تُلتقط الصور يوميًا للطلاب الموهوبين في المدرسة. الطلاب الصاعدين إلى مراكز متقدمة في الرياضيات والعلوم واللغة. الأكثر حفظًا وقدرة على حل المسائل المعقدة.

بينما ثمة من يثابر بجلَد وصبر في الخفاء كي يراه والداه ضمن الصورة أيضًا.

تلك الصورة التي تشكل ضغطًا عليهم وعلى أولياء أمورهم في «جروبات المدرسة»، لكن يمكث أكثرهم خارج إطارها!

وإن كان لفت الانتباه للمتفوقين يحدث فيما مضى نهاية كل عام دراسي فإن هذا يحدث الآن بشكل يومي وعلى نحو مستفز أحيانًا؛ بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.

وبقدر ما نظن أن النوايا طيبة، والسعي كامن في تحريض البقية لأن يحذو حذو المتفوقين قد نكسر شيئًا ثمينًا في الآخر.

أضف إلى ذلك شعور الوالدين المترقبين؛ فقد يعودان محملين بغضب أو شعور بالتقصير، والأدهى أن يمارس بعضهم التعنيف لمجرد أن أبناءهم خارج الصورة! فلماذا لا نحفل بمن يثابر قدر استطاعته، وإن لم يصل إلى القمم المبتغاة، ألا نقدر محاولاتهم! ألا ننتبه لدأبهم!

في كتاب «العزيمة» للكاتبة وعالمة النفس الأمريكية أنجيلا داكوورث، والذي طالعت فصوله الأولى في إجازة نهاية الأسبوع الماضي، لفتني رأيها: «الاحتفاء بالتفوق وحده قد يحجب قيمة المثابرة».

وتروي لنا داكوورث قصة أستاذ غير حياة تلميذ يعاني من صعوبات التعلم حين استبدل بالسؤال المعتاد: «أهذا كل ما يمكنك فعله»؟ سؤالًا آخر: «من يدري ما الذي يمكنك فعله»؟ فقد نقله من حالة الرضوخ لحدود واقعه إلى محاولة اكتشاف ذاته. وتورد داكوورث ما قاله نيتشه: «نحن نريد أن نصدق أن العبقري ولد مختلفًا عنا جميعًا، وبطريقة لا أحد منا يستطيع أن يكون مثله. لا نريد أن نجلس ونراقبه يتطور من هاو إلى خبير. نفضل أن ننظر للتفوق كشيء مكتمل النمو، وأن نراه بهذا الغموض». وهنا يكمن الخطر الذي يكرسه التعليم اليوم؛ إذ لا يفسح المجال للتمعن المتأني في أولئك الذين يقعون خارج ما نظنه «تفوقًا».

يرى نيتشه أننا نصنع صورة للعبقري لا نضطر معها إلى مقارنة أنفسنا به؛ اعتقادًا منا أننا نفتقر إلى خصائصه، ومن ثم لا حاجة بنا إلى منافسته، وبعبارة أخرى فإن إضفاء طابع «الأسطورة» على «التفوق الفطري» يتيح لنا الإفلات من المواجهة، والاسترخاء في حدود وضعنا الراهن، وهذا ما قد يحدث بالفعل.

تميز داكوورث بين الموهوبين بالفطرة والمثابرين المكافحين، وقد وجدت أن بعض الموهوبين ينهارون ما إن تسوء الأمور في حين يصمد المكافحون.

وتستشهد بنماذج عدة، منها قصة جون إيرفينج الذي كتب روايات عديدة حقق معظمها أعلى المبيعات، وتحول بعضها إلى أفلام سينمائية، كما فاز السيناريو المقتبس عن روايته «قوانين منزل التفاح» بجائزة أوسكار..

ولم يكن إيرفينج موهوبًا بالفطرة وفق المعايير المدرسية؛ فقد حصل على درجات متدنية، واضطر إلى سنة إضافية لاستكمال وحدات دراسية، ووصفه أساتذته: «بالكسول الغبي». لكنه لم يكن كسولًا ولا غبيًا، كان يعاني عسرًا شديدًا في القراءة كما يروي لنا: «كنت مستضعفًا، فإذا كان باستطاعة زملائي في الصف قراءة درس التاريخ في ساعة، كنت أعطي نفسي ساعتين أو ثلاث ساعات. لم أكن قادرًا على التهجئة، وكنت أحتفظ بلائحة بأكثر الكلمات التي أكتبها بشكل خاطئ».

عندما أجرت داكوورث مقابلات مع قادة في مجالات الأعمال والفن والرياضة والصحافة والتربية والطب والقانون وجدت أن أولئك الذين بلغوا قمة هرمهم المهني لم يكونوا بالضرورة الأكثر موهبة، وأنهم لم يتسموا بالثقة المطلقة بالنفس، بل كانوا راضين عن كونهم غير راضين، وهو ما دفع كلًا منهم إلى مطاردة شيء فريد في حياته، والمفاجئ أن هذه المطاردة ذاتها كانت مصدر رضاهم.

وحتى حين كانت بعض المهام مضجرة أو محبطة أو مؤلمة لم يكن الاستسلام خيارًا لديهم؛ فقد بقي شغفهم ثابتًا ومتينًا.

تسليط الضوء بكثافة على «المتفوقين» يحدث شرخًا في النسيج التعليمي، ويبقي «المكافحين» الصامتين، أو أولئك الذين لديهم فرصة لأن ينجزوا في سياقات مغايرة أسرى المعاناة والحسرة، وخارج الصورة دائمًا وأبدًا.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»