لا يخفى على أحد اليوم تصاعد تلك المشادات الرقمية التي تحدث بين الفاعلين الرقميين على المنصات في دول الخليج العربي، وتجر معها أطرافًا أخرى من المنطقة للمشاركة، وكأننا في حفلة «تنابز» عظمى، أبطالها خليط بين المعرفات الحقيقية، والمعرفات المتوارية.
على المستوى الشخصي لا أقلل من خطورة ما يحدث، وإن كان لحظيًا في وجه منه، وإن كانت هناك سردية تقول بأن غالبية من ينشط فيه هو حسابات آلية أو معرفات وهمية، أو يدار عبر مؤسسات تهندس الصراع الرقمي وتدفع به، ولا تمثل بالضرورة الأشخاص أو الدول والمجتمعات التي يعبرون عنها أو ينحدرون منها.
وفي تقديري هذا تبسيط مخل لظاهرة استفحلت، وتتجاوز في حساباتنا الاجتماعية منطق (المشاركة الرقمية) إلى محاولة خلق صورة ذهنية وتصنيفات مسبقة حول المجتمعات، والسياسات، وتعيد هيكلة القيم، وتصنيف الأفراد، بل وأصبحت تتعدى ذلك في الإساءة للرموز والقيادات والنظم القائمة.
وإن سلمنا جدلًا بأطروحة التوجيه الآلي ونشاط الحسابات الوهمية، فمن يجيب عن استفهام أكبر يتمثل في انخراط بعض ممن يحسبون على نخب الفكر والسياسة والثقافة والعلم والفن في الخليج في هذا المنزلق، وتزمت بعضهم في المواقف، والغلو في حفلة التنابز الكبرى التي تحدث؛ وهو ما يؤكد أن المسألة - وإن كانت رقمية - فهي لا يمكن عزلها عن السياق المحتدم الذي تمر فيه المنطقة. ويسحب الأفراد نحو محاولة تصور «واقع جديد» يعيشونه، قد يكون مخالف تمامًا لمسارات ومجريات الأمور كما تحدث في واقعها الفعلي.
على مستوى الأسباب لا يمكن تجاهل محركات عامة لتصاعد هذه الظاهرة؛ يأتي في مقدمتها أن حالة احتدام التنافس - وتحديدًا في شكله الاقتصادي - بين دول الخليج أصبح يمتد إلى سردية أفرادها في الفضاءات الافتراضية؛ فإن كان هذه الدول عاشت في العقدين الأخيرين تحديدًا منافسة محتدمة على استقطاب الاستثمارات والشركات والسياحة والمشروعات؛ فهذه المنافسة أصبحت اليوم في ذهنية الفاعلين الاجتماعيين - بما فيهم أولئك الذين ينشطون على المنصات الرقمية - مرتبطة أيضًا بمكانة الدولة ودورها السياسي وقدرتها على التأثير في محيطها. وعندما يتحول النجاح الاقتصادي إلى عنصر من عناصر الاعتزاز الوطني، يصبح نقد سياسة اقتصادية أو مشروع وطني قابلًا لأن يُفهم بوصفه انتقاصًا من الدولة نفسها، وبالتالي قد تبدأ حفلة تنابز كبرى من هذا السياق.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأحداث المفصلية (الأزمات الخليجية) التي مرت بها المنطقة، والتباينات الاجتماعية التي نشأت عنها - وإن حلت على المستوى السياسي - إلا أنها أصبحت مادة للاستدعاء وأداة للتنابز، وذاكرة تحمل الإقصاء عند أي توترات جديدة، فتتحول قضية رياضية أو تصريح إعلامي محدود إلى مناسبة لإحياء ملفات سياسية وتاريخية أكبر بكثير من الحدث الأصلي.
وهذا يقودنا إلى القول بأننا نفتقد لمشروع (إعلام خليجي) جامع، قادر على استنبات الوحدة بين هذه المجتمعات، وإرساء المشتركات، ومحو ذاكرة الأحداث السالبة في ذهنية الفاعلين الاجتماعيين في المنطقة. فالإعلام الذي لا يدفع الأفراد إلى النظر إلى مستقبلهم، والتركيز على مشتركاتهم أكثر من اختلافاتهم لا يمكن أن يكون عنصر بناء في المنظومة الخليجية الواحدة. وهذا ليس دورًا محصورًا على إعلام كل دولة، بل هو مشروع يستوجب أن تقوده المنظومة الجامعة ككل وترسخه وتتابعه.
وبالنظر للأسباب الاجتماعية التي تدفع باتجاه حالة التنابز المتصاعدة يأتي في مقدمتها أنها نتاج لتحول تراكمي في الهوية الخليجية؛ ذلك انه خلال السنوات الماضية أصبح مركزية الهوية الوطنية تتمدد في المجتمعات الخليجية قياسًا بأي اعتبارات أخرى، وعليه أصبحت أكثر حضورًا في التعبير الفردي عن الإنجاز والانتماء والمكانة وحتى في رؤية التحدي وتصنيف الخطر؛ لذلك أصبحت حساسية بعض الأفراد تزداد بشكل تلقائي تجاه المقارنات والانتقادات العابرة للحدود.
ومن التحولات في الهوية التي تدفع ذلك أيضًا أن الدفاع الرقمي (الرمزي) عن الوطن تحول إلى أداء اجتماعي علني؛ فصار بعض المستخدمين ينظرون إلى قيمة الاعتراف داخل مجموعاتهم من خلال إظهار الغيرة الوطنية والرد على الآخرين بطريقة حادة أو بالتنابز، وقد يصبح الصمت أو الاعتدال في نظر بعض المتابعين دليلًا على ضعف الانتماء، فينشأ ضغط اجتماعي للمشاركة في السجال، بل وأصبح محك الوطنية - لدى البعض - هو مقدار انخراط الشخص في مثل هذه السجالات بأكبر قدر ممكن من الحدة.
أصبحت المقارنات بين المجتمعات الخليجية في ذهنية الفاعلين الاجتماعيين تتجاوز الدخل والتنمية إلى النفوذ والحداثة والإنجاز والسبق التاريخي؛ وعلى ذلك أصبحت المنصات الرقمية تعطي بعدًا جديدًا للحالة الاجتماعية للأفراد؛ فالتفوق الرمزي للدولة في اعتبارهم أصبح مصدرًا للمكانة الاجتماعية للفرد نفسه.
يضاف إليه نشوء فكرة (الدائرة العاطفية المغلقة The Closed Emotional Loop) التي تغذيها أيضًا خوارزميات المنصات الرقمية، وتجعل الخلاف ينتقل من رفض موقف سياسي معين إلى مشاعر سلبية تجاه جماعة وطنية بأكملها، أو تجاه دولة بأكملها؛ وفي هذه المرحلة لا يعود مضمون الخلاف هو المحرك الوحيد، بل يصبح الانتماء نفسه سببًا للتأييد أو المعارضة؛ وفي هذه الحالة أصبح مفهوم الجماعة الاجتماعية هي تلك الشبكات التي (يتداول أعضاؤها المضامين والتفسيرات المتشابهة)، أكثر من كونهم منطلقين من سياق اجتماعي واحد، ويكتسبون تصورًا مبالغًا فيه عن إجماع مجتمعهم حول قضية ما، بينما يقل تعرضهم للآراء المخالفة المعتدلة.
وبالنسبة للخوارزميات فهي الأخرى تلعب دورها في تصاعد هذه الظاهرة؛ فدراسات الاتصال الرقمي تشير إلى أن «المحتوى الغاضب والمثير للانقسام قادر على استقطاب تفاعل مرتفع، ما يمنح أصحاب الخطاب التصادمي حافزًا للاستمرار». وفي الحالة الخليجية فإن ذلك إلى حدوث انطباع عام، أن هذا التنابز هو حالة خليجية كلية، حيث يدخل الشخص للمنصات فلا يرى إلا المحتوى السجالي، ولا يرى سوى التفاعلات على ذات المحتوى، وتتصدر أمامه المنشورات التي تحمل ذات الطابع وتضاعفه وتراكمه، فينشأ اعتقاد أن هذه هي الحالة الواقعية، مما قد يدفعه بقصد أو بعاطفة إلى الانخراط في ذات السجالات، أو على تداولها بأقل تقدير عبر تصديرها للمنصات الأخرى.
بحسب دراسة نشرت في مجلة nature human behaviour طُبقت الدراسة على مستخدمين لمنصة (إكس) في سياق النقاشات السياسية الأمريكية، باستخدام مسوحات ميدانية وتجارب سلوكية تقارن مشاعر الغضب التي يصرّح بها كاتبو المنشورات بتقديرات القراء لها. وخلصت إلى أن القراء يبالغون في تقدير غضب الآخرين، خصوصًا كثيفي الاستخدام السياسي للمنصات، مما يعزز التصورات المبالغ فيها عن عدائية الجماعات وتطرفها ويجعل الاستقطاب يبدو أشد من واقعه.
تبدو حالة السجال والتنابز تسير وفق نظرية هوياتية واجتماعية واضحة، تبدأ من اعتزاز وطني يدفع الفرد إلى فهم الحديث عن السياسات أو المقارنات باعتباره انتقاصًا من الجماعة؛ وبالتالي يمثل تهديدا وجوديا لهويته وجماعته الوطنية، ويتحول ذلك إلى دفاع علني عن الهوية، تكافئه الخوارزمية متى ما حمل محتوى سلبيًا مثيرًا أو قابلًا للتفاعل الواسع.
وعليه فإن المراهنة على أن ما يحدث اليوم في هذه المنصات مجرد (سحابة صيف) تغذيها الأحداث العارضة في تقديري تقليل من ظاهرة تستفحل وقد تمتد تأثيراتها إلى ما هو أبعد من مداها الرقمي.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان