الإسرائيليون الآن على بعد أيام من اختيار حكومتهم القادمة. تتقدم كتلة المعارضة ـ بقيادة جادي آيزنكوت القائد السابق للجيش الإسرائيلي ـ بفارق ضئيل في استطلاعات الرأي. لكن الانتخابات ماضية وفقا لشروط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

فقد قبل القادة الأساسيون في كتلة المعارضة رؤية نتنياهو للعالم من أوجه حاسمة بل لقد أقاموا حملاتهم إلى اليمين منه.

فقد أظهر آيزنكوت معارضته لتأسيس دولة فلسطينية وقال: إنه سوف ينهي حكم حماس لغزة في غضون ثمانية عشر شهرا، بالقوة العسكرية إن لزم الأمر.

وقال يائير لابيد إن نتنياهو لم يمض إلى المدى الكافي في قصف بنية الطاقة الأساسية في إيران. ونفتالي بينيت وصف تركيا بـ«إيران الجديدة» ووصف قطر بالدولة المعادية.

ودعا أفجدور ليبرمان إلى تفكيك السلطة الفلسطينية. واستبعد جميع قادة الكتلة الأساسيين ـ عدا اليساري يائير جولان ـ ضم أحزاب من عرب إسرائيل إلى ائتلافهم. فقد يخسر نتنياهو، لكن فقط لأن خصومه تبنوا فرضياته تبنيا تاما.

يرى أغلب اليهود الإسرائيليين العالم الآن على النحو الذي طالما رآه به نتنياهو. وهذا هو نصر نتنياهو الكبير. ولا تضاهيه غير خسارته الكبيرة: فأغلب العالم يرى إسرائيل الآن مثلما يراها أهل غزة. وبهذا لا يكون نتنياهو وحده هو الذي حقق كثيرا مما رمى إليه لكن يحيى السنوار أيضا، قائد حماس الذي خطط للسابع من أكتوبر ولقي مصرعه في 2024.

ولننظر فيما سعيا إليه، وما حصلا عليه: أنفق نتنياهو قبل السابع من أكتوبر سنين في دعم حماس. وكان ذلك مفهوما على نطاق واسع باعتباره استراتيجية لإدامة انقسام الفلسطينيين وإحباط الضغط الدولي على إسرائيل لكي تسمح بإقامة دولة فلسطينية.

وكان منع قيام تلك الدولة لردح طويل من الزمن من أعز منجزات نتنياهو. فقد قال في عام 2025 إنه «لن تقوم دولة فلسطينية إلى الغرب من نهر الأردن، ولقد قضيت سنين أعمل على منع إقامة تلك الدولة الإرهابية، مواجها ضغطا هائلا، من الداخل والخارج على السواء.

ولقد فعلنا هذا ونحن عازمون عليه، وأعملنا فيه حنكة سياسية كبيرة. فضلا عن أننا ضاعفنا المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وسوف نواصل المضي على هذا الطريق». ووصف بتسلئيل سموتريتش ـ شريك نتنياهو في الائتلاف الحاكم ـ حماس بأنها «ذخر» لهم.

في السابع من أكتوبر سنة 2023، اجتاح مقاتلو السنوار إسرائيل وهي تغط في النوم، وقتلوا قرابة ألف ومائتين وأسروا مائتين وواحدا وخمسين شخصا. وكان هذا بالنسبة لإسرائيل صادما ـ فهو أسوأ يوم من حيث وفيات اليهود منذ الهولوكوست ـ فجاء الرد ساحقا، وذلك ما لا بد أن السنوار كان يتوقعه.

ففي الحرب التي ترتبت على ذلك، قتلت إسرائيل أكثر من أربعة وسبعين ألف فلسطيني، منهم أكثر من واحد وعشرين ألف طفل، وأحالوا غزة إلى ركام.

طالما كان السنوار مستعدا لمقايضة حياة الفلسطينيين بالمغنم السياسي. فقبل سنوات سأله بوفال ييتون ـ وهو ضابط مخابرات إسرائيلي عرف السنوار على أفضل نحو، إن كانت أهدافه تساوي خسائر الأرواح التي سوف تتسبب فيها. فكان رد السنوار قاطعا: “نحن مستعدون للتضحية بعشرين ألفا، بل ثلاثين، بل مائة». وبتعاون مستمر وقاس من نتنياهو، ذلك بالضبط ما فعله السنوار.

قايض السنوار هذه الأرواح بتغيير الطريقة التي يرى بها العالم إسرائيل والفلسطينيين. وإذا بـ«القضية الفلسطينية» التي كانت قد خبت في مشهد المصالح الجيوستراتيجية قضية مركزية الآن في العالم كله.

فأكثر من مائة وخمسين بلدا ـ منها بريطانيا وفرنسا وكندا ـ تعترف الآن بدولة فلسطينية. وما من فرصة في المدى القريب لاتفاق بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

وإسرائيل متهمة اتهاما جديا في محكمة العدل الدولية بارتكاب إبادة جماعية، بل لقد أدينت فعلا بارتكاب هذه الإبادة في الرأي العام العالمي. ويعتقد كثير من شباب الأمريكيين وقرابة 40% من اليهود الأمريكيين أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وللمرة الأولى تتعاطف أغلبية من جميع الأمريكيين مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع الإسرائيليين.

ولم يكن شيء من ذلك محتوما؛ فبعد السابع من أكتوبر، أفاض العالم تعاطفه على إسرائيل. فسافر الرئيس جو بايدن إلى إسرائيل لمعانقة نتنياهو ومشاطرة شعبه الأحزان. وأضاءت ألمانيا بوابة براندبرج بعلم إسرائيل. وعرضت فرنسا نجمة داود على برج إيفل.

وأضاءت أستراليا دار الأوبرا بألوان علم إسرائيل. وكان من شأن سبل محدودة لمكافحة الإرهاب أن تتيح لإسرائيل اقتناص قادة حماس دونما تبديد للتعاطف وللرعب اللذين شعر بهما العالم آنذاك تجاه إسرائيل ونيابة عنها. كان ضبط النفس كفيلا بأن يبقى التركيز منصبا على حماس.

لكن نتنياهو أراد أن يخاطر بالمزيد لكي يحقق المزيد. فسوى غزة بالأرض بحثا عن «نصر كامل» مبهم على حماس، وذلك هدف أعلاه على حياة البشر لا من أهل غزة وحدهم لكن من الرهائن الإسرائيليين أيضا.

وانتهز الفرصة للقضاء على حزب الله وإعادة غزو أجزاء من جنوب لبنان في نهاية المطاف، وتدمير عشرات القرى وتشريد مئات آلاف البشر. وفي نهاية المطاف حقق حلمه الذي ظل دافعا له على مدى عقود، وهو إقناع أمريكا بالانضمام إليه في محاولة لتدمير نظام إيران الحاكم.

في الشهور التالية للسابع من أكتوبر بدا أن مسيرة نتنياهو السياسية قد انتهت. وبعد ثلاث سنين منها، حقق من أهدافه السياسية أكثر مما كان يبدو ممكنا. فإلى أين وصل به هذا، هو أو إسرائيل؟ برغم كل الضرر الذي أنزلته إسرائيل بأعدائها، لا يزال النظام الإيراني صامدا، وحزب الله صامدا، وحماس صامدة. وعلاقة أمريكا الخاصة بإسرائيل تشارف على النهاية.

بات دعم إسرائيل الراسخ يتحول إلى أمر مكروه في الحزب الديمقراطي. فقد أعلن رام إيمانويل ـ الذي شارك والده في حرب الاستقلال الإسرائيلية ـ قائلا إن «أيام دعم دافعي الضرائب لإسرائيل عسكريا قد ولّت».

وسافر إلى تل أبيب لينبه الإسرائيليين بقوله «إنكم تحولتم من قوم معروفين بما لديهم من تكنولوجيا قوية إلى من باتوا في عداد المنبوذين في المقام الأكبر».

معلوم أن نائب الرئيس جيه دي فانس أشد تشككا في إسرائيل من ترامب، وفي ضوء بروز أصوات من أمثال تاكر كارلسن وميجين كيلي وانضم إليهما الآن نيك فوينتس في اليمين، يبدو من غير المرجح أن يدعم الحزب الجمهوري إسرائيل في المستقبل مثل دعمه لها في الماضي.

ولقد قال نتنياهو في عام 2025 إن «إسرائيل تدخل عزلة دبلوماسية. وسوف يتعين علينا أن نتعامل مع اقتصاد مغلق. فالعالم منقسم إلى كتل، ولسنا جزءا من أي كتلة منها».

دخل مصطلح «النجاح الكارثي» المعجم الأمريكي في عام 2004 بعد الفوز الأولي الذي حققته أمريكا في العراق وتبين أنه في جوهره كارثة متفاقمة. ويشير المصطلح إل حصول جهة ما على أكبر من الممكن عسكريا ثم إدراكها أنه لا مخرج لها من المستنقع الاستراتيجي والسياسي الذي تسببت فيه. وينطبق هذا تماما على كل من منجزي السنوار ونتنياهو.

يحظى الشعب الفلسطيني بمزيد من التعاطف الدولي، لكنه يعيش في مزيد من الشقاء وتحت مزيد من السيطرة، قياسا إلى ما كان عليه الحال من قبل، في مواجهة إسرائيل التي باتت أشد عنفا من ذي قبل في مواجهة حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بل ومحض وجودهم نفسه.

تتجاوز الخسائر البشرية في غزة إمكانية الحصر وأغلب الأراضي لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. ويعاني الفلسطينيون في الضفة الغربية مما لا يمكن وصفه في هذه المرحلة إلا بنظام إرهاب.

وفي تحقيق معمق أجري بناء على آلاف الشهادات وصفت منظمة بتسليم الحقوقية الإسرائيلية هذه الحملة بـ«الآلية الشاملة للمحو تعمل على تفكيك الشروط اللازمة لاستمرار الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، مع تعميق السيطرة والتفوق اليهوديين على نحو لا تراجع عنه». والعالم يزداد اطلاعا على القمع والعنف اطلاعا مباشرا، إذ يتعرض الصحفيون والساسة الأجانب للضرب على أيدي المستوطنين وللاحتجاز على أيدي الجيش الإسرائيلي.

فهل كل ذلك جعل الإسرائيليين آمنين؟ من المؤكد أنه جعل لهم السيطرة إقليميا. لكن العالم الآن يرى إسرائيل معتدية غاشمة. وإسرائيل الآن تعاني من انقسامات دينية وسياسية بالغة في الداخل، وتفقد الكثير من أعلى مواطنيها إنتاجية ممن يطلبون حياة أيسر خارج حدودها، وبدأ فيها مستقبل لا تستطيع فيه الاعتماد على دعم أمريكي أو أوروبي غير محدود، ومن المرجح أن تواجه فيه عزلة دولية بوصفها نظام فصل عنصري.

لقد تغير معنى إسرائيل ذاته، إذ يحتمل أن يواجه هذا البلد ـ الذي تأسّس في أعقاب إبادة جماعية ـ مسئولية إبادة جماعية أمام المحكمة العدل الدولية.

وفي نهاية هذا الأسبوع أشار نتنياهو إلى أن إسرائيل قد تضطر إلى التحول إلى عملة مشفرة للالتفاف على العقوبات الدولية التي يتوقعها في المستقبل، فأثار ذلك انتقادا نادرا من البنك المركزي في إسرائيل إذ حذر من أن العملات المشفرة لا يمكن أن تستعمل لاجتناب العقوبات.

وقد قال لي آري شافيط الكاتب السياسي الإسرائيلي «إننا كسبنا الشرق الأوسط، لكننا خسرنا العالم».

لقد كان شعار الليكود في انتخابات 2006 هو «القوة في مواجهة حماس». وطالما أثبتت حماس صحة رؤية الليكود للعالم، وطالما أثبت الليكود صحة رؤية حماس لإسرائيل. والنتيجة شَرَكٌ لا فكاك منه للإسرائيليين أو للإسرائيليين.

ففي حال انتصار كتلة المعارضة في إسرائيل، سوف تفوز في حدود هذا المنطق المخرب. ومن أجل النجاح، لا بد لها من العثور على سبيل للإفلات من الشرك.