منذ عام 2011 ومع اندلاع أحداث الربيع العربي في عدد من الدول العربية ومن بينها الجمهورية اليمنية، حتى يومنا هذا، لم يشهد هذا البلد استقرارا حقيقيا، بل تنازعته الخلافات التي بدأت منذ حرب 1994 بين شريكي الوحدة الراحلين، الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض، ثم هدأت لبعض الوقت لتبدأ مجددا مع خروج المتظاهرين في ميدان السبعين بصنعاء وعدد من المدن الأخرى بمطالب التغيير في عام 2011.

واستطاعت المملكة العربية السعودية بجهود مخلصة نزع فتيل الأزمة حينها بتنازل الرئيس علي عبدالله صالح عن السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي، بعد حوالي عام من الاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد النظام.

وما لبثت أن عاودت الأزمة اليمنية مجددا بعد دخول جماعة أنصار الله صنعاء عام 2014، وانتقال حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى عدن، وإعلان عاصفة الحزم عام 2015 لدعم الشرعية اليمنية من قبل التحالف العربي بطلب من الرئيس اليمني.

لم يتم حسم الحرب لصالح أي من الأطراف المتحاربة في اليمن منذ قرابة 12 عاما، وتشهد الساحة اليمنية حاليا تصعيدا خطيرا يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها.

وإذا ألقينا نظرة على الساحة اليمنية والأطراف المحلية الفاعلة فيها فإنها:

1 - الحكومة الشرعية ومقرها مدينة عدن وتسيطر على مساحات واسعة من البلاد وخاصة المحافظات الجنوبية.

2 - جماعة أنصار الله وحلفاؤها ويتمركزون في صنعاء والمناطق المحيطة بها، ومؤخرا توسع نفوذهم شرقا حتى مضيق باب المندب.

3 - الحراك الجنوبي السلمي الذي ينادي بمطالب تتعلق بأبناء الجنوب والمظلومية التي تعرضوا لها بعد الوحدة.

هذا بالإضافة إلى مناصري المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي يطالب بقيام دولة الجنوب العربي والعودة إلى حدود ما قبل 22 مايو 1990 وهو تاريخ إعلان الوحدة اليمنية.

جميع الأطراف اليمنية المذكورة تتلقى دعما من الخارج ولديها علاقاتها التحالفية داخل اليمن وخارجه، وهذا وضع طبيعي وحاصل في دول أخرى وتجارب سابقة.

إن الحلول الواقعية للأزمة اليمنية تتطلب من كافة مكونات الشعب اليمني وخاصة الفاعلة منها بالإضافة الداعمين لهم من الخارج والمجتمع الدولي بشكل عام، الرجوع إلى الشعب اليمني؛ فهو مصدر السلطات والشرعية الحقيقية؛ وذلك من خلال وقف المواجهات الدامية الحالية وضرورة العودة إلى الحوار الذي يتمثل فيه جميع أطياف ومكونات الشعب اليمني؛ ومن أجل تحقيق ذلك فإنه من المناسب النظر بموضوعية في المسائل التالية:

أولا: وقف المواجهات والتصعيد بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله بالتزامن مع وقف القتال على الساحة اليمنية بين قوات الحكومة الشرعية وجماعة أنصار الله والعودة إلى الهدنة تمهيدا لبدء حوار جاد.

ثانيا: أن تكون الهدنة دون شروط مسبقة والتحلي بالمسؤولية والالتزام التام من قبل جميع الأطراف.

ثالثا: إن الهدنة أو وقف القتال لا تعني بأي حال استراحة لكسب الوقت للتعبئة والاستعداد لحرب أخرى يعتقد طرف ما أنه يستطيع كسبها أو حسمها لصالحه، بل التزام دائم وصادق بالحوار وصولا إلى الحل الشامل.

رابعا: إن خرق الهدنة وعدم الالتزام بها والتقاعس عن العمل الجاد لإنضاج حلول واقعية وموضوعية مقبولة تحفظ حقوق جميع اليمنيين ودول الجوار وتضمن الهدوء والاستقرار والسلام، يعني العبث مجددا بأمن المنطقة واستقرار شعوبها والدخول في حروب عبثية لا طائل من ورائها، وسيكون الجميع خاسرا فيها.

خامسا: إن استمرار الصراعات والمواجهات في اليمن وتفريخ فصائل وجماعات مسلحة في مناطق مختلفة منه، ستكون نتائجها غير محمودة العواقب على اليمن والمنطقة، مما قد يؤدي لتحويل هذا البلد الكبير إلى دولة فاشلة، بعدد سكانه الذي يصل إلى حوالي 42 مليون نسمة ومساحته الشاسعة التي تزيد عن 500 ألف كم2 وموقعه الجغرافي المتحكم بمضيق باب المندب، وجميعنا شهود على ما يشهده الصومال في الضفة الأخرى للبحر الأحمر منذ عقود طويلة.

سادسا: العودة إلى الحوار الشامل الذي يتمثل فيه جميع أطياف الشعب اليمني برعاية من الأمم المتحدة ومشاركة دول مجلس التعاون وبمباركة ودعم من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الدولي، أصبح ضرورة ملحة، وأن يتم التوافق على مكان وزمان البدء بالحوار والمشاركين فيه، وذلك بعد إنجاز وقف إطلاق النار وتوقف المواجهات المسلحة.

سابعا: إن أي محاولات لفرض دولة الجنوب العربي قسريا دون توافق شعبي وإجماع وطني يمني، سيكون خطأ استراتيجيا، ولن يساعد في حل الأزمة اليمنية، بل قد يكون بداية لصراع جديد في هذا البلد.

أما على الصعيد الإقليمي وفي حال فشل جهود الوساطة التي تقوم بها أطراف إقليمية ودولية بشكل حثيث، فإن المنطقة قد تكون مقبلة على جولة جديدة من المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؛ وإن حدثت فستكون أشد فتكا وتدميرا على كامل المنطقة.

وعليه، فإن البحث الجاد عن حلول سلمية لمشاكل المنطقة سيكون الخيار الأسلم للجميع، واليمن هو أحد مفاتيح السلام والاستقرار الأساسية في منطقتنا، والانتقال بهذا البلد وشعبه إلى مرحلة السلام والهدوء والتصالح سيكون مكسبا استراتيجيا مهما للشعب اليمني ودول مجلس التعاون، وذلك من خلال عقد اتفاقيات عدم اعتداء وشراكات تنموية واقتصادية وسياسية وأمنية تعود بالنفع على جميع شعوب ودول المنطقة وتحافظ على سيادتها وأمنها.

أما العودة إلى التعبئة والتحشيد والتجييش والحروب فهو عبث غير مبرر بأمن المنطقة واستقرارها.

د. سعيد بن محمد البرعمي سفير عماني سابق