كم مرة تأجل الذهاب إلى طنجة؟

مرات ومرات. وكم مرة منّيت النفس بالتجوال في طنجة محمد شكري وابن بطوطة، وطنجة التي حضرت في عبارة منسوبة إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي: «من طنجة إلى جاكرتا»، بوصفها دلالة على امتداد العالم الإسلامي واتساع خرائطه الروحية والثقافية، ومع ذلك، ظلّت زيارة طنجة مؤجلة، تتوارى خلف مشاغل السفر والدراسة والالتزامات التي لا تنتهي.

لكن هذه المرة تحقق الحلم. جاء ذلك بعد الانتهاء من التسجيل في السنة الخامسة بسلك الدكتوراه بكلية الآداب بنمسيك، وبعد لقاء الصديقين العزيزين شعيب حليفي ومحمد جليد. ففي كل مرة أنزل فيها المغرب، أحاول أن أكتشف مدينة جديدة، كأنني أضيف إلى ذاكرة الأسفار نافذة أخرى تطل على هذا البلد المتعدد في أمكنته ومناخه وتضاريسه.

كانت زيارتي الأولى إلى المغرب سنة 2015، للمشاركة في مؤتمر «العرب في أفريقيا قبل الإسلام»، الذي انعقد في الرباط. وبسبب طبيعة المؤتمر، لم أتنقل كثيرًا داخل المغرب، وإن كنت قد خصصت أياما لاكتشاف الرباط وما فيها من معالم وساحات ومكتبات. غير أن تلك الزيارة ارتبطت في ذاكرتي بتفاصيل أخرى؛ فحين نزلت في مطار الدار البيضاء، وصلني اتصال من المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي في تونس، بخصوص دفع رسوم التسجيل في الدكتوراه التي لم يُكتب لها الاستمرار.

وحين أذكر الدكتوراه، أتذكر معها الجامعات التي نزلت بها من أجل هذه الدراسة التي لا تزال مستمرة إلى اليوم، بما حملته من تنقلات وانتظارات وأسئلة. وبعد انتهاء مؤتمر الرباط، حجزت تذكرة إلى تونس، غير أن نزلة برد مفاجئة ألزمتني فراش فندق طيبة، الواقع على رصيف شارع الحبيب بورقيبة. بعد الذهاب إلى إدارة المعهد. ثم عدتُ إلى الدار البيضاء لأنطلق منها إلى الديار. كان بإمكاني العودة من تونس مباشرة، لكن إدارة المؤتمر كانت قد حجزت لي رحلة على متن الخطوط الإماراتية في الدرجة الأولى، فآثرت الرجوع إلى الدار البيضاء والالتحاق بالرحلة كما رُتِبت.

بعد سبع سنوات لطاف على الذاكرة، عدت مرة أخرى إلى المغرب للتسجيل في الدكتوراه. كانت تلك العودة مغامرة أخرى، بل مجازفة بالمعنى الكامل للكلمة؛ فالسنة الدراسية كانت على وشك البداية، وطلبات التسجيل قد أُرسلت، وقوائم المقبولين في طور التنقيح. ومع ذلك، قررت أن أجرّب حظي. ذهبت أولا إلى مراكش لقضاء ليلتين، ثم انتقلت إلى الدار البيضاء والرباط لجسّ النبض، والبحث عن مقعد لي في هذا المسار الأكاديمي الطويل. خاصة أننا خرجنا من أجواء أزمة كورونا التي ألغت معها الكثير من الخطط، وخرجنا سالمين من المحنة، وهنا نتذكر بيت شعري للشاعر جمعان ديوان يقول فيها:

«الحمدلله سلم رأسي على المال ماشي حسوفية».

كان الصديق الدكتور محمد جليد أول من اتصلت به طلبا للمساعدة، كما تواصلت مع الدكتور مبارك ربيع، الذي كان يوما عميدا لكلية الآداب بنمسيك. وقد أبدى الجميع استعدادا كريما للمساعدة، والسعي في التواصل مع عميد الكلية الدكتور عبدالقادر كنكاي، الذي ذكّرني بدوره بمؤتمر الرباط سنة 2015، إذ كان مديرا ومسيرا لفعالياته. وقد وافقت الكلية على النظر في الطلب، ولم يبقَ سوى استكمال الإجراءات الإدارية التي تتطلب موافقة وكالة التعاون الدولي ووزارة التعليم العالي.

هنا تواصلت مع السفير اليمني والصديق العزيز عز الدين الأصبحي، الذي أطرني سابقا في مجال حقوق الإنسان، حين كان يدير، بمهنية عالية، مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان. وحين أذكر احترافية الأصبحي ومركزه، والفريق اليمني الشاب الذي كان مسؤولا عن برامج المركز وأنشطته وتقاريره، فإنني لا أقول ذلك من باب المجاملة، بل لأنني خبرت لاحقا مشاركات أخرى في مجال حقوق الإنسان في المنطقة، ولم ألمس فيها تلك المهنية نفسها، ولا ذلك النجاح في الأداء، ولا ذلك الأثر المعرفي الذي كانت تتركه فعاليات المركز لدى المشاركين.

وهكذا، بين ذاكرة الرباط، وانتظار الدار البيضاء، وقلق التسجيل، وأصدقاء فتحوا الطريق بالكلمة الطيبة والدعم النبيل، ظلّت طنجة حاضرة في الخلفية: مدينة مؤجلة، لكنها لم تغب. كانت تنتظر لحظتها المناسبة، كأنها تعرف أن المدن التي نحلم بها طويلا لا تُزار مصادفة، بل نصل إليها حين تكتمل في داخلنا أولا.

حين اتصلتُ بالأصبحي، كان كعادته مرحّبا ومستعدا لفتح الأبواب وتمهيد الطريق للحصول على الموافقة الإدارية من الوكالة. وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق النجاح. ذهبتُ بعدها لمقابلة مدير عام التعاون الدولي، الدكتور محمد مثقال، الذي أوكل المهمة إلى نائبه الدكتور عبد الحق بريس. كان الرجل لطيفا، ووافق على استقبال الطلب، شريطة إرسال خطاب رسمي من السفارة العُمانية في الرباط.

عندها سألت أحد الأصدقاء في وزارة الخارجية العُمانية عن السفير العُماني في المغرب، فبعث إليّ برقم هاتفه. وللأمانة، فقد كان الأصبحي قد ذكر لي من قبل اسم الدكتور سعيد البرعمي، صاحب التجربة الكبيرة في الدبلوماسية العربية والعُمانية. اتصلت به فرحّب بي، ثم سألني إن كنت أنا الكاتب الذي نشر مقالا في جريدة «عُمان» بعنوان: «مدينتان أصيلتان تستحقان التوأمة»، المنشور يوم 30 يناير 2022. أجبته بالإيجاب، فقال لي: هل وصلتك رسالة الشكر التي أُرسلت من السفارة؟ فأجبته بالنفي. فقال: لا بأس، سنبعثها إليك مباشرة.

ثم سألني عن طلبي، فأخبرته برغبتي في الحصول على قبول بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، التابعة لجامعة الحسن الثاني. سألني: لماذا بنمسيك تحديدا؟ فأخبرته أنها الكلية التي كانت تُدرَّس فيها مادة السياسات الثقافية. طلب مني الدكتور سعيد الوثائق الرسمية المعتمدة والمعمول بها لتقديم الطلب، وهكذا مضى الأمر في طريقه.

بعد شهرين، عدتُ إلى المغرب مرة أخرى لاستكمال ما تبقى من الإجراءات الإدارية، والاتفاق على المخطط الدراسي، والحصول على بطاقة الطالب الجامعية. وقد قدمت مبكرا هذه المرة للمشاركة في ندوة «الرواية والصحراء»، التي يشرف عليها الأكاديمي والناشط الثقافي عبد العزيز الراشدي في مدينة أكادير. وكانت فرصة للتعرف إلى هذه المدينة التي لا نعرف عنها، غالبًا، إلا زلزالها المدمّر عام 1960، ذلك الزلزال الذي أودى بحياة نحو خمسة عشر ألف شخص، وأصاب أكثر من اثني عشر ألفًا، وخلّف خرابًا واسعًا في الأحياء، وأدى إلى تهجير كثير من السكان.

والمفارقة أن هزة أرضية حدثت أثناء وجودنا هناك، صباح يوم 18 ديسمبر، عند الساعة السابعة تقريبًا، وبلغت قوتها 3.3 درجات على مقياس ريختر. لم تكن هزة كبيرة، لكنها كانت كافية لتعيد إلى الذاكرة تاريخ المدينة مع الزلازل، وتوقظ في المكان شيئًا من ذاكرته الجريحة.

في أكادير تعرّفت إلى عدد من أبرز الكتّاب المغاربة والعرب، من بينهم الروائي الليبي إبراهيم الكوني، والروائي السوري خليل النعيمي وزوجته الروائية سلوى النعيمي، ومحمود عبد الغني، وعدنان ياسين، والكاتب والناشر الفلسطيني خالد الناصري، والشاعر عبد الرحيم الخصار، والروائي إسماعيل غزالي، وعبد العزيز الراشدي، وسالم الفائدة، وإبراهيم آزوغ، وآخرون يصعب على الذاكرة أن تستعيد أسماءهم جميعًا.

وأتذكر أن موعد رحلتنا إلى الرباط تزامن مع المباراة النهائية لكأس العالم في الدوحة، بين فرنسا والأرجنتين. كان المنتخب المغربي قد ودّع البطولة قبل ذلك، بعدما خسر فرصة الفوز بالميدالية البرونزية، لكنه ظلّ، رغم ذلك، نجم تلك النسخة الاستثنائية من كأس العالم، بعدما حقق إنجازا تاريخيا بحلوله رابعا، وترك في ذاكرة العرب والأفارقة لحظة فخر نادرة لا تُنسى.

حين انطلقت صفارة حكم المباراة النهائية لكأس العالم، كانت طائرتنا تقلع من مطار أكادير متجهة إلى الرباط. تابعنا أطوار المباراة على شاشات الهواتف الذكية، ثم استكملنا ما تبقى منها في مقهى يقع بالقرب من محطة القطار. وهناك احتفلنا بفوز الأرجنتين، في لحظة اختلط فيها السفر بكرة القدم، والمدينة بالمقهى، والرحلة بفرح عابر لكنه لا يُنسى.

في زيارة أخرى إلى المغرب، اكتشفت مع الصديق محمد جليد مدينة بني ملال، والقرى والجبال المحيطة بها، ومنها شلالات أوزود. في تلك الرحلة تعرّفت إلى الكاتب والروائي عبد الكريم الجويطي، صاحب رواية «المغاربة» و«كتيبة الخراب»، وغيرها من الأعمال التي ترصد التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للمغرب، وتلتقط تحولات المكان والإنسان بوعي روائي عميق.

أما هذه المرة، فقد قررت الذهاب إلى طنجة.

الطريق إلى طنجة

كان صباحا مليئا بالنشاط بعد نوم هادئ وممتع في استوديو يقع في حي خوصافات، بالقرب من شارع سيدي بوعراقية، المنسوب إلى الشخصية الدينية والوطنية محمد الحاج البقال، الذي عُرف بتسمية «بوعراقية» نسبة إلى العمامة الخضراء التي كان يعتمرها، والمعروفة بأنها من زي أهل العراقة. بدا لي الحي كأنه يمنح النوم الهادئ بلا رجاء ولا دعاء؛ يكفي أن تصل إليه حتى يسلمك إلى سكينته.

كنت قد وصلت إلى الحي في اليوم السابق، بعد رحلة سريعة من الدار البيضاء إلى محطة طنجة، على متن قطار «البراق» فائق السرعة، كما يذكّر النداء الداخلي في القطار. وكعادتي في الأسفار، لا أركب سيارات الأجرة المصطفة عند محطات الوصول، سواء في المطارات أو محطات القطارات. عادة لازمتني منذ تجاربي الأولى في السفر؛ أسحب حقائبي إلى الشارع المكتظ بالسيارات والناس، وهناك أبحث عن وسيلتي إلى الفندق أو مكان الإقامة. وهذا ما فعلته يوم وصولي إلى طنجة.

بعد أن تفقدتُ مكان الإقامة، ورتبت حقيبة السفر، لم أطق صبرا على اكتشاف طنجة القديمة. أخذت حماما باردا، وخرجت إلى المدينة أبحث عن أثر محمد شكري، وعن مكان إقامته. وبفضل الأجهزة الحديثة والخدمات التي توفرها خرائط العم (جوجل)، لم يعد المسافر يضل ولا يشقى كما كان يفعل أسلافه من الرحالة. ضبطت الوجهة نحو فندق (ريزيدنس ريتز)، حيث أقام شكري، وإلى جواره المطعم الذي حمل اسم روايته الأشهر: «الخبز الحافي».

في الفندق والمطعم، تزيّن صور شكري جدران المكان. ولا بأس أن يصبح الكاتب رمزًا من رموز المدينة التي عاش فيها وكتب عنها، بل يُعد ذلك نوعًا من الوفاء للكاتب والكتابة والثقافة. غير أن الخشية تظل قائمة من أن يتحول الرمز إلى علامة تجارية، كما حدث مع صورة الثائر الأممي إرنستو تشي غيفارا، التي انتقلت من معنى الثورة إلى علامة تجارية تطبع على القمصان والملصقات.

أخذتُ جولة حول المكان، واكتشفت مقاهي مرتبة ونظيفة. وفي أحد تلك المقاهي، سأتعرف صدفة إلى الشاعر والإعلامي عبد اللطيف بن يحيى، الذي كان زميلًا لشكري في إذاعة طنجة. وقد حدث بينهما خلاف يذكره بن يحيى في أحد لقاءاته الإعلامية؛ إذ تمنى لشكري التعافي بسبب وهنه ومرضه، وكان ذلك في بث إذاعي مباشر، وهو ما لم يُعجب شكري، فوقع الفراق بين الصديقين.

كنتُ أتابع حديث بن يحيى على موقع «فيسبوك»، وحين جلس أمامي في المقهى، أخذني الشك وعدم التصديق: هل يمكن أن يكون القدر كريما وباذخا إلى هذه الدرجة؟ لكنني، في الوقت نفسه، لم أستغرب كثيرًا؛ فقد حدثت معي مواقف مشابهة في أسفار سابقة. من بينها موقف وقع ذات ليلة صيفية في مدينة المهدية التونسية، في يوليو 2003، حين عثرت صدفة، في مقهى وسط المدينة، على الدكتور حسن حسني حمزة، الذي كان حينها أستاذا مساعدا في كلية المعلمين بصلالة. وقد كتبت عن تلك المصادفة في كتابي «الطرف المرتحل»، الصادر عن دار الفرقد عام 2013.

في اليوم التالي، كان لا بد من زيارة مقهى الحافة، المطل على البحر الأبيض المتوسط والمدينة. امتطيت قدميّ اللتين لم تخذلاني إلى الآن، بسبب المشي الذي وُلد معي منذ الاعتماد المبكر على الذات في الحركة. كانت تلك السنوات، قبل التنقل بالسيارة، مفيدة لي؛ فقد منحتني قدرة على المشي أستعيدها كلما نزلت بمدينة جديدة. فلا يمكن معرفة المدن حقًا إلا حين تتعرف الأقدام إلى أرصفتها وأزقتها وساحاتها، وحين تتعرف الأنوف إلى روائح أحيائها ومحلاتها التجارية، وإلى روائح الأطعمة التي تتذوقها الذاكرة قبل الألسن.

أخذتُ عدة السفر الحديث: حقيبة صغيرة تحتوي على جهاز حاسوب محمول، وأجهزة الشحن، وبعض اللوازم التي صار المسافر المعاصر لا يستغني عنها ولا يغادر دونها. أتعمد التنزه في المدن في الصباح الباكر، حين تتزاحم الأكتاف في الطرقات بحثًا عن أرزاقها، وحين تكون المدينة في طور استيقاظها الأول، قبل أن يبتلعها ضوضاء النهار.

سلكتُ شارع سيدي بوعمامة، ومررت بباعة الأشياء المستعملة، وربما المسروقة، أو لعل أجواء رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري هي التي غلبتني وجعلتني أرى الأشياء بتلك العين. ففي الليلة السابقة، حين مررت بالباعة أنفسهم، تخيلت شكري موجودًا بينهم، يراقب الأرصفة والوجوه، ويلتقط من سحناتهم وأصواتهم مادته الأولى للكتابة. هناك اقتنيت سترة عسكرية مموهة، وساعة «رولكس» مقلدة، بأثمان بخسة. تخيلت أن شكري ربما اشترى مثلها من جنود مروا بميناء طنجة، أو من بحارة تركوا شيئًا من متاعهم على أرصفة المدينة. أخذتها كتذكار من أرصفة السوق الداخلي، نظرا لما أوحت به من صلة عابرة بذاكرة المكان.

في الصباح سلكت الشارع المؤدي إلى طريق هولندا، ومنه إلى شارع بلجيكا، والمتفرع عنه شارع فاس، حيث اقتنيت الطبعة الرابعة عشرة من رواية «الخبز الحافي»، تلك الرواية التي عرّفت أجيالًا من القراء إلى طنجة، كما عرّفهُم بها، قبل ذلك بقرون، الرحالة الطنجي ابن بطوطة، الذي سأفرد له مقالًا آخر.

في المكتبة بحثت عن كتاب «محمد شكري: جرأة الحياة» للكاتب والإعلامي السوداني طلحة جبريل، فلم أعثر عليه. واصلت البحث في مكتبات مجاورة، لكنني لم أجد ضالتي. وكنت قد استمعت إلى طلحة جبريل وهو يتحدث، في أحد لقاءاته، عن لقاء جمعه بالملك المغربي الحسن الثاني، الذي سرّه كثيرًا أن يشارك كاتب مغربي في برنامج «أبوستروف» الشهير في فرنسا وأوروبا خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو البرنامج الذي كان يقدمه الإعلامي الفرنسي برنار بيفو. وكان شكري قد استُضيف فيه عام 1980، بعد الشهرة التي حققتها روايته «الخبز الحافي». وقد أخبر طلحة بسرور الملك له دون الخوض في التفاصيل.

قبل الذهاب إلى القصبة، تناولت فطورًا مغربيًا: خبز «مسمن» بالعسل، وقهوة بالحليب. أما الشاي المغربي فلم أتفاهم معه كثيرًا. وبالمناسبة، لا أجد في الشاي، أيًّا كان نوعه، ما ينبهني في الصباح. فالقهوة السوداء المخففة بالحليب؛ هي وحدها التي تمنحني يقظة تامة وطاقة على مواصلة النهار. وبعض الأصدقاء يستغربون من تناولي القهوة عدة مرات في اليوم، لكن لكل إنسان طقوسه الصغيرة التي لا يساوم عليها.

من شارع بلجيكا نزلت باتجاه الأسواق عبر شارع الحرية، ثم إلى ساحة بيع الفواكه، ومنها إلى باب الفحص، حيث يزداد الطابع التقليدي للمحلات التجارية، وتتزايد أعداد السياح في خريف العمر. من باب الفحص سلكت طريق إيطاليا، المنتهي عند زنقة القصبة. وكلما حضرت كلمة «القصبة» في مدينة مغاربية، قفز إلى الذهن، تلقائيًا، قصبة الجزائر وقصبة تونس، وهي أمكنة زرتها من قبل، وكأن المدن العتيقة تتخاطب فيما بينها عبر الأزقة الضيقة والأسوار العتيقة.

كان الصعود مرهقا إلى باب القصبة، ومنه إلى مقابر البونيقيين المحفورة في الصخر. غير أن منظر البحر والموج والساحات الخضراء التي يطل عليها مقهى الحافة يجعل التعب مقبولًا، ويمنح المكان شيئًا من سحره الخاص. هناك بدا طعم الشاي معقولًا، وإن لم يكن في رأيي، مناسبًا تمامًا لقيمته الشرائية. لكن في الأماكن ذات الرمزية العالية، لا يدفع الزائر ثمن المشروب وحده، بل يدفع ثمن المشهد، والذاكرة، والاسم الذي صار جزءًا من أسطورة المدينة. ويذكرني اسم الحافة بمنطقة الحافة في صلالة، والذي في الحقيقة مصطلح يطلق على الحارات في مدن ظفار.

من مقهى الحافة اتجهت إلى متحف ابن بطوطة، مستعينًا بالدليل الذي لا يُخشى معه الضلال، ما دامت طاقة الهاتف متوفرة، ورصيد بياناته لم ينفد. مررت ببعض المنازل التي زُرع الياسمين في مداخلها، فتضوع المكان برائحة «المشموم»، كما يُسمى في تونس. وللياسمين قدرة هائلة على اجتراح الذكريات؛ نسمة واحدة تكفي أحيانًا لتعيد اللحظة إلى الزمن المتواري خلف عشرات الحُجب.

لم تنتهِ الرحلة، فللحديث مقام آخر، والعمر سفر طويل، والقلب مشتاق للسفر مثلما تقول أغنية «سفر» التي كتب كلمتها الشاعر عبدالرحيم منصور، ولحنها الموسيقار بليغ حمدي، وغنتها المطربة وردة.«لا القلب يوم ارتاح ولا بطل سفر

سفر.. الدنيا سفر.. فراق ولقا.. ولقاء وفراق

والقلب يا ناس مشتاق للسفر

نصيب جايبنا منين .. ونصيب واخدنا لفين

مش عارفين انهي محطة (ح) نر سي عليها ياعين

ولا عارفين مين (ح) نفارق ولا (ح) نقابل مين

ولا عارفين فاضل لينا دقايق ولا سنين

مش عارفين انهي طريق فيه الراحة ياعين

ولا عارفين بكره واخدنا ومودينا لفين

ولا عارفين فين راح نرسي بعد الغيبة سنين

سفر.. الدنيا سفر.. فراق ولقا.. ولقاء وفراق

والقلب يا ناس مشتاق للسفر».

محمد الشحري روائي عماني