في الأول من أغسطس 1975، وقّعت خمس وثلاثون دولة في هلسنكي وثيقة غير ملزمة قانونا، تعهدت فيها بالامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها وباحترام الحدود وبعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
كان معظم تلك الدول موزعة بين معسكرين يصوب كل منهما سلاحه نحو الآخر، ولم تجعلها الوثيقة دولا صديقة، لكنها منحتها لغة مشتركة وطاولة عادت إليها في بلغراد ومدريد وفيينا كلما ساءت الأحوال.
بعد خمسة عشر شهرا من ذلك التاريخ اجتمع في مسقط وزراء خارجية الدول الثماني المطلة على الخليج بحثا عن ترتيب مماثل. احتفظت أوروبا بطاولتها، وتفرّق الخليج عن طاولته الجماعية ولم يعد إليها منذ ذلك اليوم.
لهذا نرى أن دعوة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، مساء الاثنين في كامبريدج، إلى ميثاق عدم اعتداء بين الدول الثماني تستحق مناقشة دقيقة في عواصم المنطقة وتهيئة الظروف المناسبة لتكون الدعوة مشروعا قابلا للتنفيذ.
والفكرة جريئة في غايتها، لكن قوتها في واقعية شرطها، فميثاق عدم الاعتداء لا يشترط تطابق تقديرات هذه الدول للخطر، ولا أن تتخلى أي منها عن تحالفاتها، ولا أن تزول الخلافات بين ضفتي الخليج. ما يطلبه الميثاق كما طُرح أن تتعهد كل عاصمة بألا ترفع السلاح على جاراتها، وهذا هو الحد الأدنى الذي لا يقوم دونه نظام إقليمي، وقد عاش الخليج نصف قرن من دونه.
وكشف العامان الماضيان ثمن هذا الغياب، فالضمانات التي اشترتها دول المنطقة من الخارج لم تمنع حربا اندلعت فوق رؤوسها، ولم تحمِ الملاحة في هرمز حين توقفت إلى حد بعيد. ولا نلوم الشركاء على ذلك؛ فلكل دولة أولوياتها، تلتقي بأولويات المنطقة حينا وتفترق عنها حينا، ويقع اللوم على الترتيب الذي جعل أمن الخليج معلقا بحسابات تُصنع خارجه.
لا ينبغي التهوين من أسباب الحذر لدى دول الخليج العربية تجاه جارتها الكبرى، القديم منها والحديث، وقد أضافت إليها الحرب الأخيرة أسبابا أخرى، ولطهران في المقابل هواجسها من ترتيبات أمنية صُممت لاحتوائها. هذا غير أن هذا كله حجة للميثاق؛ فمواثيق عدم الاعتداء وُضعت أصلا لمن يخشى بعضهم بعضا.
وهنا شرط ينبغي أن يُقال بوضوح، فالمقعد الذي يُعرض على إيران يأتي معه ما يأتي مع كل مقعد آخر على الطاولة، وهو الالتزام بسيادة الجيران والامتناع عن التدخل في شؤونهم والحرص على الممر المائي الذي يعيش منه الخليج بأكمله. والميثاق الذي يقيّد طرفا ويعفي آخر لن يصمد طويلا.
والشرط نفسه يسري على الضفة العربية من الخليج، فلن تصل دول مجلس التعاون إلى طاولة الثماني بموقف مؤثر إن حملت إليها ستة تصورات للأمن لا يجمعها حد أدنى مشترك. وأول ما يتطلبه الميثاق أن تتفق الدول الست فيما بينها على ما تريده منه، وعلى ما هي مستعدة لتقديمه في سبيله.
ويمكن أن يبدأ الطريق إليه بخطوة أصغر من المعاهدة، فقبل أن تتفاوض هذه الدول على نص ملزم، تستطيع أن تتفق على إعلان مبادئ قصير على طريقة هلسنكي، وأن تلتزم باجتماع سنوي لوزراء خارجيتها لا يؤجَّل لأن الأجواء متوترة، فالتوتر هو سبب انعقاده. ويمكن أن تُفتح قنوات اتصال مباشرة بين قواتها البحرية، حتى لا يتحول حادث عابر في هرمز إلى حرب لا يريدها أحد.
ولشركاء الخليج من خارجه مصلحة في نجاح هذا المسعى، فخليج يتكفل بأمنه شريك أكثر استقرارا لتجارتهم واستثماراتهم.. وأفضل ما يقدمه شركاء الخليج اليوم أن يشجعوا جلوس الثماني إلى طاولة واحدة، وأن ينقلوا حضورهم في المنطقة، بالتدريج، من الالتزامات العسكرية إلى الشراكة الاقتصادية.
لن يُوقع الميثاق هذا العام، وقد يحتاج إلى سنوات من التفاوض كما احتاجت هلسنكي. والوقت لا يغير شيئا في الثابت الوحيد في حسابات الدول الثماني، وهو الجغرافيا، فستبقى على ضفتي ماء واحد مهما تبدّلت تحالفاتها، ومن يتقاسم ماء واحدا يحتاج، قبل أي اتفاق آخر، إلى عهد بألا يُغرق أحد أحدا فيه.