ترجمة: قاسم مكي
في خطاب جيد السّبْك هذا الشهر وعلى خلفية مبنى الأكروبوليس المهيب في أثينا حثَّ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الغرب على إعادة اكتشاف ما يجعله استثنائيا. حدد روبيو الخصائص التي تميِّز الحضارة الغربية في «العاطفة المتَّقدة والقوة والشجاعة والاعتداد بالنفس»، واحتفى بطموح الغرب ونزعته القومية، وسعيه المستمر وراء التميز، وحذر من أنه صار يخجل من نفس الأشياء التي جعلته عظيما. روبيو على حق في قوله: إن الغرب يفقد أحيانا الثقة في تقاليده ومبادئه العليا، ويجب ألا يفعل ذلك، لكن كما يبدو تختلط عليه الأمور بشدة حول ما يجعل الغرب استثنائيا.
لننظر في الخصائص التي يحتفي بها، وهي الشجاعة والقوة والطموح والاعتداد بالنفس. جنكيزخان (قائد المغول) لديه كل هذه الخصائص بوفرة، وكذلك أباطرة الفرس والروس وحكام الصين الإمبراطورية؛ فكل حضارة عظيمة احتفلت بمحاربيها، وعظَّمت فتوحاتها وآمنت بتفوقها.
ما يميز الحضارة الغربية حقا ليس قوتها العسكرية أو اعتزازها القومي، بل تقاليدها الفكرية والسياسية. طوَّر الغرب بداية بالفلسفة الإغريقية والقانون الروماني ومرورا بالمسيحية والثورة العلمية والتنوير مجموعةً من الأفكار التي تحدّت التعسف في ممارسة السلطة. وأصبحت مبادئ العقل والبحث العلمي والحرية الفردية والديموقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان مركزية بالنسبة للحضارة الغربية ومميِّزة لها.
لدى الثقافات الأخرى تقاليد للأخلاق والعدالة والكرامة البشرية، لكن في الغرب تحولت هذه الأفكار إلى مبادئ سياسية ثورية تنادى بأن كل إنسان يملك حقوقا معينة ببساطة لأنه إنسان، والحكومات توجد لتأمين تلك الحقوق، وليس هنالك حاكم أو تقليد يعلو على المساءلة. وكانت السمة الأكثر جذرية لهذه المبادئ والمستلهمة جزئيا من المسيحية أنها عامة؛ فهي لا تنطبق على الغربيين فقط ولكن من حيث المبدأ على كل أحد.
لننظر في الرق. مارس الغرب الرق على نطاق واسع وبطريقة وحشية. كما فعلت ذلك كل حضارة كبرى على مر التاريخ تقريبا، لكن الغرب أنشأ حركة قوية لإلغاء الرق مستعينا في ذلك بالمعتقدات المسيحية والمبادئ العليا لحركة التنوير، وصراعات الجماعات المستقرة نفسها. لقد طورت المجتمعات الغربية مبادئ يمكن استخدامها لإدانة سلوكها هي نفسها. على نحو مماثل ولقرون عاملت المجتمعات الغربية النساء وأفراد الأقليات الدينية والعرقية كمواطنين من الدرجة الثانية كما فعلت ذلك معظم الحضارات الأخرى، لكن الأفكار الغربية عن المساواة وحقوق الفرد ساعدت على إنشاء الحركات الداعية إلى حق المرأة في التصويت والتسامح الديني والحقوق المدنية. لم ترفض هذه الحركات أسمى مبادئ الغرب، بل طالبته بالالتزام بها. استند القس مارتن لوثر كنج إلى فكرة إعلان استقلال الولايات المتحدة بأن «كل الرجال (البشر) خلقوا سواسية»؛ وذلك بالضبط لأن وعدها كان عاما يشمل البشرية كلها حتى إذا خانها المجتمع الأمريكي مرارا.
يصح هذا أيضا في حالة الاستعمار. لقد سعت كل القوى العظمى تقريبا إلى توسيع مجال نفوذها. كان الغرب ناجحا على نحو استثنائي في ذلك. ولا يملك المرء إلا أن يعجب بضخامة تمدده، لكن انتهى الأمر بالمجتمعات الغربية أيضا إلى الاعتراف بحقوق الشعوب المستعمرة، ومساءلة أخلاقية الغزو، والإقرار بوحشية الحكم الاستعماري. هذه القدرة على النقد الذاتي ليست ضعفا؛ فمن بين أعظم عناصر قوة الغرب قدرتُه على دفع نفسه إلى التقيد بمبادئه العليا. أيضا أحد عناصر هذه القوة جزئيا استخدام العقل بلا هوادة، وهو الذي جعل الغرب يقود العالم في العلوم والاكتشاف.
يقودنا هذا ربما إلى النقطة الأكثر أهمية والتي غابت عن ماركو روبيو. مصدر النفوذ الاستثنائي الذي يبسطه الغرب على العالم الحديث ليس ببساطة الغزو العسكري أو الهيمنة الاقتصادية، بل الجاذبية المنطقية لأفكاره. كثيرا ما كان النفوذ الغربي يُقابل بالاستياء، ويقاوم ويطرد في النهاية، لكن المبادئ العليا المرتبطة بالغرب تبقى؛ لأن الناس في كل بلد يمكنهم أن ينسبوا ملكيتها إليهم.
حكمت بريطانيا الهند لما يقارب القرنين. وكثيرا ما كان ذلك عبر الاستغلال والقهر والعنف. بالرغم من ذلك عندما كسب الهنود استقلالهم لم يتخلوا عن الديموقراطية البرلمانية والحكومة الدستورية والقضاء المستقل أو حكم القانون.
احتضنوا هذه المؤسسات وعملوا على تكييفها مع واقعهم وأضافوها إلى تقاليدهم. تبنت الهند حق التصويت العام للراشدين منذ ولادة جمهوريتها. وذلك التزام غير عادي تجاه المساواة السياسية في بلد فقير وتتفشى فيه الأمية. تلك هي القوة اللافتة لصياغة الغرب «للأفكار الجامعة»؛ فأي أحد يمكنه تبنيها واكتساب القوة والنفوذ عبرها. روبيو مصيب في أن على الغرب الاعتزاز بتاريخه وإنجازاته، لكن في حين هذه العناصر التي يؤكد عليها روبيو، وهي القوة والشجاعة والعظمة الوطنية، تجعل للغرب سطوة عظيمة حقا إلا أنها ليست ما يجعله مغيّرا جذريا للأشياء. إنجازه الأكثر استدامة ليس فتحه للبلدان وبناءه جيوشا وصروحا عظيمة أو إنتاجه ثروة. الإمبراطورية العثمانية فعلت ذلك.
ما يجعل الغرب استثنائيا قدرتُه على التعالي على الدعاوى الضيقة للقبيلة والأمة والإمبراطورية وتطويره أفكارا عن الحرية والمساواة والكرامة البشرية تخاطب كل الناس في كل مكان. أخضع الغرب معظم العالم عبر القوة، لكنه غيَّر العالم عبر الأفكار.
أتمنى أن يحتفي وزير خارجية الولايات المتحدة بهذه الأفكار وأن تلتزم الإدارة الحالية بها.
فريد زكريا كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست ومقدم برنامج يتناول القضايا الدولية والشؤون الخارجية على شبكة سي إن إن