيه أولًا فهمًا لمعنى «الثقافة المهزومة»، وكيف يؤثر تخلف المجتمعات على الثقافة؟ ولماذا لم تأخذ المجتمعات العربية بأسباب التقدم منذ أن قهرت الاستعمار؟ بحيث تكوِّن الآراء مجتمعة صورة شاملة لهذه الثقافة الآن.

الأكاديمي الأردني الدكتور محمد عبيد الله يرى أن طرح هذه الأسئلة اليوم يعني أننا لم نذهب بعيدًا عما حاوله مصلحو النهضة قبل أكثر من قرن، ولم نبتعد كثيرًا عن الأسئلة الحادة بخصوص التقدم والهُوية والاستقلال: «لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟» وكيف يمكن للثقافة العربية أن تنهض بدور حيوي في معالجة هذه الإشكاليات؟ كما يلفت إلى أن أثر الثقافة وقوتها يصعب أن يظهرا في حقب التراجع والتخلف، ولكن ذلك لا يعني ضعف الثقافة نفسها. الثقافة العربية في نظره إحدى أبرز نقاط قوتنا، بمكوناتها الفكرية والوجدانية والدينية وبتطلعاتها وشعورها بالتفوق مما صاحبها زمنًا طويلًا. بحسب عبيد الله، لو لم تكن هذه الثقافة قوية في رصيدها القديم لتآكلت وذابت تمامًا أمام الهجمات الخارجية والداخلية التي تعرضت لها.

بينما يرى الأكاديمي المصري الدكتور عماد عبد اللطيف أن مفاهيم التقدم والتأخر قد تصلح لوصف أدوات الإنتاج الصناعي والأجهزة والآلات، لكنها لا تصلح لوصف ثقافات الأمم والجماعات، وبرغم هذا يعترف الاثنان، عبيد الله وعبد اللطيف، بوجوهٍ لتراجع الثقافة.

أول هذه الوجوه بالنسبة لعبيد الله هو مشكلة التأرجح بين الماضي والحاضر، والتراث والمعاصرة، فما زلنا نناقش هذه الإشكالية دون أن نفيد من الجهود التنويرية والإصلاحية التي ناقشتها في عقود ومراحل سابقة. ولم نتوصل بعدُ إلى برنامج أو صيغة عملية للتفاهم بين القطبين، فالأغلب أننا أمام ضرب من الهجرة الجريحة: إما إلى الماضي، وإما إلى الحاضر الغربي، دون أن نختار سبيلًا ثالثًا يمكننا من الانتماء للعصر بصورة طبيعية.

وثاني هذه الوجوه يتمثل في أدلجة الثقافة بالمعنى السلبي، أي تسييسها وتأويلها بطريقة مسطَّحة لتخدم أيديولوجيات معاصرة، وصراعات على المصالح والنفوذ، فتكون الثقافة غطاءً لمشاريع أخرى ذات طابع مرتبط بالهيمنة والنفوذ وليس التقدم والنهضة. يرى عبيد الله أن النموذج الثقافي السائد هو نموذج التبعية للسلطة في أغلب الأحيان، فمعظم من نسميهم بالمثقفين العرب هم موظفون وليسوا قوة ثقافية مستقلة أو حرة، ليمكنها أن تكون أكثر صدقًا وتأثيرًا.

أما عبد اللطيف فينبِّه إلى ظاهرة سلبية تمثِّل خطرًا يهدد سيادة الدول العربية، وهي الذوبان الثقافي، فالبلد الذي لا يتعلَّم أبناؤه لغته، ولا يعرفون تاريخه، ولا يتذوَّقون إبداعاته، يفقد هويته. وقد علَّمنا التاريخ أن مَن يفقد هويته سيفقد بمرور الزمن سيادته. من هنا يذهب عبد اللطيف إلى ضرورة وضع الثقافة في صدارة الأولويات الوطنية في المجتمعات العربية، والتعامل مع النهضة على أنها نهوض بالعقل والروح بقدر ما هي تحديث للماديات.

***

هناك صوت ثالث مختلف كليًّا في النظرة إلى موضوع التحقيق، فالأكاديمي العماني الدكتور سعود الزدجالي لا يعتقد أن الإشكال في تأخر الثقافة بقدر ما هو في مفهومها وتباين هذا المفهوم في الأوضاع العربية. يسأل: ما المقصود بـ«الثقافة» حتى يمكن الحكم عليها بالتقدم والتأخر؟ أهي نوع من الدراسات التي لا تخضع لحقل أو محددات؟ أم ترتبط الثقافة بالحالة النقدية في الأوضاع الاجتماعية والسياسية؟ أم أنها درجة الإحاطة بالمعارف؟

يؤكد الزدجالي أن هذه الأسئلة تجعل الإجابة شبه غامضة أو مشكلة، فالصياغة العلمية الواضحة للسؤال تنطلق من القاعدة المفهومية. ويقول: «لذا فأنا لا أتبنى تلكم النظرة التشاؤمية أو الجنائزية بحيث أدعي أن الثقافة متأخرة، بقدر ما أزعم بوجود أزمة معقدة في معالمها وعواملها بما يمكن تسميته بـ«المسألة العربية» عند عزمي بشارة. كما أن الحكم بتخلف المجتمعات يعني وجود بنية ثابتة وقياسية واحدة للمجتمعات، بموجبها يمكن القول: إن مجتمعًا ما محكوم عليه بالتخلف، وهذا يعيدنا إلى مفهوم الثقافة من حيث إنها هوية لتلك المجتمعات استوعبت مجموعة عناصر تاريخية جعلتها تتميز، ولا تذوب، وعليه فإن الانحراف عن البنية بحد ذاتها لوثة فكرية تشبه المركزية الأوروبية».

***

في أي مناقشة حول تأخر أو نهضة ثقافية، يبرز سؤال التعليم. أصدر طه حسين كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» عام 1938، أي بعد عامين من توقيع اتفاقية التحالف بين مصر وبريطانيا، التي حصرت وجود الإنجليز بأعداد قليلة في السويس. كان هذا الكتاب خارطة طريق إلى بلد يتلمس الخطوة الأولى في الاستقلال، وقد بدت مقولته «التعليم كالماء والهواء» كالصرخة.

الناقد البحريني الدكتور فهد حسين يعود إلى تلك المقولة، مؤكدا أننا حين نرسم خططا واستراتيجيات معمَّقة للتعليم والثقافة، سيؤدي ذلك بالتبعية إلى غربلة كل ما يتسم بالتخلف، خاصة إذا كانت الخطط تبني عقولا فاعلة نشطة قادرة على تحدي صعاب الواقع، لافتا إلى قناعة راسخة لديه بأن كل الوطن العربي يمتلك مقومات بناء الخطط، ورسم دروب التطور الثقافي في المجتمع.

أما أماني فؤاد فتلفت بدورها إلى تراجع التعليم النقدي الابتكاري لصالح التلقين وتقديس السلف، مما أوجد مجتمعات جامدة تخشى من التغيير، وهو ما يشكل بيئة طاردة للفكر الحر.

والمؤسف أنه حتى في الأوساط المتعلمة العليا، كمهن الأطباء والمهندسين والكثير من أساتذة الجامعات، لن تجد فيهم تلك العقول البراقة الشغوفة بالأسئلة والبحث، بل عقولا اتباعية تقلق من الأفكار الحرة المتجددة. وبسبب هذه النوعية من التعليم نعاني من حصار العقل وقيده على عدة مستويات، وإذا حاولت أن تحرك أحد مستوياته تجد التشابك الشنيع بينها.

وتحسب أماني أن التغيير الحقيقي والمتسع يأتي غالبا من إصلاح منظومة التعليم، حيث الانتقال من التلقين إلى التفكير النقدي والإبداعي.

وتؤكد رنا الضوياني أن قطاع التعليم يتصدر أي أولوية تستهدف إعادة مشروع النهضة الفكرية والثقافية في المجتمعات، وذلك بتنمية منهج الفكر النقدي والبحث والاستقصاء لبناء المعرفة العلمية الصحيحة المرتبطة بمعارف الحياة، في ظل الثورة المعلوماتية. ويجب الاهتمام بالعلوم الإنسانية مثل: التاريخ، والفنون، والعلوم الاجتماعية في الجامعات، وعدِّها مرتكزا أساسيّا لبقية العلوم والتخصصات، لأن هذه العلوم تبني العقول البناءة وتساهم في إنتاج المعرفة الفكرية، ومنطلقا مهمّا للمتعلم، فعلى الدول تقديم الدعم اللازم لهذه العلوم ودمجها مع التكنولوجيا والتطور الرقمي. وهناك ضرورة لأن نهتم باللغة العربية ونحافظ على هويتها أمام ما تتعرض له من تحديات بدخول لغات أجنبية شكلت جزءا من الحياة اليومية، ولا سيما أن اللغة العربية واحدة من أهم أبعاد الثقافة العربية، والوسيلة الأساسية التي تحفظ الموروثات الثقافية وخصوصية الفكر العربي للمجتمع. كما يجب أن تنشأ المكتبات الثقافية العامة والمراكز الثقافية على أن تكون موزعة لا متمركزة في نطاق جغرافي واحد، وتصل إلى جميع الأفراد وفئات المجتمع، يتنوع فيها التعليم، ومعه تتنوع الأنشطة الفكرية والإنتاج الأدبي، كالترجمة والنشر، والمسارح. وبهذا ستصبح الثقافة العربية جزءا من مشروعات الدول العربية، لأنها ستصبح رافدا اقتصاديّا، وعنصرا معززا للاقتصاد الوطني.

تخلص الضوياني في رؤيتها للتعليم إلى أن الثقافة مشروع طويل الأجل للإنسان، لا يمكن الاستغناء عنه، ومَن يستثمر في العقول والإبداع والتفكير والعلم سيبني مجتمعا قادرا على الحفاظ على هويته ومتكيفا مع التحولات.

ويؤكد عماد عبداللطيف أنه حين تتراجع مؤشرات التعليم والوعي العام في مجتمع ما، تنتشر الخرافة والتفكير غير العقلاني. وعلى خلاف ذلك، حين يرتفع مستوى التعليم والوعي، ينتشر التفكير النقدي المبدع، فالبشر هم صانعو الثقافات ومستهلكوها معا.

***

الثقافة لا تنفصل عما يجري حولها، وهناك ثلاثة عوامل كبرى بخلاف التعليم تؤثر فيها: نوع الفكر الديني، والقهر السياسي، والفقر. تلفت أماني فؤاد إلى أهمية محاربة عوامل الهدم الثلاثة. أولا، حصار التفكير الديني، فأغلبية الخطابات الدينية تتواءم مع السلطة السياسية المهيمنة. تقول: «نحن بحاجة لمراجعة كل سلطة نصٍّ اتبعها البشر وقدسوها، وهي لا تراعي متغيرات العصر الحديث، بل القطيعة معها، فليس من المنطقي أن نعيش تراتبية إنسانية بين الرجل والمرأة حتى الآن، مهما تحدثنا عن حقوق الإنسان».

ثانيا، عدم حصار الصوت المختلف، فحين تنطلق الأصوات التي تنادي بالتغيير وتغليب العقل، يتم اعتقالها أو إبعادها، فيتحول المثقف إما إلى مهاجر باحث عن الحرية، أو إلى بوق للسلطة، أو مُبْعَد، أو مقيَّد الرأي. تعلق: «حدث هذا في كل التاريخ العربي، وهو ما يؤدي إلى انحسار دور الثقافة كبوصلة تنويرية».

ثالثا، مجابهة الفقر، فالمجتمعات التي تعاني من البحث عن أساسيات البقاء ينخفض فيها الطلب على المعرفة والفن والفلسفة. تؤكد: «الجوع والعوز لا يتيحان للبشر الحرية ولا الفكر ولا الالتفات للفنون».

تندرج هذه العوامل وغيرها تحت مظلة كبرى هي السياسة. رنا الضوياني حصلت على شهادتها للدكتوراة عن «الحركة القومية العربية في الخليج.. 1948-1968»، وهي ترى أن قراءة مشهد الثقافة العربية تتطلب النظر إلى التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات العربية. تقول: «من خلال دراستي نجد ارتباط الفكر والثقافة بالتوجه السياسي، ففي خمسينيات القرن العشرين شهدت منطقة الخليج حراكا فكريّا وثقافيّا، بظهور عدد من الأندية الثقافية والإذاعات العربية، غير أن هذا الحراك كان مرتبطا بالوضع السياسي بشكل كبير، فقد أدَّت الصراعات والانقسامات بين التنظيمات الفكرية التي كانت عاملا مؤثرا في بروز الإبداع الفكري، إلى تقييد النشاط الثقافي والتركيز على الجانب السياسي، وتحديدا مع فقدان المشروع القومي العربي، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي حتما تؤثر في النشاط الثقافي. وقد يكون ذلك سببا في تأخر الثقافة العربية، التي صاحبها أيضا ضعف الاستثمار والإنتاج المعرفي والتطبيقي، والتأخر في تطبيق مفاهيم البحث العلمي».

بذلك يمكن القول، بحسب الضوياني، إن الثقافة العربية مرت بانتكاسات متكررة، نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية، وإن أصبحت مهزومة، فهي ربما لأنها لم تستطع أن تنافس عالميّا أو تصمد أمام التغيرات التي فُرِضت عليها بدخول ثقافات أجنبية في مسار الحياة اليومية.

ترى الضوياني أن العلاقة بين فكر المجتمع وثقافته هي علاقة تبادلية، فالثقافة مرآة المجتمع وتعكس وضعه وبنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تقول: «تشير دراستي إلى أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية كان لها دور أساسي في رسم صور الوعي والبنية الفكرية للمجتمع في منطقة الخليج العربي، إذ تسهم التنمية الاقتصادية في التغيير في طريقة التفكير، والتصور الإنساني، وزيادة الوعي؛ لأنها ستترافق مع توسع في المؤسسات التعليمية، وزيادة الإنتاج المعرفي من صحف وأنشطة الأندية الثقافية، وهذا ما وضحته الدراسة عندما أشارت إلى التحول التاريخي الذي مرت به منطقة الخليج العربي بعد اكتشاف النفط. كما يرتبط تخلف المجتمعات بتمسكها المتشدد بالتقاليد الجامدة والفكر المتحجر، الذي لا يتواكب مع متطلبات التغيير الفكري العصري، وتحديدا إذا ارتبطت هذه التقاليد الجامدة بجمود العقل وعدم إشغاله في مجالات التصنيع والإنتاج التي تمثل محركا مهمّا في بناء الثقافة».

ترى الضويانية أيضا أن الخطاب العام في المجتمع الذي يناقش القضايا المجتمعية المعاصرة مثل: التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية، يعكس ثقافته وقدرته على مواجهة قضاياه بالحوار والنقد والتحليل، واستثمار الفكر والإنتاج. وتقول: «يؤثر الوضع السياسي وفرض القيود على أصحاب الفكر في المجتمع، بالمنع والتهديد، على مسار الثقافة، وهذا ما أوضحته الدراسة عندما تعرَّضت بعض الأندية الثقافية للإغلاق، فكانت السياسة سببا في الصمت والانعزال».

وهكذا تؤثر كل هذه العوامل في تكوين ثقافة مجتمع، أي أن البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تكون مرتكزا أساسيّا وقاعدة قوية لمواجهة التخلف الثقافي.

***

إذن كيف السبيل إلى ثقافة غير مهزومة؟

أماني فؤاد ترى الطريق في إتاحة الحريات قائلة: «فرض القيود الأمنية والرقابية التي تكمم الأفواه وتحارب الاختلاف لا يجعل الإنسان مبدعا ومبتكرا، فالخوف كالعنكبوت الذي يلتف حول العقل البشري ويخنقه».

كذلك تنهض الثقافة حين تنفتح على الآخر وتُعمِل العقل في كل طرح بشري متجدد، والقبول بالإيجابي منه، فالأجيال الشابة الجديدة، بحكم الانفتاح الرقمي والتواصل العالمي، باتت تعيد النظر تلقائيّا فيما يبدو من مسلمات، وتختبر صلاحيتها في حياتها اليومية بمعزل عن الخطابات المؤدلجة.

كما أن تراكم النخب، وظهور طبقات جديدة من المفكرين والمبدعين والأكاديميين والحقوقيين الذين يشكلون تيارا، والقادرين على تفكيك هذه المحرمات بلغة هادئة وعميقة، شديد الأهمية، وذلك للربط بين الحرية والتقدم الإنساني من جهة، وبين مصلحة المجتمعات من جهة أخرى.

أما رنا الضوياني فترى أن الثقافة ستُشفى من أمراضها عندما تصب جُلَّ اهتمامها في مواجهة التحديات التي تهددها، وذلك بزيادة الإنتاج الفكري المؤثر في جوهرها، وأن تبدأ مشروع الوعي بالتركيز على المؤسسات التعليمية وفتح أشرعة الإبداع، وإبداء الرأي، وحرية التفكير والنقد وبناء عقول مفكرة. تقول: «لا بد أن تُحدث نقلة نوعية في مسارها المعرفي والفكري والإبداعي، فهي تحتاج إلى إعادة إحياء مشروعها الثقافي، من خلال جعله جزءا أساسيّا من المجتمع، وعدِّ الثقافة ومكوناتها أولوية مترافقة مع الأولويات الأخرى مثل الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع».

ويرى محمد عبيد الله أننا محتاجون إلى قراءة ثقافتنا وذاكرتها التراثية قراءة نقدية عصرية، معمَّقة وجادة، ليس بهدف إضعافها وإنما بهدف عصرنتها ومدِّها بأسباب القوة: «النوايا مهمة هنا؛ لأن كثيرين قدموا قراءات عصرية، ولكنها مغرضة وفي خدمة أيديولوجيات بعينها. كتب طه حسين تصورا مهمّا عن «مستقبل الثقافة» قبل نحو سبعة عقود، ولكنك عندما تراجع ما فعله العرب تجد أنهم فعلوا تماما عكس ما تفرضه خارطة الطريق الثقافي الذي قد يفضي إلى ثقافة متوازنة في التفاتها إلى التراث والمعاصرة معا».

ويذهب عماد عبداللطيف إلى أن الحرية والمسؤولية والتقدير المتوازن للذات شروط أساسية لتلافي الهزيمة، فبدون الحرية يفقد البشر جزءا كبيرا من قدرتهم على الإبداع والتطور، وبدون إدراك المسؤوليات الثقافية تتهاوى الثقافات، أما التقدير المتوازن للذات فهو ضرورة في مواجهة سعي العولمة الثقافية لاقتلاع الشعوب من ثقافاتها وإذابتها في ثقافة واحدة مهيمنة. وهو ضرورة كذلك في مواجهة المبالغة في تقدير الذات، التي تكون أحيانا عائقا أمام التطور والتحسين.

الثقافة بمعناها الواسع تشمل المعارف والقيم والعادات وطرق التفكير التي تطوِّرها جماعة ما عبر تاريخها، وتبني بها إدراكها الخاص للعالم. وظَّف الاستعمار الغربي مفاهيم الثقافات المتقدمة والمتخلفة أدواتٍ للهيمنة والاحتلال، يسوِّغ بها فرض سيطرته على شعوب ومجتمعات وصفها بأنها ذات ثقافة متخلفة، ووصف شعوبها بأنها بدائية. بدلا من هذه التصورات الاستعمارية، من الضروري، كما يؤكد عبداللطيف، تأكيد أهمية التنوع والاختلاف الثقافي، وفهم هذا التنوع في سياقه المحلي الخاص.

أما فهد حسين فيرى أن الأمل قائم بسبب مشروعات مؤسسية وفردية عظيمة، لكنه يلفت إلى مؤسسات ثقافية وعلمية أهلية أخرى يقع على عاتقها احتضان الثقافة وتطورها، لا تحرك ساكنا، وكأن المؤسسة ملك خاص، يستمر مديرها في رئاستها مددا طويلة، فكيف تتطور مؤسساتنا الثقافية ونحن بهذه العقلية؟! يجيب: «ينبغي مراجعة قوانين هذه المؤسسات من أجل تحفيز المثقف العربي للنهوض بمشروعات ثقافية تنافس نظيرتها في الدول المتقدمة».

ويرى سعود الزدجالي أن النهوض بالثقافة والمجتمعات يجب أن ينبع من داخل هذه المجتمعات: تاريخا وهوية، دون وضع مقاييس خارجية لها نقيس بها درجة التقدم والتأخر. وخلاصة القول بالنسبة له: يمكن أن تكون أسئلتنا حول الثقافة والتخلف والتقدم جزءا من أوهامنا النخبوية.

***

لم تتفق الآراء على شكل محدد للأزمة، وإن اعترفت بها، وكما يقول عماد عبد اللطيف، فإن الثقافة العربية وعاء جامع لتجليات إبداعية وفكرية شتى. قد يكون هناك ازدهار في بُعدٍ، وأزمة في بُعدٍ آخر، لذا فإن القول بأن الثقافة العربية مهزومة في المطلق قد لا يكون دقيقا، وعلى سبيل المثال، تشكل العولمة تحديا كبيرا أمام الثقافة العربية، لكن المنجزات الإبداعية الأدبية والفنية العربية تشهد تطورا مستمرا كمّا وكيفا، عقدا بعد عقد، وهو ما يعني أن الأمل قائم والإمكانية موجودة.

حسن عبد الموجود صحفي وقاص مصري