قبل سنوات عديدة أنهيت برنامجا تدريبيا صيفيا في أحد أهم قطاعات الطاقة. وفي حفل ختام البرنامج تهيأ الرئيس التنفيذي ليلقي كلمته، فإذا بمكبر الصوت لا يعمل؛ فتدارك الإحراج بدعابة ذكية قال فيها بصوت سمعه من كان قريبا منه: «لا تثقوا بالتقنية».
مرت السنوات، وزاد معها ارتباطي بالتقنية تخصصا وبحثا، وزاد معها يقيني بصحة جملة «لا تثقوا بالتقنية»، ولأسباب كثيرة خضت فيما يتعلق بهذه الجملة سردا وتعليلا منذ وقت طويل.
واستمرارا في منحى الوعي التقني ورصد متعلقاته أجد نفسي -مرة أخرى- مدفوعا إلى الحديث عن موضوع مهم يتعلق بثلاثية «التقنية والثقة والولاء»، وقدرة السياسة على إعادة صياغة هذه المعادلة الثلاثية. وضاعف من هذا الحماس تواتر التقارير المؤكدة عن تقلّص قدرات خدمات الإنترنت الفضائي التابع لشركة «سبيس أكس» الأمريكية في أوكرانيا.
ولتتبع مجريات الحدث الذي يترجم ثلاثيتنا المذكورة، نبدأ بما نعرفه عن تقديم الولايات المتحدة الأمريكية حزمة من الدعم العسكري واللوجستي للحكومة الأوكرانية منذ بداية الهجوم الروسي عليها، وكانت من بين تلك الحزم منظومة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» التي دخلت الخدمة في أوكرانيا منذ عام 2022، وتعمل على توفير إنترنت عالي السرعة شامل الاستعمالين -المدني والعسكري-، واستطاعت هذه الشبكة تعويض بعض منظومات الاتصال التقليدية المتضررة من الهجمات الروسية.
في أواخر عام 2024 دخلت الخدمة منظومة اتصال فضائي أكثر تطورا من نسختها الأولى تُعرف بـ«ستارشيلد»، وتميّزت بخدماتها الاتصالية عالية الدقة والسرعة، وخصصت للمهام العسكرية والأمنية داخل أوكرانيا؛ فكانت مساهمة في رفع كفاءة منظومة الدفاع الأوكراني وهجماتها المضادة على المواقع الروسية. كذلك تميزت «ستارشيلد» بنظام تشفير متطور قادر على نقل البيانات العسكرية والاستخباراتية وربطها بالأنظمة العسكرية بكفاءة ودقة عاليتين. أما ما يربط الشبكتين فهو أنهما من تطوير شركة «سبيس أكس» الأمريكية.
بيد أن شبكة «ستارلينك» أقرب إلى طابعها المدني والتجاري -كما تبدو ظاهريا- وأكثر تحررا من قيود الاستعمال والانتشار في حين أن شبكة «ستارشيلد» أقرب إلى طابعها العسكري؛ ولذلك تخضع لقيود الانتشار وتحكّم المؤسسة العسكرية الأمريكية، وهذا ما دفع مالك شركة «سبيس أكس» «أيلون ماسك» إلى رفع يده ومسؤوليته عن الموضوع، ونسب الأمر إلى قرارات الحكومة الأمريكية ودوافعها العسكرية؛ ليوحي أن منظومة الاتصال الثانية مملوكة للحكومة الأمريكية ورهن تصرفها، وإن خرجت من رحم «سبيس أكس».
لسنا بحاجة إلى كثير من التفصيل التقني، ولكن يهمنا أن نعرف أن منظومة شبكة الاتصال الفضائي العسكرية «ستارشيلد» -منذ بداية شهر أكتوبر الحالي- تراجعت في كفاءة خدماتها المقدمة للجيش الأوكراني مقارنة بما كانت عليه في السابق، فأضحى من الصعب للجيش الأوكراني أن يتحكّم بمسيراته -سواء الدفاعية منها أو الهجومية- بعد سرعات تتجاوز 100 ميل في الساعة.
لم يتأخر التعليق الأوكراني الرسمي الذي نقله الرئيس الأوكراني نفسه عبر وسائل الإعلام، فحمّل المسؤولية مباشرة للقرار الأمريكي، واتهمه بتعمّد تعطيل خدمات الاتصال الفضائي أو تقليصها، وهذا أيضا ما ألمح إليه «أيلون ماسك» تبرئة لذمته وإخلائه للمسؤولية.
أما عن الأسباب الأكثر ترجيحا لهذا القرار الأمريكي الذي وضع أوكرانيا تحت وطأة الضغط العسكري الروسي فمآلها -بشكل رئيس- إلى الضغوط التي يواجهها الرئيس الأمريكي «ترامب» نتيجة أزمة الطاقة والوقود، والارتفاع الحاد في أسعارهما.
وتضاعفت هذه الضغوط مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وتعاظم خيبات الأمل في الشارع الأمريكي إزاء ضعف أداء الإدارة الحالية في التعامل مع أزمات الطاقة وتضخّم الأسعار، فجاء التوجه الأمريكي نحو التهدئة مع الصف الروسي الذي زاد بعد صفقة الديزل المبرمة مع روسيا.
بكل تأكيد لا ينحصر تأثير هذا التحول الأمريكي على أوكرانيا وحسب، فيمتد ليشمل أوروبا التي تجد في أوكرانيا بوابتها الحامية من الجموح الروسي الآخذ في التوسّع والتوّاق إلى استعادة نفوذه القديم.
كلٌ يرى الأمر من منظوره الخاص ووفق مصالحه الإستراتيجية؛ إذ يحكم الاتحاد الأوروبي على الخطوة الأمريكية بأنها خيانة «ترامبية» لأوروبا بأكملها؛ ولهذا بدأت دوله تعيد حسابات ارتباطاتها ومصالحها مع أمريكا بما فيها العسكرية والتقنية. في المقابل تتبنى الحكومة الأمريكية -في كواليسها غير المعلنة رسميا- نظرة أخرى، فتبحث عن مواطن مصالحها، وتطبق قواعد السياسة بحذافيرها، فيمكن لها -إن اقتضت المنفعة- أن تتحالف مع عدوها وتتخلى عن حليفها. وهذا ما يعيدني مجددا إلى التعريف العميق للسياسة الذي سبق أن نقلته عن الدكتور محمد العريمي حين وصفها بأنها «كذبة كبيرة»، وتجسيدا لـ «فن الممكن».
مع كل ما تحمله هذه الأحداث من تقاطع وتنافر فإنها تنقلنا إلى مناقشة التداخل التقني مع السياسة، وتحيزاتها المتكررة، ومدى حدود الثقة التي يفترض أن نقف عندها مع هذه التقنيات واستعمالاتها. ولسنا بحاجة إلى إعادة سرد مفصّل لأحداث أخرى تتعلق بمعادلة التقنية والسياسة، ونذكر منها -على سبيل المثال- منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي أثبتت في غير موضع ارتباطها الوثيق بمصالح دولها، وخضوعها لشروطها القانونية والتجارية والسياسية.
يكفي أن نتذكر فضيحة «فيسبوك» قبل عدة سنوات وما أفضت إليه من تسريب لبيانات مشتركيها وبيعها للساسة، والتحيزات الجلية -المستمرة حتى اللحظة- لخوارزميات «أكس -تويتر سابقا-» وأخواتها من بقية المنصات في الصراعات، واصطفافها بكل وضوح بجانب الصف الصهيوني، وقمعها لكل ما يتصل بفلسطين وقضيتها.
هذا أيضا حال التقنيات العسكرية ومعداتها المتطورة؛ فلا يمكن أن تجد طريقها المفروش بالورود إلى أي دولة إلا وفق مراتب المصالح المشتركة، ولنا في الشراكة العسكرية -بما تشمله من تقنيات متطورة- بين الغرب وأمريكا مع الكيان الصهيوني خير دليل؛ حيث تقمص الكيان الصهيوني دور الدولة الوظيفية الراعية للمصالح الأمريكية والغربية في الشرق الأوسط.
لا أسعى عبر هذا المقال إلى أن أكون ساردا للقصص والأحداث بقدر رغبتي في الخروج بخلاصات تمنح تحذيراتنا مزيدا من المصداقية. لهذا يتعين علينا استنهاض وعينا السياسي والتقني بكل أبعاده؛ لنفحص درجات اعتمادنا على التقنيات الخارجية التي لسنا جزءا - في معظمها- من معادلتها الصناعية والتطويرية؛ إذ من السهل القول إن دورنا في هذه المعادلة التقنية لا يتجاوز حدود الاستهلاك والاستعمال المحدود والمشروط.
على غرار الهيمنة الرقمية ومنصاتها التي جاءت بمنافعها ومخاطرها، لنسأل أنفسنا عن بقية التقنيات بأنواعها المتعددة: هل ندرك حقا وجود تقنيات يمكن أن تعمل ضدنا، سواء عبر التجسس أو رصد البيانات وجمعها؟ وهل نعلم بوجود تقنيات نستعملها بدافع الضرورة والعفوية في مهام حساسة في حين أنها من تطوير شركات تابعة لدول تعتبر معادية؟ لنأخذ مثالا حيا كُشف عنه مؤخرا يتعلق بقرار الحكومة الماليزية حظر استعمال تطبيق الملاحة «ويز» على موظفي الخدمة المدنية بناء على تقرير وتوصية من اللجنة الوطنية للأمن السيبراني بعد أن وجدت أن التطبيق له جذور تطويرية إسرائيلية، ويشكّل -بالتالي- خطرا أمنيا وطنيا. ماذا عن بقية التطبيقات والتقنيات الكثيرة المنتشرة؟ هل نملك معلومات كافية عن نشأتها ومطوريها؟
كذلك في ظل حديثنا المسهب عن القضية الأوكرانية مع شبكة الإنترنت «الماسكية»، وما ارتبطت به من تداخلات مع القرارات السياسية وتقلبات مصالحها؛ فإننا نحتاج -في عموم دولنا العربية- إلى مراجعة مثل هذه الارتباطات التقنية -مثل «ستارلينك»-، وأن ندرس جدواها الحالية، وأبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
لم يغب عن بالي مشهد ممثل الكيان الصهيوني في داخل قاعة الأمم المتحدة، وهو حامل لجهاز «ستارلينك» مهددا به الممثل الإيراني باعتباره تقنية وسلاحا في آن واحد، وكأنه تأكيد على ارتباط الكيان الصهيوني بمثل هذه التقنيات، وما يمكن لها أن تحدثه من اختراقات وتحكّم.
أتمنى أن نستفيد من تتبعنا لهذه الأحداث وكشف ما تخفيه في كواليسها، وأن نستفز وعينا إلى تحقيق استقلال تقني واسع وشامل يغنينا عن الوقوع تحت رحمة المصالح السياسية وتقلباتها المحتملة وغير المحتملة.
يكفي ما نراه من تصعيد عسكري في المنطقة يحرق الاقتصاد وقطاعات الطاقة، وبات التهديد ممتدا إلى شبكات الاتصال والإنترنت، مثل التهديدات الأخيرة التي بدأت تطول شبكة كابلات الإنترنت البحرية المغذية لمعظم أنظمتنا الرقمية؛ فماذا أعددنا لمثل هذه السيناريوهات الخطيرة التي لعل بعض ملاّك التقنيات وتجارها يرجون حدوثها طمعا في تنامي ثرواتهم؟
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني